English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

اليمن ورؤيا مستقبل الجزيرة العربيّة
القسم : شؤون عربية

| |
من العالمية 2009-12-16 08:12:45


بقلم سمير العيطة:    . 
الإشكال بين الحوثيين والحكومة المركزيّة في اليمن ليس جديداً؛ وليس هو الإشكال الوحيد بين هذه الحكومة والمناطق الأخرى في البلاد، على خلفيّة نزاعات مزمنة اقتصاديّة واجتماعية وسياسيّة وقبائليّة (وأيضاً مذهبيّة، أو مع العلمانيين). ولكن أن تصل الأمور إلى هذا الحدّ، وأن تنفتح جبهة حربٍ حقيقيّة مع المملكة العربيّة السعوديّة؟
تفجّر النزاع هذا يفتح مجالاً لتدخّل القوى الإقليميّة والدولية. ليس فقط إيران، بل أيضاً القوى الغربيّة؛ حيث شدّد وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط إيفان لويس "أنّ إنجلترا لا تنظر لهذا الصراع على أنّه دينيّ ومذهبيّ، بل إنّ له علاقة بالتهميش وبأمورٍ ترتبط بظروف المعيشة" [1]. وكان قاسياً مع السلطة اليمنيّة قائلاً: "إنّهم يعرفون أننّا نترقّب إصلاحات جديّة وتحسّنٍ ملحوظ في الطريقة التي يديرون بها الحكم". (...) "فإذا لم تقم الحكومات بواجباتها تجاه مواطنيها، فهناك أنظمة متطرّفة لا ترغب فقط في نشر العنف والإرهاب، بل أيضاً تقدّم خدماتها للضعفاء الذين لا يحصلون على المساعدة أو الحماية من طرف حكومتهم".
هشاشة الدولة وترك الإشكالات الاجتماعيّة والسياسيّة تتفسّخ، هو إذاً أصل البلاء، مهماً كانت الصراعات الإقليميّة والدوليّة. ألا يكفي مثال الصومال، ومشاكل السودان؟ وألم نتعلّم شيئاً من "حرب اليمن" التي استبقت هزيمة 1967 وهزيمة المشروع العربيّ؟
المنطقة العربيّة ليست الوحيدة التي تحوي تأزّمات متفجّرة من هذا النوع. فها هي القوقاز في أوضاعٍ ربّما أسوأ. وهنا لا أستطيع إلاّ أن أتذكّر بقوّة محاضرة طويلة ألقاها السيّد أحمد داوتوغلو، وزير الخارجيّة التركي في باريس [2]. حيث شرح مقوّمات فكره، وبالتالي التوجّهات الحالية لتركيا، قائلاً أنّ التحديات الأساس اليوم هي ثلاث: النظام العالمي سياسياً (الأمن مقابل الحرية) واقتصادياً (الفعالية مقابل العدالة) وثقافياً (الكرامة مقابل التناغم). وأنّ المطلوب هو رؤيا لمواجهة هذه التحديات؛ رؤيا على الأصعدة الثلاثة المذكورة؛ لا يمكن أن تخرج من صلب الأزمة، بل هي التي يجب أن نضعها مسبقاً كي نعالج الأزمات. ويمكن الاعتراف له، ولبقيّة مسؤولي السياسة التركيّة، أنّهم خلقوا ديناميّةً جديدة إيجابيّة شمال البلاد العربيّة يمكن أن تساعد على درء الأزمات، بل بدأت مفاعيلها باهرة في التعامل مثلاً مع قضيّة كردستان العراق أو أرمينيا؛ والقضيتان تحويان إشكاليّات جوهريّة.
عودة إلى اليمن؛ السؤال الآن هو من الذي يعمل على الأصعدة الثلاث لمساعدة الدولة والفرقاء اليمنيّين لتكوين وتنفيذ رؤيا ما؟ خاصةً فيما يتعلّق بقضايا العدالة الاقتصادية وتوزيع السلطة والمنظور السياسيّ لخلافتها [3].
على الصعيد الاقتصادي، كان وما زال غريباً كيف أنّ اليمن خارج مجلس تعاون "الخليج". فأكثف بلدان الجزيرة العربيّة سكّاناً قد ترك خارج سياق النموّ الاقتصادي المتناسق نوعاً ما للدول الأخرى. لماذا؟ ألم يكن لأحدٍ الرؤيا أنّ ترك البلد الأفقر وحده لا يمكن إلاّ أن يولّد الاضطرابات ويأخذنا إلى حال اليوم؟ وربّما إلى أسوأ. هذا في حين ينظر داوتوغلو إلى أنّ التشابك الاقتصاديّ الوثيق هو "أفضل ضمانة للسلام"؛ ولم يكن تفكير الأوروبيين بعيداً عنه ذلك، عندما ضمّوا مجموع دول أوروبا الشرقيّة إلى اتحادهم.
لم يكن دمج اليمن في المنظومة الاقتصاديّة الإقليميّة ليكون سهلاً؛ بل كان يتطلّب جهوداً ماليّة كبيرة (ولكن أفضل من أن تذهب كلّ هذه الأموال هباءً في الأزمات الحاليّة) وجهوداً معنويّة أكبر في اعتبار اليمنيين ليس فقط عمّالاً مهاجرين، بل أيضاً جزءاً مكوّناً من إرث شبه الجزيرة العربيّة.
على الصعيد الثقافي والسياسيّ، لليمن تاريخه الثريّ: ليس فقط أنّه ما زال يحمل واضحاً التنوّعات الثقافية والمذهبيّة التي أتت بها إرهاصات الحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ بل أنّ تاريخه الحديث قد رسّخ تجارب اجتماعية وسياسيّة فريدة، لا يمكن محو أثرها بتلك السهولة (وأقصد هنا بشكلٍ خاص تجربة اليمن الجنوبي). فمن في محيطه، وبين العرب والمسلمين، يحاول أن يقيم "حواراً ثقافيّاً وسياسيّاً على أعلى المستويات" (كما ينصح به داوتوغلو) ويستطيع تقبّل كلّ هذا التنوّع الثقافي والمذهبي في رؤيا مستقبليّة للجميع، وأن يكون بوتقة لوساطة بين الفرقاء تساعد على إرساء الاستقرار في البلد؟
ليس الأمر سهلاً، خاصّةً على الدولة الأكبر والأقوى في الخليج، أي المملكة العربيّة السعوديّة. ولكن ربّما لو أنّها اتّخذت دوراً قويّاً كهذا، لتمّ ترسيخ التنوّع الثقافي والمذهبي (وكذلك السياسي والاجتماعي) المتواجد أصلاً على أراضيها بالذات، بشكلٍ يؤسّس لرؤيا ثقافية وسياسيّة على مستوى الجزيرة العربيّة برمّتها.
حتّى أنّ دولةً عربيّة أخرى، تربطها علاقات تاريخيّة ووثيقة باليمن والسعودية معاً، كان يمكن أن تساهم في وضع هذه الرؤيا والحوار مع كلّ الأطراف، لأنّها ليست خليجيّة وغير معنيّة مباشرةً: وأعني هنا مصر.
ولكنّ المنظر أسوأ عندما أنظر في هذا الاتجاه. فقد انخرط كلّ رجال السياسة والفكر المصريين، إلاّ نادرون، ومثلاؤهم الجزائريون في حربٍ كلاميّة هوجاء لا يمكن وصفها من جرّاء لعبة كرة قدم. وعندما تقارن كيف كانت لعبة كرة قدمٍ مماثلة هي بداية المصالحة بين تركيا وأرمينيا مع كلّ الإرث الأليم (ولا أحد يتذكّر بالمناسبة من انتصر فيها، لا يهمّ)، تشكر الله أنّه ليس بين مصر والجزائر حدوداً جغرافيّة؛ وتدعوه ألاّ تؤدّي هشاشة الدولة وأزمة الرؤيا (بما فيها حول الخلافة [4]) التي يرمز إليها هذا التهييج في كلا البلدين إلى ما هو أسوأ، وتضرّع إليه أخيراً أن تقوم بين الدول العربية دولٌ مؤسّساتيّة قويّة... تضع وتصنع لنا رؤيا.
[1] راجع مرصد BBC ومقابلة الشرق الأوسط: 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
[2] محاضرة ألقاها في "الأكاديميّة الدبلوماسيّة الدوليّة" في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
[3] راجع: العربي صديقي: "الابن سرّ أبيه: "الجمهوريانيّة السلاليّة" في مصر وليبيا واليمن"، قراءات سياسيّة؛ مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي؛ تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
[4] المصدر السابق.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
لوموند ديبلوماتيك (النشرة العربية) - افتتاحية سمير العيطة > كانون الأول/ديسمبر > 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro