English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عميري ورقة إيران «الهجومية»
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-10 08:18:04


لاتزال قضية اختفاء الخبير النووي الإيراني شهرام عميري، الذي أعلنت طهران اختفاءه في مكة المكرمة خلال أداء العمرة في مايو/ أيار 2009، مثار تساؤلات وخلافات بين العواصم الثلاث، طهران، واشنطن والرياض. فالاتهامات الإيرانية أخذت مسارين واضحين، الأول يتهم واشنطن مباشرة، كما جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي حين قال إن «الأميركيين خطفوا عميري، (وأن إيران تملك) أدلة تظهر أن الأميركيين أدّوا دورا في خطف عميري، وننتظر أن تعيده إلينا الحكومة الأميركية». المسار الثاني بثت تفاصيله وكالة الأنباء الإيرانية (مهر) التي نقلت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، رامين مهمنباراست، قوله «الخبير النووي عميري، سلّمته الرياض إلى واشنطن». وكانت إيران قد أكدت في أكتوبر/ تشرين الأول 2009 خبر هذا الاختفاء، عندما حمّل متقي «الولايات المتحدة مسئولية اختفاء عميري».
لكن الجديد في الأمر اليوم، هو أنها المرة الأولى التي تفصح فيها السلطات الإيرانية عن كون عميري يعمل خبيرا في مشروعها النووي.
من جانبها، ارتأت الولايات المتحدة أفضلية الصمت وعدم التعليق على تلك الاتهامات، فجاء على لسان المتحدث باسم خارجيتها فيليب كرولي «إننا على علم بالتصريحات الإيرانية. ولا أملك معلومات في هذا الخصوص ولن أقول أيَّ شيء آخر، ولن أدخل في هذا الموضوع».
أما الرياض فقد أوضحت موقفها في تصريح أدلى به رئيس الدائرة الإعلامية بالخارجية السعودية السفير أسامة نقلي قال فيه إن «السلطات السعودية بحثت عنه بعد معلومات عن اختفائه في المدينة المنورة وجميع مستشفيات وفنادق ومراكز مكة المكرمة وحتى مقر سكنه ولم تستدل عليه، (الأمر الذي) ولّد العديد من التساؤلات عن ظروف وملابسات اختفائه من مقر البعثة الإيرانية وكذلك اتصالاته».
شَذَّ عن هذه السيناريوهات تحليل مختلف نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية، أشارت فيه إلى احتمال أن يكون عميري قد «فَرَّ من بلاده التي تعاني اضطرابا سياسيا واسعا منذ الخلاف بين المعارضة والموالاة على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة».
كان يمكن أن يكون «اختفاء» عميري مسألة اعتيادية، لولا أنها أتت وسط الظروف الآتية:
1. كون عميري عالما نوويّا، يصادف اختفاؤه عودة التوتر بين الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، وإيران. وبالتالي فإما أن يكون عميري، ركيزة أساسية في المشروع النووي الإيراني؛ ما يجعل من اختفائه خسارة كبيرة قد تؤدي إلى تأخير خطة المشروع بالنسبة إلى طهران، وكشف الكثير من أسراره بالنسبة إلى واشنطن. تزداد هذه الحالة سوءا في حال كون اختفائه، «هروبا» وليس «اختطافا».
2. فشل واشنطن، حتى الآن، في تشكيل جبهة عالمية متماسكة ضد إيران، بسبب استمرارها في المضي قدُما في تنفيذ مشروعها النووي، وبالقدر ذاته نجاح طهران في تشكيل جبهة عالمية أخرى، قد لا تكون هي الأخرى متماسكة، لكنها تكتسب أهميتها من تشكيل ما يشبه السياج العالمي الذي يمد طهران بشيء من الدعم الذي تحتاجه لمواجهة الضغوط الأميركية.
3. زيارة وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل الأخيرة لواشنطن ومحادثاته التي أجراها مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون، والأهمية التي أولاها الطرفان لموضوعة الملف النووي الإيراني أولا، والصراع العسكري السعودي - الحوثي ثانيا. ولابد من التوقف عند هذا الأخير حيث كانت إشارات الاتهام الواضحة من الطرفين للدعم الإيراني للحوثيين؛ ما يُحوّل الصراع من شقه اليمني - السعودي، إلى بعده السعودي - الإيراني. وقد جاء تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ايان كيلي قبل ذلك اللقاء، بأن «كلينتون والفيصل سيتحدثان عن اليمن ووسائل بسط السلام والأمن فيه»، ليؤكد رغبة واشنطن في دفع الصراع نحو هذا الاتجاه.
4. ازدياد تزعزع الحالة الأمنية في كل من كابول وبغداد؛ ما يضاعف من الأعباء المالية والعسكرية التي لم يعد في وسع الولايات المتحدة، وسط أزمتها المالية، وفي خضم خلافاتها مع بعض الدول الأوروبية مثل روسيا، بل وحتى دول أعضاء في حلف الناتو مثل ألمانيا، تحمل تبعاتها؛ ما يجبرها عن البحث عن حليف آخر تلقي على عاتقه جزءا من تلك المسئولية التي ورطت واشنطن نفسها فيها.
5. تعقد مسيرة السلام في الشرق الأوسط، وفقدان «إسرائيل» الكثير من التعاطف الذي كانت تتمتع به من الدول الأوروبية، التي باتت تنادي بمشروع الدولتين والقدس عاصمة مشتركة لهما؛ ما يفقد تل أبيب نسبة عالية من قدراتها على الدخول في أية مواجهة عسكرية خارجية، قد تحتاجها واشنطن «لتأديب» طهران، وردعها كي تعيد النظر في مشروعها النووي.
كل ذلك يدفع واشنطن إلى البحث عن بديل محلي يقبل بدفع فاتورة المعارك التي خاضتها او تزمع خوضها ضد إيران، وعلى وجه التحديد في المجال النووي. ولعل ذلك التوجه هو الذي دفع واشنطن كي تبادر إلى جس نبض الرياض لقياس مدى استعدادها للتعاون على هذا الصعيد. بالمقابل، يبدو أن إيران ترى أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، ولذلك وبدلا من انتظار من يفرض عليها معارك عسكرية في طهران، سارعت إلى فتح معركة مشتركة ضد واشنطن والرياض على حد سواء، وحاولت أن تخلط الأوراق بطريقة معقدة بحيث يصعب فصلها، ناهيك عن إعادة ترتيبها بشكل جيد.
ولعلَّ هذا الأمر يطرح مجددا مسألة خريطة التحالفات التي تتطلبها إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، التي لا يمكن لطهران أن تقبل بأيِّ مشروع يحاول أن يستثنيها أو يهمشها، ومن ثم فهي ترى في العميري ورقة رابحة يمكن أن تعطيها الدور الذي تعتقد أنها تستحقه في تلك الخريطة.

الوسط - 10 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro