English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أزمة دبي: تحديات الإتحاد
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-12-07 08:57:46


بقلم عصام الجردي:   . 
كل الأنظار الآن تتجه الى أبوظبي، لمعرفة المحطة التي سيرسو عليها قطار أزمة الإعسار المالي التي تواجهها دبي، لسداد ديون "دبي العالمية القابضة" المملوكة من الحكومة. وقيل رسميا إنها بنحو 59 مليار دولار اميركي تستحق في 2010 من أصلها 5 مليارات استحقاق كانون الأول الجاري. أيا يكن مسار الأزمة ونتائجها، فالمؤكد أن تاريخا جديدا كتب لدبي في 25 تشرين الثاني 2009 حين أبلغت دائنيها عزمها على إرجاء سداد ديونها ريثما تتسنى لها إعادة هيكلتها.
من حق أي مؤسسة أو دولة طلب إعادة جدولة ديونها. بيد أن أخطاء جوهرية ساهمت في الأزمة التي رافقت إعلان ذلك، أهمها التكتم عن حجم الديون الحقيقية، والإعلان بعد أيام أن ديون المؤسسات المملوكة من حكومة دبي ليست ديونا على حكومتها. بمعنى أنها تجارية وليست سيادية. هذا ينطبق على المستثمرين الأجانب القلائل في دبي العالمية. أما أن يوجه الى دائني الشركات الحكومية فمسألة فيها نظر حتى ولو كان تجاريا طابع الشركات تلك.
أما اللافت بعد انتظار فكان موقف أبو ظبي المعبر عنه بلسان مصدر حكومي رفيع فيها، ومفاده أن الحكومة "ستدرس سبل معالجة أزمة دبي حالة بحالة. وستختار متى تقدمها وأين. ولا يعني ذلك أن أبوظبي ستغطي كل الديون. وأي مساعدة مالية لدبي ستتوقف على مزيد من التوضيح من جانب الإمارة".
الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في أيلول 2008، وتحولت أزمة اقتصادية لم يخرج العالم منها بعد، تم تشخيصها في البداية أزمة سيولة. ولم يشفع نحو تريليونين من الدولارات ضختهما المصارف المركزية لوقف الإنهيارات المصرفية والمالية التي وصلت في تشرين الثاني 2009 الى 106 مؤسسات في الولايات المتحدة فقط. لتنتقل الأزمة بعد ذلك الى قلب الصناعات المصرفية والمالية. لقد تدخل مصرف الإمارات المركزي في الأسواق الإماراتية في 2008 ووفر سيولة لها، وضمن الودائع المصرفية لصد موجة عاتية من الضغوط لا علاقة لدولته بها. واكتتب بعشرة مليارات دولار أميركي في إصدار دين لدبي في مطلع 2009.
مصرف أبو ظبي ومصرف الخليج الأول المملوكان بنحو 90 في المئة من حكومة أبوظبي أقرضا دبي قبل أسبوع من الأزمة 5 مليارات دولار أميركي، بعد أن أخفقت الأخيرة في تأمين تمويل قصير الأجل لاستكمال تنفيذ مشاريع تم تجميدها نتيجة الأزمة المالية العالمية.
جزء كبير من المشاريع العملاقة التي حولت الإمارة الصغيرة منارة في الشرق الأوسط كان من طريق الإستدانة. ربما غالت دبي الى حد كبير في ضؤ الإندفاعة الكبيرة والجريئة التي قادتها في الأعوام العشرة الأخيرة، ولم تتهيب بما فيه الكفاية نتائج أزمة عالمية كانت بادية للعيان منذ نهاية 2006 وبداية 2007. ومصدرها تحديدا قطاع العقارات في الولايات المتحدة. معالم الأزمة في دبي ظهرت قبل انفجار الأزمة العالمية. في الربع الثاني من 2008 تراجع متوسط أسعار العقارات نحو 20 في المئة، بعد ارتفاع محموم بنحو 80 في المئة في النصف الأول من  2007.
بالغا ما بلغ الطموح في أجواء مالية واقتصادية عالمية كالتي سبقت الأزمة وزامنتها، هناك بلغة الأسواق والمضاربات ما يسمى "تصحيحا". أي تغير في مستوى الأسعار لابد أن يحصل صعودا بعد تراجع أو العكس. حتى هذا التصحيح لم يحسب حسابه رغم تحققه واقعا – كما سبقت الإشارة – في بلد يستأثر بنحو ثلث الإستثمارات في القطاع العقاري في الخليج المقدرة بنحو تريليون و200 مليار دولار أميركي. هذا أمر يزعزع كيانات أمبراطوريات اقتصادية. فكيف في بلد صغير كدبي ؟
رغم إعجاب الكثيرين ومنهم كاتب السطور بالقفزة المشهودة التي حققتها دبي، كنت أسأل منذ سنوات صحافيا صديقا يعمل في الإمارات، وبدافع القلق من فقاعة عقارية في هذه الإمارة، لماذا أكبر برج في العالم يجب أن يكون في دبي بالذات؟ ينسحب ذلك على معالم لا مثيل لها في القطاعين الخدمي والسياحي في دول غربية متقدمة. نعم، القطاع العقاري أصول حقيقية تخدم أهدافا اقتصادية واجتماعية وتجارية. تركّز الإستثمارات فيه على نحو يتجاوز قدرات الإقتصاد وحاجات الأفراد وحجم الناتج المحلي بأضعاف أربعة كحد أدنى، كما الحال في دبي، وبمشاريع إنشاء وتطوير متسارعة لم يعرفها الشرق الأوسط والعالم الثالث من قبل، وبتمويل مثقل بالديون، تحملنا على "التنقيب" عن الجدوى الإقتصادية لتلك المشاريع إذا لم تكن منسقة مع أبو ظبي حيث المركز والثروة والنفط.
حكومة دبي لا تنوء فقط بديون "دبي العالمية" و"نخيل" وغيرها من الشركات التابعة. مياه دبي وكهرباء دبي والطيران المدني مؤسسات مدينة أيضا. ومن شبه الإستحالة في ظل الظروف المالية والإقتصادية العالمية، أن يتيسر لدبي الوفاء بالتزاماتها بدين جديد بحجم استحقاقاتها في 2010 من خلال الأسواق المالية، من دون تدخل مباشر قوي وصريح من أبو ظبي، إذا لم تستولد تلك الديون قيمة مضافة حقيقية في الإقتصاد تفوق حجم الديون. علما، أن أبوظبي مدينة أيضا بنحو 95 مليار دولار أميركي. دبي التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية حققت ناتجا محليا بنحو 85 مليار دولار أميركي حدا أدنى في 2007. هذا غير مسبوق ويسجل لدولة في حجمها وحجم مواردها. البنية التحتية العالية الحداثة والأداء التي شيدتها، والمرافق التجارية والخدمية والسياحية، والموانىء البحرية والجوية والمناطق الصناعية لن تتبخر. هي ركيزة لدولة الإمارات والخليج والمنطقة. السرعة والحسم مطلوبان الآن من أبو ظبي لإنقاذ السمعة الإئتمانية لدبي كي تلتقط أنفاسها وتحمي نفسها من الدائنين. وتكلفة الحلول ستكون أعلى في حال التردد.
عندما يضيف المصدر الحكومي الرفيع في أبو ظبي، أن "بعض كيانات دبي التجارية شبه حكومي"، فربما قصد أن حكومة دبي مسؤولة عنه، لكون دستور الدولة فصل ما بين موارد واقتصاد كل من الإمارات السبع. وكذلك في الموازنات الفرعية واستقلالية إدارة الإقتصادات. وبالتالي، فعلى حكومة دبي من باب أولى معالجة أزمتها. الأرجح أن الجدل غير المعلن بين أبو ظبي ودبي، يتركز على خيارات الثانية الإقتصادية التي تتحفظ الأولى حيالها كماً ونوعاً.
خلال يومين بعد الموقف الرسمي الغامض لحكومة أبو ظبي، ارتفع هامش التأمين على قروض دبي نحو 460 نقطة أساس. أي 4.6 نقاط مئوية. وتراجع بعد شبه التطمينات الحكومية الى 514 نقطة أساس. لا مهرب لأبو ظبي من مد العون الى دبي. ومصارفها العالية الملاءة في حدود 18 في المئة لدى بعضها تحمل نحو 15 في المئة من ديون دبي. إنما يتردد أن أبو ظبي تريد ضمانات هذه المرة قد تصل الى أصول وممتلكات لدبي شكلت علامة مميزة للإمارة مثل "موانىء دبي العالمية"، وهي ثاني أكبر شركة في العالم لإدارة المرافئ، و"طيران الإمارات" وغيرها. هذه مسألة بالغة الحساسية لدى حاكم دبي، ومشروعة في العلاقة بين دائن وبين مدين.
ما العمل؟ قد يكون حان الوقت لتطوير العلاقة داخل إتحاد الإمارات العربية بعد 38 عاما على قيامه نموذجا لمعلم وحدوي عربي عجز عنه الخطاب القومجي الممل. من الضروري مراجعة مفتوحة وصادقة بعد نحو عقود أربعة من تجربة اتحادية ناجحة حفلت بالتطورات الإقتصادية والسياسية في العالم. الإمارات العربية إتحادية في السياستين الداخلية والخارجية. وفي الدفاع والأمن والقضاء والنقد والتعليم وخلافه. قد يكون الوقت ملائما في ضؤ التطورات العالمية على المستوى الإقتصادي وأزمة دبي المالية، لجلاء بعض ما التبس شكلا كحد ادنى في الشأن الإقتصادي والمالي في دستور الإتحاد. كمثل ما ورد في المادة 23 من الباب الثاني "الدعامات الإجتماعية والإقتصادية الأساسية للإتحاد: تعتبر الثروات والموارد الطبيعية في كل إمارة مملوكة ملكية عامة للإمارة. ويقوم المجتمع على حفظها وحسن استغلالها لصالح الإقتصاد الوطني". لا يحتاج مغزى هذه المادة المهمة جدا من الدستور والصريحة الى تفسير، بمقدار ما تحتاجه من آليات وسياسات صريحة أيضا، لضمان أن "يقوم المجتمع على حفظها (الثروات والموارد الطبيعية) وحسن استغلالها لصالح الإقتصاد الوطني". أهم ما قدمه نموذج إتحاد الإمارات،كان تجاوزه لواقع الوفرة والقلة بين الإمارات السبع الأعضاء. أي الواقع نفسه الذي حال ويحول دون عمل اقتصادي عربي مشترك يرقى الى سوق عربية مشتركة كحد أدنى. ولو تكتم المتكتمون على ذلك. فكيف بوحدة عربية مع فجوة في نصيب الفرد الى الناتج المحلي من 901 دولار أميركي (اليمن) الى 72.376 ألف دولار أميركي (قطر) سنويا؟
 لقد أنجزت دبي الكثير في السنوات الأخيرة. وهكذا فعلت أبو ظبي والإمارات عموما. إنه الظرف لمراجعة التجربة العربية النموذج، في سياق عملية تكامل اقتصادي في دولة اتحادية توزع الوظائف الإقتصادية في ما بينها تبعا لخصائص كل منها وفقا لاستراتيجيا واضحة ومحددة. تماما كما هي موزعة السلطة السياسية بين الإمارات السبع بتراتبية لا تكسر. وظني، أن هذا هو صلب الموضوع الآن.
(صحافي وكاتب اقتصادي)
النهار اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro