English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التجربة البرلمانية والاقتصاد الريعي
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2009-11-28 08:14:05


يتعامل السياسيون بإيجابية وفاعلية في ظل مقومات ومكونات المجتمع الديمقراطي المتمثلة في دستور عقدي وبرلمان منتخب وأحزاب سياسية ونقابات عمالية وصولا إلى مؤسسات مجتمعية جميعها تعمل تحت مظلة قانون ينظمها، فتتحول من دولة تحكمها قوانين قبلية وعشائرية، إلى دولة المؤسسات والقانون.
وكما يكون للديمقراطية مقوماتها وشروطها ينسحب ذلك على نمو وتطور الوضع الاقتصادي، فنجد التحول من الاقتصاد الريعي البسيط الذي يعتمد على عملية المبادلة إلى اقتصاد موسع معقد يعتمد على السياسات الاقتصادية العالمية ليكون جزءا منها ويستفيد من إيجابياتها ما يشكل بذلك بنية اقتصادية منتجة.
إلا أن تطور الوضع السياسي والاقتصادي في دول المنطقة حكمته عوامل عديدة أثرت على تكوينه الحالي. ولعل أهم هذه العوامل الهيمنة الاستعمارية لعقود على ثرواته الاقتصادية وأهمها النفط. حيث اعتمد سياسة اقتصادية واحدة هي سياسة تملك واستغلال عائدات النفط لصالحه مقابل عوائد متواضعة لأهل المنطقة. وبعد الاستقلال لم يكن من السهل في ظل استمرار ذات السياسة التي دعمها المستعمر بآليات جديدة، تجعل الدول الخاضعة له سابقا، تابعة باستمرار وتعتمد عليه في استيراد ما تنتجه وتصدير السلع والخدمات اليها، لم تستطع الدول التابعة الفكاك من هذه السياسة فظلت على طابعها العام الاقتصادي وباتت هي السمة البارزة له إلى اليوم. ونعني بها الاقتصاد الريعي.
 والاقتصاد الريعي هو الاعتماد على مورد أو أكثر من الموارد الطبيعية كالسياحة والبترول والمعادن والغاز الخ. وإذا كان الريع لا يمثل في الاقتصاديات العالمية إلا نسبة بسيطة من الناتج القومي، نراه يشكل أكثر من 90 % من الناتج القومي لدول المنطقة. 
ولسنا هنا لندخل في تفاصيل العمل السياسي أو الاقتصادي، إلا أن ارتباط الواحد بالآخر في عملية معقدة على مستويات متعددة، يجعلنا نتساءل بعد دخول دول الخليج مرحلة جديدة من الإصلاح الديمقراطي والانفتاح السياسي، تمثل في البرلمانات المنتخبة في بعضها والاستشارية في بعضها الآخر، ما يعبر عن مدى العلاقة التي تحكم عمل البرلمان ونمط الاقتصاد الريعي، والانفتاح على الآخر من خلال ثورة وسائل الاتصال.
وليس الهدف أن نسلط الضوء على المعنى الإقتصادي للريع كأحد عناصر الإنتاج ولكن على السمات الثقافية والاجتماعية التي يستند عليها. وهذا يعيدنا إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الاقتصاد الريعي، حيث تكون الثروة الوطنية جميعها من مسؤولية الدولة التي بدورها توزع دخل هذه الثروة على المواطنين عبر كونها أكبر رأسمالي ومالك أكبر قطاعات التوظيف داخل المجتمع، بل والمهندس الكلي لمسيرة الاقتصاد. وفيها تتحول العملية الاقتصادية من عملية تنمية شاملة مستمرة إلى إلى عملية حسابية، حيث توضع الميزانية ليتم توزيعها وهكذا في حلقة دائرية مستمرة. وبهذا يظل المواطنون مرتبطين في معاشهم ومستقبلهم بمدى ثراء الدولة واستقرار سعر السلع الريعية وما تدره من دخل. فتقوى الدولة وتستقر أوضاعها بارتفاع أسعار هذه السلع، وتتجنب الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. والعكس صحيح حيث تسود حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي في حالة تدني الأسعار. 
 ولعلنا هنا لا نبالغ ونحن نرى انعكاس هذا الوضع على عمل بعض البرلمانات الخليجية، نراها تؤكد على نفس النمط السائد وتعززه عوضا عن اتخاذها أدوارا أكثر إيجابية وداعمة للتغيرات القانونية والدستورية من أجل دعم سياسات اقتصادية منتجة بعيدة بقدر عن الاقتصاد الخدماتي والريعي، يسعى للتحول إلى اقتصاد صناعي يعتمد الثروات الطبيعية كالبترول كقطاع قائد في الاقتصاد الوطني
إن المتتبع لعمل هذه البرلمانات يرى أن كل ما أنجزته مع احترامنا لجهودها، هو التأكيد على سياسة التبعية للمواطن بربطه أكثر وأكثر بريع المورد الطبيعي الوحيد المستخدم ألا وهو البترول. فنرى جميع إسهاماتها لخدمة المواطن لم تخرج في غالبيتها عن منح وعطاءات تتمثل تارة في علاوة غلاء وأخرى في زيادة العلاوة الاجتماعية، إلى منح خاصة للأرامل والمطلقات ودعم التقاعد المبكر للمرأة وما إلى ذلك من برامج تعتمد بشكل أساسي على ريع الدولة من البترول. وبهذا تحول البرلمان من هيئة سياسية منتخبة من الشعب لإدارة البلاد إلى صندوق خيري على المستوى الوطني عوضا عن المناطقي، واصبح في بعض الجوانب يحقق سياسات بعض الجمعيات الخيرية التي ترتكز على جمع التبرعات من المواطنين وتوزيعها على المحتاجين. فأصبحت هذه الجمعيات الآن في وضع سياسي يخولها جمع التبرعات من الدولة لتوزيعها على المواطنين. أما فيما يتعلق بالحفاظ على هذا المورد الاقتصادي وتطوير طريقة استخدامه فلم نرَ لليوم ما يبشر بذلك. ويبقى السؤال المعلق ماذا ستفعل البرلمانات الخيرية في ظل انخفاض الأسعار أو انتهاء عمر هذه الثروة الناضبة أصلا.

البلاد - 28 نوفمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro