English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التجنيس والطائفة الثالثة
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2009-11-22 08:33:40


 (( أتمنى أن لا نخلق طائفة ثالثة في مجتمع ذاق الكثير من الطائفية )).
إن هذه المقولة بحاجة إلى التوقف والتأمل حيالها حيث تعتبر ضمن منهج المستقبليات من أكثر النقاط أهمية وحساسية رغم أهمية المبررات الأخرى التي تطرح بشان التجنيس العشوائي الذي حدث وما زال يحدث في البلاد.
إن أهم مبررات رفض التجنيس العشوائي المطروحة على الساحة الوطنية هي:
1- إن التجنيس العشوائي ودون تخطيط استراتيجي له يخلق إرباكا كبيرا في البنية الاجتماعية والثقافية والاثنية مما يكون له انعكاس سلبي على الهوية والاستقرار الاجتماعي.
2- إن التجنيس العشوائي لا يراعي الامكانات الاقتصادية للبلاد وندرة مواردنا ومساحتنا الجغرافية ومتطلبات المواطنين الأساسية من توفر خدمات جيدة في الصحة والتعليم والإسكان والعمل اللائق للمواطنين.
3- ارتباط التجنيس العشوائي بزيادة معدلات الجريمة والتفكك الأسري والتجاوزات المتعمدة للقانون.
4- إن التجنيس العشوائي لا يخدم التنمية البشرية المستدامة المطلوبة، لذا فهو بعيد عن جذب المبدعين والعلماء وأصحاب الخبرات والتجارب والمؤهلات العلمية والتقنية النادرة أو المستقبلية.
5- ضرورة التعامل بالمثل في مسالة ازدواجية الجنسية المطبقة من طرف واحد في بلادنا، وضرورة تجنيس من يستحق من الذين عاشوا لسنوات طويلة على هذه الأرض الطيبة.
 
إن الأسباب المذكورة أعلاه متفق عليها من قبل غالبية أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية، وان كان البعض لا يريد إثارتها بشكل مفصل لاعتبارات انتخابية أو طائفية أو مصلحية أو مراضاة للحكم أو – وهو الأهم – عدم إبراز هذه المخاطر الاقتصادية والاجتماعية أمام رغبته في زيادة نسبة الطائفة التي ينتمي إليها، وكأن لسان حاله يقوده إلى غض الطرف عن المشاكل التي تفرزها هذه السياسة العشوائية في التجنيس مقابل رغبة ومصلحة طائفية آنية قصيرة المدى في التأثير على الواقع السياسي.
بيد أن إمكانية بروز طائفة ثالثة جديدة في المجتمع بجانب الطائفتين التاريخيتين المذهبيتين ( الشيعة والسنة) هو الطرح الأخطر والاهم الذي بحاجة إلى حوار مستفيض حوله، وإقامة ورش العمل والحلقات النقاشية التي من المفترض أن تطرح فيها رؤى تستشرف المستقبل المتوسط والبعيد ومدى إيجابياتها وسلبياتها على الحقل السياسي في قادم السنين.
إن احتمالية خلق طائفة جديدة اجتماعية في البلاد من المتجنسين هي المسالة المرتبطة بالأبعاد التي تطرحها القوى السياسية بما تم التعارف عليه بالتجنيس السياسي.
إن الافرازات الاقتصادية والسكانية والخدماتية ( الإسكان-الصحة-التعليم-العمل) للتجنيس العشوائي قد تكون محسوبة ومقاسة لدى الاقتصاديين والاجتماعيين المختصين في هذه المجالات، والتنبؤ بالمستقبل فيها من حيث تأثير هذه السياسة التجنيسية على الموارد المحدودة للبلاد قد يكون أيضا قابلة للقياس والحساب.
غير أن افرازات كل هذه السياسات وعلى المدى البعيد وبعد استقرار هذه الفئات المتجنسة وتوالي الأجيال جيل وراء جيل ضمن ثقافة وقيم وانتماءات مزدوجة مازالت بالمؤشرات الراهنة تتعزز في نسيج هذه الفئات الجديدة(المغتربة) سوف تعكس نفسها أيضا على المجال السياسي والحراك السياسي والموازنات السياسية وبالتالي على حسم الصراعات السياسية القادمة.
إن هذه الورقة لا تركز بالتالي على الأبعاد الاقتصادية أو السياسية والاجتماعية المباشرة، وإنما سيتم التركيز على البعد التاريخي واستشراف المستقبل الإثني للبلاد بجانب المقاربة بين النظرة العصبوية تجاه التجنيس بين الماضي والحاضر.

 
لماذا هذا الخوف من المستقبل ؟:
لأسباب عديدة، سنحصرها في مؤشرات واقعية عالمية من جهة ومرتبطة ببنية مجتمعاتنا العربية الإسلامية ذات الاقتصاد الريعي والتطور التاريخي المشوه من جهة ثانية.
فعلى صعيد المؤشرات العالمية فان الهجرات التي حدثت في بعض الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية رغم تطور هذه البلدان تطورا طبقيا واجتماعيا واقتصاديا طبيعيا وتأسيس مجتمع تعزز فيه الاقتصاد الإنتاجي وما يعني ذلك من ذوبان الاثنيات والطوائف والقوميات ضمن طبقات اجتماعية واضحة المعالم، نقول رغم ذلك إلا أن هذه الهجرات بقيت تتحصن وهي في دول المؤسسات والقانون في إطارها الخاص وتكونت ثقافات فرعية قوية ومجتمعات فرعية لها سلطتها وبرامجها وطموحاتها ومطالبها وكذلك ارتباطاتها بمجتمعاتها الأصلية، ( الإيطاليين والمكسيك والصينيين في أمريكا والهنود والباكستانيين واليمنيين والمغاربة في بريطانيا وأوروبا على سبيل المثال لا الحصر) ورغم الأجيال المتتالية من هذه الأصول غير الأوربية، ورغم قوة وصلابة هذه المجتمعات واضمحلال القوى الإقطاعية والقبلية والطائفية فيها بعد ثورتها الصناعية البرجوازية، ورغم المناعة الذاتية الموضوعية في بنية هذه المجتمعات المتقدمة، إلا أن هذه الأصول تمكنت من الحفاظ على هوياتها بل وتعزيزها ونموها والوصول بها إلى مرحلة الانتقال إلى الحقل السياسي في هذه المجتمعات القادرة موضوعيا على الامتصاص وقبول مثل هذه التحصينات وترويضها لصالح الرأسمال الضخم.
في حين المراهنة تكون خاسرة على تكرار مثل هذه التحصينات في مجتمعاتنا التي ما زالت متخلفة وتطورها مشوة وبنيتها قبلية وطائفية بشكل فاضح ومؤسساتها السياسية والمدنية هشة وترقيعية واقتصادها ريعي بعيد عن الإنتاج الصناعي الضخم القادر على تذويب الاثنيات ضمن طبقات متجانسة وواضحة، بل تكون نتائجها السياسية والاقتصادية وخيمة وخطرة، فالتنوع الثقافي والاثني مطلوب إذا ما جاء بشكل طبيعي وهاديء وبطيء حيث يبدأ الانسجام التاريخي التدريجي والذوبان والانتقال والتأثير والتأثر بين الاثنيات والأصول، وهذا ما حدث إبان مرحلة ما قبل اكتشاف النفط في المنطقة وقدوم هجرات من الساحل الفارسي والعمق الإيراني مثلما جاءت هجرات من اليمن وعمان وبعض الهنود والباكستانيين.
وعلى الصعيد الداخلي بجانب ما تم ذكره فيما تقدم أعلاه، لا بد من الإشارة إلى أهمية المقارنة بين الجذور التاريخية التي أدت إلى نجاح النموذج الرأسمالي الغربي وتعزيز دولة المؤسسات والقانون وانصياع الأصول والاثنيات والقوميات لها، وبين الواقع العربي الشرقي عامة والتطور الاقتصادي والاجتماعي لمجتمعات الخليج العربية والجزيرة العربية على وجه الخصوص، وتكثيفا لهذا التمييز، يمكن القول أن النموذج الرأسمالي يقوم على تقسيم واضح بين بنيتين: البنية التحتية الاقتصادية التي تشكل الصناعة عمودها، وبنية فوقية قوامها أجهزة الدولة ومؤسساتها وإيديولوجياتها وتشريعاتها المرتبطة بها، ومن ثم قيمها وأفكارها وسلوكياتها وممارساتها. أما مجتمعاتنا العربية والخليجية خاصة ونتيجة للعديد من العوامل التاريخية والاقتصادية والسياسية والدينية وكذلك الاستعمارية ودور القوى الخارجية، فضلا عن الجغرافيا، لم تتطور فيها الأوضاع إلى مرحلة من الممكن أن نميز بين البنيتين، بل تداخلت عناصر البنية التحتية بالفوقية بصورة كبيرة لدرجة أن أغلبية الفعل السياسي والاجتماعي هو نتاج تأثيرات البنية الفوقية التقليدية على الرغم من وجود بنية تحتية اقتصادية حديثة تعتمد على وسائل وطرق النظام الرأسمالي المعاصر، وبمعنى آخر وحسب تحليل (ريجييس دوبرييه ) المفكر الفرنسي للظاهرة السياسية التي يرى بأنها ليست من نتاج وعي الناس وآرائهم وطموحاتهم ولا ما يؤسس هذا الوعي نفسه من علاقات اجتماعية ومصالح طبقية، بل إنما تجد دوافعها فيما يطلق عليه اسم " اللاشعور السياسي الجمعي" الذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تمارس على الأفراد والجماعات ضغطا لا يقاوم، وتطبيقا لهذا المفهوم على واقعنا فان علاقات من نوع العلاقات الطائفية والقبلية والمذهبية والحزبية الضيقة والاثنية للأصول غير العربية وكذلك للمتجنسين من الأصول العربية البدوية والصحراوية وغيرها التي تستمد قوتها المادية الضاغطة القسرية من ما تقيمها من ترابطات بين بعضها البعض كأفراد ضمن جماعة واحدة تخلق لنفسها قيم المناصرة والتضامن.
وفي هذا الشأن من الأهمية ربط هذه الجماعات بمفهوم الهوية ودوائرها.

 
دوائر الهوية:
تتبنى هذه الورقة رؤية المفكر العربي المغربي محمد عابد الجابري في مجال الهوية الثقافية التي قسمها إلى الدوائر الثلاث التالية:
الدائرة الأولى تتمثل بالفرد ككائن له احتياجاته وعليه الضغوطات التي تجبره إلى الانعزال او الاحتجاج او الرفض والتطرف.
الدائرة الثانية تتمثل في الجماعة أكانت قبلية أو طائفية أو أثنية أو غيرها من الجماعات التي يلتجأ إليها الفرد أمام غياب البدائل الأخرى كملاذ وحماية وحصانة، وهي الدائرة التي تتكون فيها لاشعورا جمعيا سياسيا واجتماعيا وقيميا تصبح له قوة مادية مؤثرة.
والدائرة الأخيرة هي الوطنية أو الأمة والتي تحتضن الدائرتين السابقتين، وكلما كانت هذه الدائرة تمتلك مقومات الجذب من حيث توفير مبادئ وطنية وحقوقية كلما كانت الدائرتين السابقتين في حالة تراجع على حساب الدائرة الوطنية ولصالحها.

 
المحددات وهي بدورها منشطات:
الدوائر المتقدم ذكرها هي في حالة من التضخم أو الانكماش حيث ينتقل الفرد أو الجماعة ولاء وموقفا وذلك بتوفير أو غياب عناصر رئيسية ثلاثة هي بحد ذاتها محددات الدوائر أو منشطات لها وهي على النحو التالي:
مبدأ المواطنة: فكلما توفرت سياسات ومواقف وتشريعات عملية وحقيقية تنبذ التمييز بين المواطنين على أسس طائفية أو قبلية أو أثنية أو غيرها وتحقق المساواة بينهم وتجسد دولة القانون والمؤسسات على الجميع ، كلما ضعفت دائرة الجماعة القبلية والطائفية والاثنية في الهوية الثقافية وقويت وتضخمت الدائرة الوطنية الكبرى وأصبح الفرد منتميا ومرتبطا بهذه الدائرة ومبتعدا أو مقللا من الاعتماد والانتماء للدائرة الثانية.
مبدأ المشاركة السياسية: في صنع واتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكلما توسعت هذه المشاركة وأصبحت حقيقية وليست ترقيعية وتحققت العدالة في توزيع الدوائر الانتخابية وأصبحت السلطة التشريعية مستقلة وقوية وقادرة على أن تعبر عن رأي ومصالح الناس كلما أيضا ضعفت الولاءات الطائفية والقبلية والاثنية إذا ما رأت هذه الولاءات بأنها قادرة على أن تكون لها تمثيلها في المجالس الانتخابية التشريعية والبلدية، وبالتالي قويت الدائرة الوطنية وتراجعت تأثيرات الدائرة الثانية.
مبدأ التوزيع العادل للثروة (الاقتصاد الريعي ): فمن المعروف أن الاقتصاد الريعي يخلق قيما وسلوكا وممارسة تتعارض ومع التوزيع العادل للثروة، وبالتالي فكلما تم توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل ومنصف على عموم الشعب والمناطق من حيث التنمية والخدمات والرفاه الاقتصادي والاجتماعي كلما أصبحت الدائرة الوطنية من ضمن الدوائر الأخرى هي القوية والقائدة للمجتمع، وأصبحت الأقليات أو الطوائف أو الهويات الأخرى بمثابة غناء وتنوع ثقافي وفكري وديني تعزز الدائرة الوطنية والقومية.

 
المتغيرات الأساسية:
من الممكن أن نعطي للمحددات السابقة الثلاثة أسماء أخرى مثل الظروف والسياسات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تنفذها وتمارسها السلطة كأداة تمتلك القوة والعنف والثروة والقرار، فكلما كانت الممارسات الأمنية شديدة القمع وهناك قيود شديدة على الحريات العامة كلما يلتجأ الفرد للدائرة الثانية والعكس صحيح.
وكلما كانت الظروف السياسية انفراجية وديمقراطية وتشاركية كلما انتقل الأفراد من دائرة الجماعة إلى دائرة الوطن والامة.
وكلما كانت السياسات الاقتصادية والتنموية للدولة بعيدة عن المحسوبية والفساد والتمييز في تقديم الخدمات وتضع العدالة بوصلتها كلما أصبحت الدائرة الوطنية أكثر اتساعا وقوة وتأثيرا.

 
العلاقة الجدلية بين المحددات والمتغيرات:
تراجع أو تقوية إحدى الدوائر الثلاث وبالأخص الدائرة الوطنية أو القومية ودائرة الطائفة المغلقة يعتمد بمدى فاعلية وتنفيذ المنشطات الثلاثة التي تم ذكرها وهي: المواطنة والمشاركة والعدالة الاقتصادية، كما يعتمد على مدى غلبة الأولوية الأمنية والقمعية للحريات العامة والفوضى الاقتصادية على أولوية الاستقرار المجتمعي عبر الانفراج والمزيد من الديمقراطية وتعزيز الحريات والتنمية الاقتصادية والبشرية العادلة.
ومن الأهمية التأكيد بأن إهمال مبدأ واحد من المبادئ الثلاثة سوف يؤدي إلى بقاء دائرة الطائفة أو القبيلة قوية ومبررة تأثيراتها على الدائرة الوطنية، حيث أن غياب مبدأ المواطنة وبالتالي استمرار التمييز واللامساواة بين المواطنين حتى في ظل وجود تشاركية سياسية شكلية وترقيعية ومحاولة توزيع الثروة الريعية توزيعا عادلا نسبيا، فان مبرر الانحياز لدائرة الطائفة سيكون قويا وسيبقى اللاشعور الجمعي حاضرا للطائفة ضد التمييز الذي يمارس بحقها.
المعادلة ذاتها لو أن مبدأ المشاركة اختفت أو عدالة التوزيع للثروة الوطنية.
ورغم أن قناعتي تنحاز إلى أن أي اختلال في مبدأ من المبادئ الثلاثة يعني أن باقي المبادئ هي في حد ذاتها غير صادقة وغير حقيقية وأنها ترقيعية وشكلية.
وعليه فهناك علاقة جدلية وتفاعلية بين المحددات والمتغيرات بعضها مع بعض.
ويبدو واضحا أن مجتمعنا ما زال مبدأ المواطنة فيه ضعيفا وهشا أمام الاصطفاف الطائفي، والتشاركية السياسية منقوصة، وهيمنة العقلية الريعية سائدة، وبالتالي فان المتجنسين القادمين من مجتمعات لديها هوياتها الثقافية الخاصة بها، وان كانت بعضها عربية إسلامية، سوف تلجأ إلى الدائرة الثانية المتمثلة بتحصين ذاتها في القبيلة أو الطائفة وان كانت غير مذهبية ولكنها تمتلك سمات أية طائفة من عصبوية وانعزالية وبناء قيم وعادات بل ومهن ومشاريع خاصة بها!
 
ما الفرق بين التجنيس الراهن والاندماج السابق للأقليات غير العربية كالهولة والعجم؟
 
فعلى صعيد الأدوار القديمة فمن المعروف أن الهولة المنحدرين من حيث أصولهم التاريخية من سواحل فارس ومن الطائفة السنية، وكذلك العجم المنحدرين تاريخيا من إيران الداخل والسواحل والأطراف ومن الطائفة الشيعية، قد ساهموا تاريخيا في الحقل السياسي النضالي والكفاحي من خلال انخراطهم في التنظيمات السياسية السرية منذ الخمسينات من القرن الماضي(فرع حزب توده الشيوعي- الإيراني في البحرين وعلاقته ودوره في التأثير وتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرينية أو انخراط الأجيال الشابة التي ولدت على هذه الجزيرة العربية في الحركات القومية العديدة التي تأسست واندمجت فيما بعد في إطار تنظيم واحد هو الجبهة الشعبية بتحولاتها الفكرية وصولا إلى تبني الفكر اليساري ذو العمق القومي حيث كانت كوادر وقواعد هذه التنظيمات خليط من العرب السنة والشيعة والهولة والعجم) وهما –أي الهولة والعجم- قد كان لهما دور في الحقل السياسي الرسمي أيضا وكذلك في المجال الاقتصادي فضلا عن أدوارهم الكبيرة والمعروفة على الصعيد الثقافي والأدبي والفكري. ولذلك فان اندماجهم في العمل السياسي في البحرين لم يكن بالضرورة مرتبط بامتلاكهم الجنسية البحرينية وانتمائهم الوطني لتراب هذا الوطن كان في معظم المحطات السياسية محسوما، وقد تعامل الحكم معهم أما على أساس إنهم موالين لمواقفه لمن انحاز منهم أو معارضين له. ولذلك كان يتم اعتقالهم وتعذيبهم كمواطنين معارضين أو نفيهم للخارج تحت حجة إنهم من رعايا إيران أو من غير المرغوبين بهم( هناك كثرة من الشخصيات الوطنية المناضلة من الهولة والعجم ذاقوا عذابات الاعتقال والتعذيب والنفي بل الاستشهاد كالشهيد محمد غلوم بوجيري).
هؤلاء إذن ما تم تعريفهم بالبدون والذين كانو يستحقون الجنسية البحرينية منذ أمد طويل، وإغلاق ملفهم ومطالبتهم بالجنسية لا يغير في المعادلة السياسية وكذلك في الاستحقاقات الاقتصادية وفي الهوية الشيء الكثير، حيث أن الأمر يتعلق في تعزيز الاعتراف بالانتماء الوطني الرسمي عبر امتلاكهم الوثيقة المطلوبة قانونا ولكنهم في الواقع العملي كانوا منتمين – أو الأغلبية الساحقة منهم- لهذا الوطن.
المسألة المهمة في هذا المقام هي إن هذه الشريحة الاجتماعية الكبيرة في البلاد قد فرزت نفسها تاريخيا وراهنا وحسمت أمرها على صعيد مواقفها السياسية، أما طبقيا أو فكريا وأيديولوجيا أو طائفيا بمكوناتها السياسية، وأصبح الحكم و قوى المجتمع تمتلك مؤشرات بالنسبة لهذه الشريحة التي أصبحت مندمجة بشكل عضوي من الصعوبة تمييزها عن باقي الشرائح الاجتماعية العربية.
صحيح أن الحكم قد تعامل معه بشكل تمييزي واضح في المراحل التاريخية السابقة منذ بداية تأسيس الإدارة العامة في البلاد من حيث نصيبهم في المناصب الرسمية أو غيرها من المتطلبات، وهو تمييز ناتج عن سمتين مرتبطتين عضويا بالأنظمة العربية القبلية وتعاملها التاريخي منذ عصر الدولة الأموية التي تفاجأت بعد الفتوحات الإسلامية لفارس والإقليم المحيط بها غير العربي كأفغانستان والهند بغلبة العنصر غير العربي على العربي القبلي ذو الأصل القادم من الجزيرة العربية، وخوفا من هيمنة هذا العنصر على الدولة الإسلامية الفتية قامت الدولة الأموية بتقنين تقلد المناصب العامة ووضع شروط قاسية مما أدى إلى بروز شريحة اجتماعية ضخمة ممن تم تعريفــــهم " بالموالي".
وإذا كانت هناك نزوعات لدى البعض من العجم والهولة نحو تعزيز خصوصياتهم الثقافية، فان سبب ذلك هو تراجع المبادئ الثلاثة المتقدم ذكرها وهي المواطنة والتشاركية السياسية والعدالة الاجتماعية، وبالتالي تراجع دائرة الهوية الوطنية أمام دائرة الطائفة أو القبيلة أو الاثنية.
 
التاريخ يعيد نفسه..الموالي في دول الخليج:
السياسات التي مورست في عهد الدولة الأموية تجاه المسلمين الجدد من الأصول غير العربية في عمومها كانت شبية بالتي مورست في دول الخليج العربية التي تحكمها القبائل العربية تجاه النازحين من الساحل الفارسي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولذلك من المفيد استعراض تاريخ الموالي بشكل من التفصيل معتمدين على رؤية المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي".
لقد كان اسم "الموالي" يطلق في العصر الأموي على جميع الذين أسلموا من غير العرب. ولما كانت القبائل العربية قد تفرقت في البلدان كجند للفتح فإن ما بقي منها في المدينة و في الكوفة والبصرة كانوا إما مجندين أو "متقاعدين" في حكم المجندين، فكانوا يعيشون جميعا في إطار "القبيلة" من الغنيمة عطاء وخراجا، وهكذا تضافر عنصر الثروة مع مخيال "القبيلة" ليكون الناتج سلوكا أرستقراطيا- قبليا قوامه النظر باستعلاء إلى هؤلاء "الموالي" الذين (( جاءهم العرب بالسلام لينقذهم من الظلمات ويخرجهم إلى النور)).
ويؤكد الجابري بان هؤلاء الموالي من الناحية العملية والشرعية كانوا أحرارا، ولكنهم من الناحية العملية الفعلية الواقعية، لم يكونوا يعتبرون في مرتبة واحدة مع العرب، لقد كان هناك تمييز اجتماعي وحواجز سياسية، لدرجة أن الجابري يشبه الوضع بالخدم في المنازل اليوم!! خاصة الخدم "الآسيويين" في الخليج.
-   لقد كان رجال الأرستقراطية القبلية لم يكونوا يزوجون بناتهم للموالي، تماما مثلما الحادث اليوم وفي الألفية الثالثة !
-        السلطة الأموية لم تكن تعينهم في مناصب القضاة – إلا نادراً – فما بالك في المناصب السياسية.
-   سادت أنواع من السلوك الأرستقراطي الذي دفع بالموالي إلى مرتبة دنيا على مستوى المعاملات الاجتماعية، يكشف ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" (( إذا مرت جنازة قال: من هذا ؟ فان قالوا: قرشي، قال: واقوماه. وإذا قالوا:عربي, قال: وابلدتاه. وإذا قالوا: مولى، قال: هو مال الله يأخذ ما يشاء ويدع ما شاء))
-   كانت الأرستقراطية القبلية زمن الأمويين - كما هو شأنها دومــا-       (( تحتقر الصناعات والمهن اليدوية وتعدها من عمـــــل الموالي وحدهم. )).(( نعم، إنهم يكسحون طرقنا ويخرزون خفاقنا ويحوكون ثيابنا))" المصدر السابق". وهو ما نشاهده في الأسواق الخليجية حيث هيمنة الهولة والعجم على المهن اليدوية كالخياطة والمخابز والبيع بالتجزئة، وذلك قبل إغراق السوق بالعمالة الأجنبية الوافدة من شرق آسيا وقبل تأسيس القطاعات المصرفية والخدمية الجديدة.
-   كانت القبائل العربية ترى بان العلم والتفقه في الدين ليس مما يليق بالقرشي وهو من "أشراف" القبيلة، كانوا يقولون " ليس ينبغي لقرشي أن يستغرق في شيء من العلم إلا علم الأخبار" أي أخبار العرب وأيامهم وحكاياتهم، وهذه السمة ما زالت منتشرة في صفوف العرب والمستعربين حيث يسيطر عليهم البحث عن جذورهم وأنسابهم لدرجة أن البعض يوصل جذره العائلي إلى النبي آدم!!.
-   بينما كانت أرستقراطية "القبيلة" تعيش من "الغنيمة" وتجمع من الفيء والعطاء ثروات هائلة وتحيا حياة بذخ وترف كان الموالي محرومين من أي نصيب في "الغنيمة" حتى ولو شاركوا في الفتح جنوداً، لقد كانوا يعيشون على العمل في المهن والبيوت والفلاحة والتعليم.( وهي نفس الحالة إبان الطفرة النفطية واستفادة القبائل العربية المتحالفة مع الأسر الحاكمة في الخليج وكذلك بعض العوائل الكبيرة من الريع النفطي- مع استثناءات لبعض العوائل الهولية والعجمية التي تعاونت مع هذه الأسر ومع الاستعمار البريطاني في القرنين الماضيين!!)
-   ويبدو أن الموالي أدركوا منذ وقت مبكر أن المجال الوحيد الذي كان بامكانهم أن يكسبوا منه مرتبة اجتماعية محترمة وبالتالي نوعا خاصا من "السلطة" هو ميدان " العلم " وهكذا انكب كثير منهم على الفقه في الدين وجمع أخبار النبي وأحاديثه، ولم يمر وقت حتى أصبح هؤلاء مبرزين في العلم خصوصا بعد انقضاء جيل الصحابة، يذكر ياقوت الحموي في معجمه " انه لما مات العبادلة: عبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي" واخذ يستعرض فقهاء مكة واليمن واليمامة والبصرة والكوفة والشام وخراسان فوجدهم جميعا من الموالي، إلا المدينة التي كانت ما يزال فقيهها عربيا وهو سعيد بن المسيب. وما حدث في ميدان الفقه حدث في ميدان اللغة والأخبار والمغازي والتاريخ حيث كان الموالي هم مبدعي هذه التخصصات.
-   إن هذا التطور النوعي في صفوف الموالي رافقه تطور كمي هائل مما جعلهم يصبحون قوة اجتماعية تضايق الأرستقراطية القبلية وتهددها، لذلك فكر بعض الزعماء العرب كمعاوية بن أبي سفيان بقتل بعضهم حيث قال " إني رأيت هذه الحمراء (الموالي) قد كثرت واراها قد طعنت على السلف، وكأني انظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رأيت أن اقتل شطرا وادع شطرا لإقامة الأسواق وعمارة الطريق"(ابن عبد ربه، نفس المرجع).
-   لقد شارك الموالي في جميع الثورات وحركات المعارضة في عهد الأمويين كحركة الخوارج وثورة ابن الأشعث، لذلك مارس الأمويين سياسة "ليبرالية" اتجاههم خاصة لمن كان يعارضهم فقط بالقول دون حمل السلاح.
-   أمام ازدياد دور الموالي في الحياة العامة واصلوا اختراق "القبيلة" إما بالتحالف والموالاة طلبا للمكانة الاجتماعية وإما بواسطة دورهم كـ"خبراء" في التجارة والصيرفة والأعمال الحرة، كما برز منهم نخبة في مجال الفكر والدين والسياسة، والتحق كثير منهم ببلاط الخليفة وحاشية الأمراء وسلك الموظفين، وحاولو التأثير في سياسة الدولة.
-   لقد أصبح بالتالي " انتلجنسيا" العصر آنذاك هم من الموالي الذين جعلوا من علم "الكلام" وسيلة لممارسة السياسة بواسطة "العقيدة" ضداً على " القبيلة" وأيديولوجيتها، فقادوا بذلك حركة تنويرية عكست بوضوح ذلك الصراع الذي خاضته القوى الاجتماعية الصاعدة المضطهدة ولكن الطموحة والتي كانت تتألف أساسا من الموالي، حركة تنويرية استطاعت بالفعل أن تخترق سياج القبيلة وتؤثر في جانب من أرستقراطيتها وتستقطب بعض زعماء القبائل من داخل التحالف القبلي الأموي ذاته، بل أنها استطاعت أكثر من ذلك أن تفسح المجال لقيام تنظيمات ثورية بعضها فشلت وبعضها حقق نجاحا منها ذلك الفصيل الذي قاد باسم "العقيدة" ثورة عارمة على "القبيلة" ونظام حكمها: الثورة العباسية.
-   ومع كل ذلك لا بد من القول إذا كان هذا المجال السياسي مجالا مورس فيه نوع من الضغط السياسي فانه لم يكن في يوم من الأيام مجالا يصنع فيه القرار. لقد بقيت "القبيلة" وهي صاحبة "الأمر" والدولة طوال العصر كله، غير أن القبيلة في ذلك العصر كما في العصور الأخرى ليست سوى إطار تنظيمي و"طبيعي" لا يقوم بدوره كمحدد في الممارسة السياسية والعقل السياسي إلا بتحريك من " الغنيمة" وبحضور نوع من " العقيدة"!!( للمزيد من التعمق والتحليل انظر: كتاب الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته)
ويتوضح من هذا التشخيص المفصل للسياسة الأموية تجاه المسلمين من غير الأصول العربية بان كثرة من هذه الممارسات والسياسات قد مورست في دول الخليج العربية بحذافيرها!! تجاه الهولة والعجم.
 
المفهوم الريعي للمواطنة:
 
والسمة الثانية المرتبطة عضويا بالحكم القبلي الخليجي هي العقلية المرتبطة بالاقتصاد الريعي(النفط) حيث تعيد الدولة الريعية توزيع الثروة الريعية على الأغلبية من السكان وتقتضي ذلك التفرقة من ناحية بين الأقلية والأغلبية، ونجد أن الفئة المحدودة من المجتمع تحصل بشكل مباشر على الثروة (الريع النفطي) وتصبح بالتالي هي الدولة والحكومة والمستفيد المباشر من هذا الريع وهي القوة الاقتصادية التي ما تلبث وان تتركز في يدها القوة السياسية. وعليه تصبح هذه الدولة وظيفتها الأساسية هي توزيع المزايا والمنافع على أفراد المجتمع، هذا الدور للدولة الريعية عكس نفسه على تشكيل علاقات المجتمع بحيث تم ترتيب هذه العلاقات على نحو يسمح للمصالح الخاصة والفئات الاجتماعية المختلفة بالحصول على اكبر قدر من إعادة توزيع الريع، الأمر الذي أدى إلى ظهور فكرة "المواطنة" المرتبطة بعناصر الثروة ومصادر الكسب الاقتصادي لأبناء هذه الدول فقط، بدلا من ارتباط فكرة المواطنة كما هي متعارف عليها في المجتمعات الغربية بفكرة الانتماء للوطن والعمل والإنتاج والكفاءة، لذلك تم تثبيت هذا المفهوم الريعي للمواطنة في قوانين الجنسية وبرز ذلك الحرص الشديد على عدم التوسع في التجنيس وظهر التمييز بين فئات المواطنين، بين المواطنين الأصليين والمتجنسين، كل ذلك بهدف أن لا يتم توزيع الثروة الريعية على كل القطاعات الاجتماعية في المجتمع وإنما على الموالين للحكم والداعمين له فتكونت علاقة مصلحية بين مالك الثروة وبين المستفيد من توزيع جزء من هذه الثروة عليها على شكل هبات أو مكرمات أو توزيع أراض شاسعة ومن ثم شرائها منهم بأسعار عالية أو ترسية المناقصات التجارية المرتبطة بالولاء أكثر من الجودة والكفاءة، وهذا "خلاف الوظائف الحديثة للدولة التي يصب جهدها على الوظائف التي تؤديها لمواطنيها أو العمليات التي تنفذها لتحقيق الوظائف التي تلتزم بها أمام مواطنيها، وفي كلتا الحالتين تنتفي الحاجة إلى البحث في أصول الأشياء وأصول المواطنين والناس وينصب الجهد على وصف المشكلات القائمة ووضع التشخيص لعلاجها، وهكذا تستطيع الدولة الحديثة أن تتحرر وتحرر شعبها من عقد الماضي وأمراضه وان تكرس جهدها لمشكلات الواقع المعاش"(المصدر: صراع الدولة والقبيلة في الخليج العربي، الدكتور محمد جواد رضا، 1992م).
لقد تزامن مع الاقتصاد الريعي نمو القطاعات الإنتاجية، وكان هذا التقسيم الاقتصادي قد توافق مع تقسيم اجتماعي بين المواطنين والوافدين، وعامة غلب على الوافدين على القطاعات الإنتاجية حيث تركز الاقتصاد الريعي في أيدي المواطنين، وبرز التمييز والفصل بين المواطن والوافد، ليس في الحقوق السياسية وحقوق المواطنة فحسب، بل في شبكة العلاقات الاجتماعية والنظرة الدونية للمهن اليدوية والإنتاجية بشكل عام، الأمر الذي أدى إلى عدم الاستعداد المجتمعي لقبول وانصهار الوافد فيه مهما كانت إقامته في هذه الدولة.
ومن المؤشرات التي تفضح هذا التوجه أن التعليم الفني والمهني، وهو تعليم سادت النظرة إليه في هذه الدول بوصفه تعليما مغلقا للفئات الفقيرة والكادحة. ولقد سادت أيضا وجهة نظر محافظة تقول أن مشكلة هذا النوع من التعليم تعود إلى التكلفة العالية، ولذلك فان معظم إن لم نقل كل الدول الريعية توسعت في التعليم النظري لأنه اقل تكلفة من هذا النوع من التعليم، والمفارقة هنا أن البلدان النفطية الغنية وذات الثروات الهائلة كانت قادرة منذ البدء على أن تقيم تعليما فنيا بشكل أفضل، ولكن ذلك لم يحدث ولم يتم في تلك البلدان، وظل التعليم الفني والمهني قاصرا على الفئات التي وفدت إلى الحضر من البادية، والفئات غير الأصيلة (غير القبلية)، أي الفئات الفقيرة والمحرومة، وظل التعليم النظري مدخلا للتعليم العالي وقاصرا على أبناء الميسورين، ونستثني هنا البحرين جزئيا باعتبارها ليست دولة نفطية بالكامل وليست ذات بنية بدوية وقبلية كما هي سائدة في باقي دول الخليج، رغم أنها أبان الطفرة النفطية حاولت إبراز تراث وقيم وتقاليد القبيلة بشكل فاضح!!
 
الأوضاع السياسية والأمنية الدافعة للتجنيس:
 
في ظل التشخيص أعلاه، يتوضح أن الدولة في البحرين لم تعتمد بالتالي على أبناء الشعب من الطائفتين ومن الأجناس والأصول لحماية أمنها ولا حتى لإنتاج ثروتها الوطنية، وخاصة بعد الانتفاضة العمالية عام 1972م وحل المجلس الوطني عام 1975م وبدء الحكم في تمركز جميع السلطات في يده واحتكاره الثروة النفطية بعد الطفرة السعرية الهائلة لهذا النفط بعد حرب أكتوبر 1973م، حيث نعتقد بان هذه الثروة الكبيرة كانت لها الدور الأكبر في حل السلطة التشريعية والرقابية في البلاد، ومنذ ذلك التاريخ بدأت الدولة تستعين بالعمالة الأجنبية الوافدة من الهند وباكستان كمرحلة أولى منذ الستينات وتركيزا منذ ما بعد الاستقلال الوطني في بداية السبعينات، وكان من ضمن أهداف استقدام العمالة الأجنبية هو كسر شوكة المعارضة السياسية التي كانت ذات تأثير قوي في صفوف العمال والموظفين، الأمر الذي أدى إلى الاستعانة بهذه الطبقة في رفع مطالب نقابية وسياسية وعبر استخدام وسائل عديدة منها الاضرابات العمالية. ولمواجهة ذلك أقدمت الدولة في إغراق سوق العمل بقوى عاملة أجنبية قادمة من مجتمعات فقيرة يبحث العامل فيها عن لقمة العيش دون الاهتمام بشروط وظروف العمل وساعات العمل والأجور المتدنية. وبالطبع هناك عوامل أخرى أدت إلى زيادة استخدام العمالة الأجنبية منها الاقتصادية وضرورات التنمية وبناء البنية التحتية إبان الطفرة النفطية في السبعينات من القرن الماضي، غير أن هذه الورقة ليست مجالها حيث تركز على البعد السياسي من استقدام العمالة من الخارج وعلاقتها بالتجنيس.
وعلى نفس المنوال من عدم الثقة بالمواطن بدأت الدولة على صعيد بناء الجيش والأمن تستعين بالأجانب(البلوش والباكستانيين) وبالعرب من الأصول القبلية من الأردن والسودان واليمن (تم استبعاد السودانيين لاحقا بعد رفضهم المشاركة في القتال أثناء المناوشات والتوترات أبان الخلاف البحريني القطري على جزر حوار)، مع بقاء التحالف القبلي التاريخي والاعتماد عليه في المناصب القيادية في هذين الجهازين، هذا التحالف الذي بدأ بدخول أسرة آل خليفة إلى البحرين مع بعض القبائل العربية التي نزحت مع قبيلة آل خليفة من الكويت إلى الزبارة ومن ثم إلى البحرين.
واستمر الحال على هذا المنوال مع توظيف أبناء البلاد في الوظائف الدنيا وكجنود وحراس إلى لحظة انتصار الثورة الإيرانية الإسلامية الشيعية والتي قلبت موازين المنطقة الخليجية وبدأت الاصطفافات الطائفية تتعزز في المجتمع على كافة الصعد ومنها التمييز في التوظيف وبالأخص في الوزارتين الداخلية والدفاع، والاعتماد أكثر فأكثر على العرب من اليمن وسوريا والأردن وعلى أبناء القبائل العربية الحليفة تاريخيا، وأخيرا على أبناء الطائفة السنية من العرب في غالب الأحيان مع استثناءات في توظيف الهولة السنة.
وتفاقم هذا التمييز في التوظيف بين أبناء الشعب الواحد من السنة والشيعة بشكل صارخ إبان التسعينيات من القرن الماضي حينما اندلعت انتفاضة شعبية كانت وقودها الأعظم بل الكلي أبناء الطائفة الشيعية التي ذاقت التمييز ليس فقط في التوظيف بل أيضا في أعمار المدن والقرى ذات الأغلبية الشيعية وفي توزيع المناصب الإدارية العليا.
في تلك الفترة من عمر البلاد والممتدة من السبعينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي كانت ذات العقلية الريعية التمييزية سائدة حيث كانت عمليات التجنيس صارمة بحق المواطنين ذو الأصول الفارسية أو الجذور والمذهب الشيعي، وكان جل التجنيس يتركز على البعد الأمني وحماية النظام السياسي، لذلك كانت الأفواج من الرجال القادمين من اليمن أو سوريا أو الأردن كرجال امن وقوات شغب أو في الدفاع هم الذين يستحوذون لمن يرغب على الجنسية البحرينية، ولم يكن الهاجس السياسي مهيمنا كالهاجس الأمني رغم ترابط الهاجسين ترابطا عضويا.
ومرد ذلك أن الحكم في تلك المرحلة لم يكن راغبا في الإصلاح والتطوير السياسي والديمقراطي بل كان مستمرا في نهجه القمعي والحكم الشمولي وتطبيق قانون وممارسات امن الدولة.
وكانت الظروف الإقليمية والدولية ما زالت تخدم سياسات النظام فالحروب مستمرة في المنطقة والجمهورية الإسلامية في إيران ما زالت متعارضة في مصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية حليفة وحامية الأنظمة الخليجية وما زالت الحرب الباردة بتوازناتها ومتطلباتها تفرض شروطها على المنطقة.

 
التجنيس السياسي بعد مرحلة الانفراج الأمني وتدشين مشروع الملك الإصلاحي:
 
جملة من المتغيرات والمستجدات الدولية والإقليمية والمحلية ضغطت نحو القيام بتحول نوعي في سياسة الحكم في البلاد بعد تقلد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة سدة الحكم في نهاية التسعينات من القرن الماضي، فالحرب الباردة قد انتهت وسقط المعسكر الاشتراكي الذي كان عامل استراتيجي في الاستقطاب الدولي، وبدأت مقولات حقوق الإنسان والمشاركة الشعبية والديمقراطية تهيمن على السياسات والمواقف ومعايير المنظمات الدولية بما فيها الاقتصادية والتجارية العالمية، والتدخلات الدولية في الشؤون المحلية والمساس بالسيادة الوطنية أصبحت مشرعنة بالقانون الدولي خاصة بعد سقوط النظام الإسلامي في أفغانستان وأحداث 11 سبتمبر، والمخاطر الإقليمية خفت بعد هزيمة العراق وخروجه من الكويت والبدء في تنفيذ مخطط إسقاط نظامه السياسي، بجانب التحولات السياسية والاقتصادية في إيران، ونجاح المقاومة اللبنانية في تحرير الجنوب اللبناني وتنفيذ مشروع السلام الإسرائيلي الفلسطيني.
وعلى الصعيد المحلي بات واضحا عدم نجاح السياسة الأمنية والقمعية في إدارة البلاد وان الضرورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل الأمنية تفرض تغيير اللعبة السياسية والانتقال إلى ملعب سياسي جديد قوامه الانفراج الأمني بتبييض السجون وعودة المنفيين والعفو العام وإلغاء قانون ومحكمة امن الدولة والبدء في ترقيعات إصلاحية تشريعية ورقابية ومحاسبية وقضائية على أن يكون الملك والحكم هما سيد الموقف في كافة هذه الإصلاحات.
غير أن هذا الملعب السياسي الجديد قد خلق متغيرات ومحددات جديدة لابد من التنبؤ باحتمالات مستقبلية وباستمرار أن تكون خيوط اللعبة السياسية الجدية في يد الحكم وعدم انفلاتها لغير صالحه، ومن هذه المحددات الجديدة الدوائر الانتخابية وكيفية التحكم والسيطرة على الأصوات الانتخابية وبما يحقق التوازن الطائفي أولا، ووجود قوي للقوى المتحالفة والمنحازة والمؤيدة والمتعاطفة والمعتمدة على الحكم ومع الحكم، وهنا بدأت تنفيذ سياسة التجنيس بهدف تحقيق التوازن المذكور وانتقل الهاجس السياسي للمرتبة الأولى بعد أن كان الهاجس الأمني هو المهيمن رغم بقاء الترابط العضوي بين الهاجسين، فالأمن يكمل السياسة في بقاء الوضع تحت السيطرة !.
وساعد الحكم في هذا الأمر متغيرات دولية منها مسألة حقوق الإنسان حيث أصبح حق الإنسان في طلب الجنسية جزء من معايير دولية وأصبحت حقوق العمالة المهاجرة تطرح بقوة على العالم المتحضر.
إن احد أهم التنبؤات المستقبلية القابلة للتحقيق وذلك بسبب ارتباطها بالمعايير الدولية للمنظمات ليست فقط الحقوقية والشفافية العالمية بل الاقتصادية والاستثمارية التي تقيس استقرار مناطق الاستثمار هو التوزيع العادل والشفاف والموضوعي للدوائر الانتخابية ليعكس ذلك نفسه على التمثيل العادل والحقيقي للمواطنين في البرلمانات والمجالس البلدية والإدارة المحلية، وان الضغوطات العالمية في هذا الشأن آتية لا محالة، وكذلك فان استمرار مصداقية السلطات التشريعية في الدول النامية الداخلة في عمليات الإصلاح السياسي والديمقراطي وان كانت سلطات تشريعية ترقيعية وشكلية وذات صلاحيات محدودة غير أنها ضمن المقاييس الدولية للمنظمات ذات العلاقة فان تركيزها واهتماماتها وضغوطاتها توجه صوب التمثيل العادل للمواطنين، وان أهم أدوات التمثيل العادل هي الدوائر الانتخابية.
لذلك فان استمرار الوضع غير الطبيعي والشاذ للدوائر الحالية سوف يواجه تدريجيا ضغوطات داخلية من المعارضة وخارجية من تلك المنظمات بل وحتى الدول الحليفة الغربية.
إن الاستعداد للأسوأ هو طريق وأسلوب مستخدم في إدارة الأزمات القادمة والراهنة، ولذلك فان سياسة التجنيس السياسي الراهن تصب في الاستعداد لتحقيق الاحتمال المذكور والبدء في إعادة توزيع الدوائر الانتخابية ليكون التمثيل متكافئا من حيث كثافة السكان في كل دائرة.
غير أن هذه الاستراتيجية قصيرة النظر إذ لا تراعي جملة من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المستقبلية والتي طرحناها في بداية هذه الورقة.
كما إنها لا تراعي احتمالية تشكيل طائفة ثالثة في المجتمع من المتجنسين الجدد، تلك الطائفة التي تميز نفسها أيضا ليس فقط من جانب المذهب مع الطائفة الشيعية وانسجامها مذهبيا مع الطائفة السنية، وهو الدافع الراهن في سكوت بل وموافقة بعض السنة لهذه السياسة التجنيسية- وان بدأ الإحساس بخطورة التجنيس يتحول إلى احتجاج وفعل ملموس لدى أبناء الطائفتين-، بل ستميز نفسها قيميا وثقافة وتقاليد وطريقة حياة وممارسات وانتماءات للأصول بل وارتباطات مع الخارج الأصل سياسيا واقتصاديا وثقافيا وقيميا ومصلحيا، وهو تمييز يعطي للطائفة الجديدة خصوصيتها عن الطائفتين الأساسيتين في البلاد، بل قد يؤدي ذلك إلى فزعات واصطفافات لأبناء هذه الطائفة الجديدة من كل الجنسيات وتوحدها لمواجهة الرفض والصد اللاشعوري الجمعي للمجتمع البحريني لها، الأمر الذي يؤدي إلى تحصين نفسها بالتمركز في مدن ومناطق محددة، وهذا ما يقوم به الحكم حاليا في تمركز جغرافي للمتجنسين في المحافظة الجنوبية لملئها وتكثيفها سكانيا ليكون أي توزيع جديد للدوائر الانتخابية يخدم الهدف الذي كشفناه أعلاه، كما ستقوم بتحصين نفسها عبر تمييز نفسها في الاحتفالات والمناسبات وحتى في التقاليد والممارسات بل ومن الممكن في الشعائر الدينية، بل ستميز نفسها في نوعية الوظائف والمهن والتجارة، وهي سمة أية طائفة أو أقليات تبدأ في تشكيل نسيجها القيمي والمصلحي أسوة بالجاليات الصينية والهندية والمكسيكية في أوروبا وأمريكا والتي أصبحت رغم شرعية مواطنيتها لديها أحيائها ومدنها وتجارتها واحتفالاتها وثقافتها الفرعية.
ومؤشرات تكوين الطائفة الجديدة بادية للعيان من وجود تجمعات خاصة بالمتجنسين وشيوخهم المسئولين في التوسط لحل المشكلات والخلافات ومقاهيهم وأعمالهم ومناطقهم شبه المغلقة.
غير أن الفرق بين هنا (البحرين) وهناك (أمريكا وأوروبا وشرق آسيا) هو في الأهداف الوطنية للتجنيس ووجود استراتيجية وقوانين واضحة تهدف إلى استقطاب الكفاءات المهاجرة والاستثمارات والأموال والعقول المبدعة وتعزز المواطنية وليست الطائفية، وتفرض القانون على الجميع، وتحقق الحقوق للجميع بعدالة نسبية. وهذا ما يؤدي إلى استفادة المجتمع والاقتصاد بل والثقافة الكلية الوطنية من الثقافات الفرعية لهذه الجاليات.
إن تنوع وتعددية الثقافات في المجتمع الواحد ظاهرة ايجابية وحضارية وإنسانية بشرط أن يكون هذا المجتمع قد حسم أمر الحقوق والحريات وتأسيس دولة القانون والمؤسسات والمشاركة السياسية وتنفيذ حقيقي لمبدأ المواطنة وتداول الحكم ووجود سلطات تشريعية ورقابية وقضائية قوية ونزيهة ومستقلة، بحيث يتمكن المجتمع من امتصاص الأزمات والاحتقانات عبر مؤسسات ديمقراطية وقضائية بدلا من تحصين كل طائفة وجالية وأقلية نفسها واعتماد أبنائها على التعاضد والتعصب الداخلي لهذه الطائفة أو تلك.
وبدون هذه المقومات الأساسية وغير المتوافرة في البلاد لغاية تاريخه فان استمرار سياسة التجنيس الراهنة سوف تخلق طوائف من الاثنيات والأقليات المغلقة والمتصادمة مع ما هو مستقر اجتماعيا منذ القدم، بل وقد تحاول أن تفرض أجندتها الخاصة السياسية، في ظل مجتمع هش ريعي الاقتصاد وقبلي الإدارة وتجميد للعديد من المقومات الديمقراطية والحقوقية والمواطنية والسياسية والقضائية والمدنية.
جمعية الاجتماعيين البحرينية - الحلقة الحوارية - نادي العروبة - 21 نوفمبر 2009  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro