English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تمرد الناتو على واشنطن
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-05 09:17:06


وهي في طريقها إلى بروكسل للمشاركة في اجتماعات وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون أن واشنطن «تلقت ردودا إيجابية، وميل العديد من الدول الأعضاء بالحلف نحو زيادة عدد قواتها، لكنها أقرت بأن البعض ليس مستعدا سياسيا بعد لإعلان ذلك»، معربة في الوقت ذاته «عن ثقتها بدعم الحلفاء لدعوة الرئيس باراك أوباما لزيادة المساهمة في القوات بأفغانستان».
تكشف تصريحات كلنتون هذه عن مسألتين، الأولى أن أميركا تحاول فرض المزيد من الضغوط على حلفائها، وفي مقدمتهم حلف الناتو كي يساهموا معها في تحمل الأعباء السياسية والعسكرية جراء تدخلاتها في أفغانستان، والثانية أن هناك خلافا واضحا بين مواقف الدول الأعضاء في الحلف من أولوية الدور المطلوب منه القيام به في أفغانستان.
ولفهم دعوة الوزيرة الأميركية هذه لابد لنا من العودة إلى خطابها الذي ألقته أمام مجلس العلاقات الخارجية الأميركية في منتصف يوليو/ تموز 2009 ، حين قالت بالحرف الواحد «يتحتم علينا أن نقر بحقيقتين لا مفر منهما يحددان مسار عالمنا: أولهما، إنه لا توجد دولة قادرة على مجابهة التحديات التي يواجهها العالم بمفردها. فالقضايا الماثلة أمامنا بالغة التعقيد. إذ يوجد هناك عدد كبير جدا من اللاعبين يتنافسون على النفوذ، والحقيقة الثانية هي، أن معظم الدول تشعر بدواعي قلق تجاه نفس التهديدات العالمية، ابتداء من الحد من انتشار الأسلحة النووية إلى محاربة الأمراض إلى مكافحة الإرهاب. إنها تواجه هذه العقبات وهي عقبات تقف حجرا عثرة أمام تحول المصالح المشتركة إلى عمل مشترك».
ثم تعود في الخطاب ذاته كي تؤكد أن مواجهة تلك التحديات، وحل تلك القضايا، ينبغي أن يتم من خلال «شراكة أكثر إنتاجية مع الاتحاد الأوربي، وتنشيط حلف الناتو»، الذي تعتقد كلنتون أنه «أعظم تحالف في التاريخ، وينبغي العمل على تحديث مفهومه الاستراتيجي بحيث يكون فعالا في هذا القرن كما كان في (القرن) الماضي».
باختصار ترى واشنطن في الناتو حليفا استراتيجيا ينبغي عليه تحمل مسؤولية الدفاع عن السياسة الأميركية على المستوى الخارجي، ولهذا، تسعى الولايات المتحدة، وبكل الوسائل لإرغام الحلف على أداء هذه المسؤولية وفق رؤيتها هي، وبما يخدم استراتيجيتها. وكي نقيس مدى قدرة واشنطن على الضغط على الحلف، لابد من التنويه أن الخلافات بين واشنطن ليست محصورة في نطاق الموقف من أفغانستان. فهناك الخلاف بشأن توسيع العضوية في الحلف، والذي طفا على السطح خلال جلسات القمة التي عقدت في بوخارست في نهاية مارس/ آذار 2008، فبينما كان «معظم الأعضاء يدفعون في اتجاه دعوة كرواتيا ومقدونيا وألبانيا إلى دخول الحلف، كانت الولايات المتحدة تصر على أن الإصلاحات السياسية، والقانونية في هذه الدول ليست كافية بعد». ومن ثم فهي، أي تلك الدول لم ترق إلى أهلية اكتساب عضوية الناتو.
ويبدو أن واشنطن قد نجحت في مراحل سابقة في إرغام الحلف على تعزيز تدخلاته في أفغانستان، يشهد على ذلك تنامي عدد قواته العاملة هناك، والتي ارتفعت من حوالى 33 ألفا من الجنود في نوفمبر/ تشرين الثاني 2006، كي تصل الآن إلى ما يربو على 62 ألف جندي .
هذا لايعني أن الحلف مقتنع بدوره في أفغانستان، إذ ما يزال التردد يحكم سياساته، وهو الأمر الذي أعلنه صراحة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي اندريس فوغ راسموسان حين أكد قبل أيام أن الحلف «لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقت للرد على المطالب الأميركية بتكثيف الجهود الأوروبية لدعم الحرب في أفغانستان». ويراعي الحلف في موقفه هذا ما تعاني من العديد من الحكومات الأوروبية من ضغوط متزايدة من لدن شعوبها تطالبها فيه عدم زيادة تورطها في أفغانستان، يدفعها في ذلك شعورها بفشل السياسة الأمريكية في تحقيق أي من أهدافها التي حاولت أن تبرر من خلالها تدخلها هنا.
ولعل أهم العوامل المشجعة التي قد تدفع بالناتو لعدم الخضوع لضغوطات واشنطن في تعزيز وجوده العسكري في أفغانستان، هو اقتناعه بفشل سياستها هناك على تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية. فلم تنجح الولايات المتحدة حتى في القضاء على طالبان، التي وعلى لسان قائد قوات حلف الناتو الجنرال ستانلي ماكريستال في تصريح خص به صحيفة « وول استريت جورنال « الأميركية «بدأت تمارس نفوذها (أي طالبان) وقوتها فيما وراء معاقلها في الجنوب وتشكل تهديدا مباشرا للمناطق المستقرة في الشمال والغرب وأنها بدأت في شن هجمات معقدة». وبالقدر ذاته لم تتمكن واشنطن، كما وعدت، من بناء جيش محلي قوي مؤهل لحماية الأمن وضمان الاستقرار في ربوع البلاد. بل لقد عجزت القوات الأميركية ومعها قوات الناتو حتى عن توفير الحماية لجنودها الذين بات عدد من يستاقط منهم تحت ضربات «طالبان» والقاعدة ، في تزايد مستمر.
لقد سبق لواشنطن أن أعلنت، وفي أكثر من محفل، عن عدم رضاها عما وصفته «بتقاعس بعض حلفائها الأوروبيين عن القيام بواجبهم في أفغانستان». لكن ذلك لم يكن كافيا كي تغير تلك الدول من مواقفها إزاء مشاركتها العسكرية المباشرة من خلال تعزيز ذلك التواجد. ومن هنا فمن غير المتوقع أن يسفر لقاء وزراء خارجية الحلف المنعقد حاليا عما يلبي حاجات في واشنطن على هذا الصعيد. ومما لاشك فيه أن الشهور القليلة المقبلة ستكشف عن كثير من ملامح التمرد «الناتوي»، على تلك الضغوط الأميركية فيما يتعلق بتدخله في أفغانستان.

الوسط - 5 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro