English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دبي تعرِّي الهشاشة العربية والقبلية الخليجية
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-11-30 08:01:42


تحاول دبي أن تبدو محافظة على هدوئها، وأن لا تفقد توازنها، فيما يبدو وكأنها تريد أن توجه إنذارا مبطنا إلى دول العالم، دون أي استثناء، تقول فيه «ليس أمامكم من طريق سوى مساعدتي للخروج من أزمتي، كي لا أعلن صراحة عجزي عن تسديد ديوني، ومن ثم أشهر إفلاسي فيطال ذلك مجموعة من المؤسسات المالية العالمية، التي شدت رحالها إلي، ومنذ ما يزيد على عقدين من الزمان، باحثة عن أفضل مركز عالمي للاستثمار». بهذا الموقف لاتنكر دبي الأزمة التي تعاني منها، لكنها بالقدر ذاته لا تعتقد أن عليها وحدها حصد السلبيات، دون أن يشاركها درء تبعات الأزمة من نعم بإيجابيات سياستها الاقتصادية خلال العقود الأربعة الماضية. جاءت ردود الفعل على هذا الموقف الدبوي متباينة، ويمكن تقسيمها إلى أربع فئات أساسية:
1.موقف الدول المتقدمة، والذي جاء صريحا وواضحا من واشنطن، وعلى لسان وزير ماليتها تيموثى غايتنر ، قائلا بأن «الإدارة الأميركية تراقب عن قرب الوضع في دبي، عقب طلب «دبي العالمية» التي تملكها حكومة الإمارة من دائنيها تأجيل دفع ديون مستحقة بذمتها لعدة أشهر. ثم أكده وزير المالية الكندي جيم فلاهرتي، معبرا عن مجموعة من سبع دول صناعية كبرى، والتي وفقا لتصريحاته قامت بمناقشة «تبعات احتمال تفاقم الأوضاع في دبي، وهي تراقب تلك الأوضاع عن قرب».
2.موقف الأسواق الناشئة الذي جسده تصريح وزير المالية الهندي بارناب مخرجي، الذي دعا العالم إلى تحاشي الفزع مؤكدا بأن «أزمة الديون في دبي لن يكون لها تأثير كبير على اقتصاد بلاده، مضيفا بأن المبلغ ضئيل، وأن تعرض نظامنا المصرفي للنظام المصرفي في دبي محدود، وأن الأزمة لن يكون لها تأثير كبير على صادرات بلاده للمنطقة».
3.الموقف العربي، باستثناء الدول الخليجية، والذي كان أكثر صمتا من سكوت أبي الهول، وكأن الأمر لايعني الدول العربية البتة، إذ لم يصدر، حتى اليوم أي تصريح من أية دولة عربية، بل ولا حتى من أي من الصناديق السيادية العربية، أو مؤسسات العمل العربي المشترك الاقتصادية أو المالية، ما ينمُّ عن كون الأزمة تعنيها بأي شكل من الأشكال. حتى الموقف المصري الذي جاء على لسان وزير التجارة والصناعة فيها رشيد محمد رشيد لم يخرج عن نطاق جوهر ذلك الصمت، حيث اكتفى بالقول بأن «أزمة ديون دبي لن تؤثر على الاستثمارات الإماراتية القائمة فى مصر، ولكن سيكون لها تأثير على كل دول المنطقة مستقبلا فيما يخص الاستثمارات الجديدة وما تتطلبه من شركات مقاولات ومهندسين ومحاسبين وقانونيين».
4.الموقف الخليجي، والذي كان أكثره وضوحا الموقف الظبياني، فقد أدلى مسؤول ظبياني، فضّل عدم نشر اسمه ، لوكالة أنباء رويترز قائلا إن «الإمارة ستحدد كيفية مساعدة إمارة دبي المثقلة بالديون، وإن أبو ظبي ستدرس التزامات دبي وستتعامل مع كل حالة على حدة، وإن هذه المساعدة لا تعني أن أبو ظبي ستتحمل كل ديون دبي». وعلى نحو موازٍ تحرك المصرف المركزي لدولة الإمارات وحكومة إمارة أبوظبي، وأكد الجانبان «أنهما يدرسان الوضع عن كثب ويراقبان التطورات لتحديد كيفية تدخلهما». بالطبع لابد من الإشارة هنا إلى الـ 5 مليارات دولار التي وفرها مصرفان ظبيانيان.
أول استنتاج يُستشفّ من ردود الفعل هذه هو أن إمارة دبي الصغيرة هي في القلب من مراكز العالم المالية، ولولا أنها كذلك، لما تجشم أي من المصرحين الذين أوردنا أسماءهم، وهناك قائمة طويلة تضم آخرين غيرهم، عناء تحديد موقف من أوضاع مدينة صغيرة من الناحيتين السكانية والسياسية، بحجم دبي. هذا يعني أن دبي نجحت في احتلال موقع عالمي حولها من إمارة مهملة لم يكن دورها يتجاوز تسهيل مرور تجارة المعادن الثمينة من ذهب وفضة وألماس، سوية مع غسيل الأموال القادمة من آسيا وإفريقيا، إلى مركز مالي استثماري تتجه نحوه المؤسسات ورؤوس الأموال الباحثة عن فرص إستثمارية واعدة. هذا الوضع المتميز، هو الذي أباح لهذه الإمارة الإفصاح عن رغبتها في إعادة جدولة ديونها، مهددة العالم بأن وقوفه متفرجا قد لايكون من صالحه.
ثاني استنتاج هو مدى الشلل الذي أصاب الاقتصاد الأميركي من جراء الأزمة المالية التي اتصفت به منذ العام 2007، والذي ما يزال يعاني من ذيولها وتداعياتها إلى درجة تمنعه من التدخل، بغض النظر عن حجم هذا التدخل، كما فعل حين اندلعت أزمات اقتصادية محلية أخرى، كتلك التي تعرضت لها دول شرقي آسيا في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
ثالث استنتاج هو متانة اقتصاد الأسواق الناشئة مثل الهند، وتنامي حضورها الاقتصادي العالمي. فمن جهة أصبحت تلك الاقتصادات محصنة نسبيا من الأزمات العالمية، ومن جهة ثانية أضحت في وضع يبيح لها التدخل والتفاعل الإيجابي مع تلك الأزمات.
رابع استنتاج هو أن صمت الدول العربية، باستثناء الدول الخليجية، لم يكن مبعثه التجاهل المتعمد أو المدروس، بقدر ما كان مصدره هامشية الدول العربية، وضآلة الحيز الذي تحتله تلك الدول في الاقتصاد العالمي، ومن بينه الاقتصاد الدبوي، ومن ثم فقد عرّت الأزمة الدبوية، دون أن تقصد، قزمية الاقتصاد العربي وسكونه المعبر عن تخلفه، وهزت أركان إدعاءاته المتعملقة.
خامس استنتاج، هو هامشية العلاقات الخليجية التي لم تنبرِ لمساعدة دبي في وقت هي في أمسّ الحاجة إلى من يمد يد العون لها. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الذهنية القبلية، ولا نستثني دبي منها أيضا، هي التي ما تزال تسيِّر العلاقات الخليجية التي تفضل الحلول الفردية، وغير قادرة على فهم جدوى التعاون الإقليمي، ودوره في تعزيز العلاقات الاقتصادية وتنميتها، حتى إبَّان الأزمات.

الوسط - 30 نوفمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro