English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عقوبة الإعدام: النموذج العراقي
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-12-13 08:31:36


هيثم مناع – باريس:      .
عندما كنا نصدر بيانات الإستنكار لأحكام الإعدام والقتل خارج القضاء في ظل سلطة صدام حسين، كانت المعارضة العراقية تحمل بياناتنا وتوزعها، بل كم تعهد أكثر من قيادي في أكبر تنظيمين كرديين في كردستان العراق والحزب الشيوعي العراقي وغيرهم بإلغاء حكم الإعدام في العراق الديموقراطي بعد سقوط النظام. كانت النقاشات المغلقة مع الأحزاب الإسلامية العراقية (سنية وشيعية) تظهر أن الثقافة السياسية العراقية لم تجرؤ بعد على تقويم معمق ونقدي لأحكام الإعدام السياسية في العراق الحديث. ولا ضير، فقد لعبت الحركة الإسلامية السياسية بمعظم فصائلها دور المحافظين الجدد في الثقافة الغربية، ووقفت ضد إلغاء حكم الإعدام معتمدة على قراءة شكلية لفكرة قتل النفس بالحق الواردة في سور الإسراء (33) والمائدة (32-33) والأنعام (151) والبقرة (178).
ويمكن القول بعد عشرين عاما على بيان جماعي أصدرناه في الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية ضد حكم الإعدام، أن ثقافة الإلغاء ما زالت بدائية جداً في اللغة العربية. ومجمل ما كتب من بيانات ومقالات ودراسات أقل من ألف صفحة. وأسهل مئة مرة اليوم الحديث في جرائم الشرف عن الحديث في إلغاء حكم الإعدام، رغم أن أربعة أخماس أحكام الإعدام في العالم العربي وإيران سببها سياسي، وقد أحصى المحامي اليمني أحمد الوادعي حالات استخدام المشترع اليمني لعقوبة الإعدام فوجدها في قانون الجرائم والعقوبات لـ 126 فعلا وفي قانون العقوبات العسكري لـ166 فعلا وفي قانون المخدرات لـ33 فعلا وفي قانون الاختطاف والتقطع لـ90 فعلا. في حين لاحظت منظمات حقوق الإنسان الطابع السياسي لمعظم حالات عقوبة الإعدام في إيران والعراق. ومن المأسوي أن يدافع إسلامي عن عقوبة الإعدام وهو يعرف أن نسبة الإسلاميين بين الذين كانوا ضحية هذه العقوبة هي الأعلى بين مختلف تعبيرات المعارضة السياسية.
من حيث المنطلق، وفي كل ما يتعلق بالقتل، من المتفق عليه أن جرائم الدولة أعنف وأبلغ وأكثر بما لا يقاس من جرائم الأفراد. ولا يتعلق الأمر بأمن الدولة فحسب، بل يتناول ويلات الحروب والقتل الجماعي والعدوان. ومن المتفق عليه أيضا، أن جرائم الأفراد مهما كانت خطيرة وكبيرة، لم تتأثر إيجابا بوجود أو تجميد أو غياب حكم الإعدام. فقد تطور مفهوم القصد الجنائي وأهمية العقوبة وجدواها منذ القرن الأول الميلادي، وبلغ الأمر مداه مع قانون كورنيليا الذي لم يعد ينص على عقوبة الإعدام. ومن مفارقات القدر أنه وبعد حقبة تراجع أوروبية، كان ابن عربي أول من عاد وطالب بإلغاء عقوبة القتل، لأن واهب الحياة جل جلاله وحده يملك الحق في الحرمان منها. الفكرة التي اقتبسها فيكتور هوغو عندما قال في خطبته أمام البرلمان الفرنسي في مرافعته من أجل قرار إلغاء حكم الإعدام الذي صدر في فرنسا في العام نفسه (1848): "لقد أصبحت الحقيقة ماثلة أمام الأشهاد، القرن التاسع عشر هو عصر إلغاء عقوبة الموت. إنكم تضعون في صدر تشريعاتكم ودساتيركم، أن هذا القانون أو ذاك الدستور بسم الله. وفي الوقت نفسه تخالفون تعاليم الله. إن الحق في الحياة والموت من حقوق الله وحده لا شريك له من سلطان البشر". كان الشاعر لامارتين قد سبق فيكتور هوغو بالقول قبل عشر سنوات أمام البرلمان: "ليس الموت هو الذي ينبغي أن نتعلم كيف نخشاه، إنما هي الحياة التي يجب أن نتعلم كيف نحترمها.
لا يختلف التراث الستاليني عن التراث اليميني المتطرف الغربي (الفاشية، النازية، النازية الجديدة والمحافظين الجدد...) في موقفه البائس وممارساته المثيرة للاشمئزاز في القتل داخل القضاء وخارجه. ولكن الاستعمار الغربي حمل معه عقوبة الإعدام للبلدان المستعمَرَة وطبقها فيها وهي ملغاة في عقر داره في احتقار وعنصرية واضحين. ولا يمكن التاريخ المصري أن يغض الطرف عن محاكمة دنشواي في 1906 التي حملت لمصر من بريطانيا "الصغيرة" حبال المشنقة وعلنية الإعدامات بحق فلاحين أبرياء أصدرت المحكمة المخصومة (محكمة استثنائية مختلطة خاصة غير مقيدة بقانون العقوبات) حكمها عليهم بالإعدام. ويمكن القول إن القرن العشرين شهد حركة إلغائية قوية نجم عنها انتساب أكثر من مئة وعشرين دولة لفكرة إلغاء حكم الإعدام. وصار من مفاخر وزير العدل إعداد قانون بإلغاء هذه العقوبة.
في مناسبة كهذه، يُذكر لوزير العدل السويسري قوله: "إنني لا أتصور أبدا أن تقوم الدولة –في ظل الديموقراطية- ومبادئ الإنسانية بدور "الجلاد". فواجبها اجتثاث الشر من جذوره، والعمل على تدارك الخطأ، من طريق الإصلاح والتهذيب". زميله البلجيكي قال: "لقد تعلمنا أن سبيل احترام الحياة الإنسانية يتمثل في رفضنا القاطع لقتل النفس البشرية باسم القانون". أما زميلهما الفرنسي فيفتخر بأن فرنسا أول بلد أوربي ألغى التعذيب، وأحد البلدان السباقة لإلغاء العبودية، ثم تخف حماسته القومية وهو يتأسف لأنها آخر من ألغى حكم الإعدام في 1981 (طرح الثوريون إلغاء النظام الملكي وإلغاء حكم الإعدام عشية الثورة الفرنسية وناقش ممثلو الشعب الموضوع في 1791 وألغي أول مرة في 1848).
ما الفارق بين أكل لحم البشر وقطع رؤوسهم كالحيوانات باسم القانون؟ هو ربما مجرد فارق زمني، ومسافة حضارية. من هنا اعتبر الشيخ عبد الله العلايلي حكم القتل في الإسلام من الأحكام المرتبطة بالزمان لا من الأحكام المطلقة، كما هي حال العقوبات الجسدية وهي عنده بغاياتها لا بحرفيتها. ولعل قبول أكثر من بلد إسلامي ومفكر إسلامي بتجميد حكم الإعدام يشكل خطوة انتقالية ضرورية نحو فكرة الإلغاء. لكن هل هي فقط أزمة ثقافية تاريخية أم أن هناك إيديولوجيات متطرفة في حياتنا اليومية تختبئ وراء نص قرآني أو مشاعر شوفينية انفعالية أو الطاعون الطائفي القادر على الثأر والقتل والانتقام الهمجي؟
لقد حملت محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين ومشهد إعدامه كل ضغائن الماضي الدفين. احتفاليات في يوم العيد بل أكثر من ذلك، طقوس انتقامية في مدينة العلم والحكمة (النجف). الحزب السياسي الطائفي اكتشف أكثر المشاعر الغريزية واستثمرها كما علمته بريطانيا الصغيرة في 1941 عندما أعدمت الضباط الوطنيين الثلاثة، وعززت الإعدام السياسي في 1949 في إعدام قادة الحزب الشيوعي، وكما تذّكر هيفاء زنكنة في مقالتها "برنامجا الشيوعي والدعوة في العراق: الإعدام مطلب جماهيري"، جاء في صحيفة "اتحاد الشعب"، الناطقة بلسان الحزب، بتاريخ 13 آذار 1959: "باسم الطفولة البريئة والامومة الثاكلة، باسم الدم الطهور لشهداء الموصل... علقت وسحبت جثث المجرمين النتنة في مدن الموصل وقراها".
من العار على الحركة السياسية في بلد أن لا تكون الشعارات الممجدة للإعدام مادة مسجلة لأحد.
جاء في خبر لم يكذبه أحد، أن الحكومة العراقية كانت عازمة على تنفيذ حكم الإعدام في عيد الأضحى في تسع نساء من أصل 126 صدر بحقهن أحكام بالإعدام. يبدو أن "الديموقراطية" على الطريقة الاميركية، تستدعي استعمال كل الوسائل في الحملات الإنتخابية، من الفساد المالي والرشوة والتلاعب بالقانون الانتخابي إلى استخدام كل الدناءات المذهبية والأحقاد الدفينة والغرائز المشينة. ستتحدث بريطانيا "الصغيرة" عن محكمة عادلة ولو أنها ضد عقوبة الإعدام، ولم يعرف بعد موقف إدارة أوباما إلا أن المتوقع أن لا تتدخل في "استقلال القضاء العراقي"، وستبقى الإحصاءات تذكرنا بأن 91% من أحكام الإعدام تحدث في ست دول فقط هي: الصين وإيران والعراق وباكستان والسودان والولايات المتحدة الاميركية. وأن معركتنا ضد عقوبة الإعدام هي معركة مركبة ومعقدة لأنها ضد الهمجية في الوعي الباطن للإنسان، ضد الظلامية المقنّعة في الغرب والشرق، وضد تقديس المؤسسة القضائية وأحكامها في التاريخ العربي الإسلامي. 
(ناشط في مجال حقوق الانسان)

النهار - اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro