English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

القانون الدولي.. إسرائيل وفلسطين: عقوبات ممنوعة لنظام التمييز العنصري
القسم : سياسي

| |
السفير 2009-11-06 07:39:07


بقلم جون دوغارد:     .
إن الصراع حول فلسطين هو صراع سياسي يجري ضمن إطار قانوني، فمنذ بداية الصراع، ومع خطة التقسيم المشؤومة التي شملها القرار 181 لعب القانون الدولي دوراً مهماً في الصراع، واليوم، فإن هذا الصراع يتم من خلال الجدل القانوني أكثر من أي وقت مضى. وبالتالي، فمن المناسب أن ننظر إلى هذا الصراع من وجهة نظر قانونية كما سنفعل في هذا المؤتمر.
منذ إعلان «دولة إسرائيل» قبل ستين عاماً، و«إسرائيل» تنتهك القانون الدولي بشكل مستمر. فعلى مرّ السنين، قامت «إسرائيل»، وما تزال، بانتهاك بعض أكثر المعايير أساسية في القانون الدولي. فقد اتُهمت «إسرائيل» بانتهاك القانون الدولي من قبل كل من: مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والأجسام والهيئات المراقبة لتطبيق اتفاقية حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذا الجانب، تشبه «إسرائيل» نظام الفصل العنصري الذي حكم جنوب أفريقيا وقام بانتهاك القانون الدولي لأكثر من أربعين عاماً، من خلال ممارسة التمييز العنصري، والقمع السياسي، وتصنيع الأسلحة النووية، والقيام باعتداءات عسكرية على جيرانه.
إلا أن التشابه بين الاثنين يقف عند هذا الحد. فقد فرض مجلس الأمن الدولي على دولة جنوب أفريقيا حظر استيراد السلاح، وتعرضت لشتى أنواع العقوبات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول الكبرى، وعزلت عن المجتمع الدولي من النواحي التجارية والرياضية والتعليمية والثقافية. وفي النهاية، رضخت دولة جنوب أفريقيا للضغط الدولي وتخلت عن نظام الفصل العنصري. أما «إسرائيل»، فقد ظلت صديقة للغرب، ولم تتعرض إلا للقليل من الضغوطات لحثها على الالتزام بالمعايير الدولية... لماذا؟ وما هي عواقب هذا الأمر؟ هذه بعض الأمور التي أود أن أتحدث عنها اليوم.
في مقاربة هذا الموضوع أود الحديث عن ثلاث قضايا، أولاً: المعايير القانونية الأساسية التي انتهكتها «إسرائيل». وثانياً: ردة فعل المجتمع الدولي، ولماذا «إسرائيل» محمية. وثالثاً: ما هي عواقب الوضع الحالي وانعكاساته على السلام العالمي بشكل عام، وحقوق الإنسان بشكل خاص.
     = 1ـ المعايير القانونية التي انتهكتها «إسرائيل»:
إن التطهير العرقي هو أحد أكبر الجرائم الدولية شناعة، وهو بالتأكيد جريمة ضد الإنسانية، وقد يشكل إبادة جماعية. لقد صورت «إسرائيل»، عند إعلان قيامها سنة 1948، عملية التطهير العرقي التي شنتها ضد الفلسطينيين على أنها هجرة أو رحيل اختياري قام به مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الدول المجاورة. ومؤخرا، تم تدقيق السجلات التاريخية بتأن أكثر من ذي قبل، من قِبل إيلان بابي Ilan Pappe وغيره (انظر التطهير العرقي لفلسطين 2006 ـ The Ethnic Cleansing of Palestine). ولم يعد هناك شك بأن «إسرائيل» قامت بطرد ما يقارب الـ 750 ألف فلسطيني من أرضهم وديارهم، بطريقة وحشية محسوبة، وباستخدام العنف والإرهاب.
وإمعانا في الأمر، تجاهلت «إسرائيل»، وما تزال، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي صدر في 11/12/1948، والقاضي بوجوب السماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم، ودفع التعويضات لهم في حال لم يرغبوا بالعودة. وعلى الرغم من أن «إسرائيل» ارتكبت منذ السنة الأولى لإنشائها جرائم ضد الإنسانية بطريقة ممنهجة، ورفضت الرضوخ لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحل قضية اللاجئين، فقد سمح لها بدخول الأمم المتحدة سنة 1949، كدولة محبة للسلام، قادرة على، بل ومستعدة، لتطبيق ما يترتب عليها من التزامات تفرضها شرعة الأمم المتحدة. وبالتالي، فإن المجتمع الدولي غض الطرف منذ البداية عن جرائم «إسرائيل»، مما عنى أنها سوف تكون محمية ومقدمة مهما ساءت تصرفاتها. فعلى سبيل المثال لقي العدوان الإسرائيلي على سيناء سنة 1956 ترحيباً داخل «إسرائيل» (وفرنسا وبريطانيا) على اعتباره عملاً دفاعياً وحرباً عادلة ومبررة. ولكن، مرة أخرى، فإن الدراسات التاريخية التي أجريت مؤخراً، واستطاعت أن تضع يدها بشكل كامل على المادة التاريخية المتعلقة بالموضوع، توصلت إلى خلاصة مختلفة عما قيل في زمن الحرب. فالمؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم يرى أن كلا من «إسرائيل» وبريطانيا وفرنسا، كانوا متورطين في «العدوان الثلاثي» الذي كان له عواقب كارثية. (انظر الجدار الحديدي 2000، The Iron War ص 184). والمفاجئ في هذا الخصوص أنه على الرغم من تحفظات بريطانيا على إنشاء «دولة إسرائيل» في سنتي 1948/1949، إلا أنها لم تتورع عن جعل «إسرائيل» حليفة لها في حرب عدوانية.
والمجتمع الدولي موحد في اعتقاده بأن اتفاقية جنيف الرابعة ملزمة لـ «إسرائيل» فيما يتعلق بتعاملها مع الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة. وهذا الاعتقاد مبني على مبادئ قانونية سليمة، وعلى تفسيرات الاتفاقية. ولكن «إسرائيل» أثارت مجددا حججا واهية لتبرير رفضها لتطبيق الاتفاقية في الأراضي المحتلة، مدعية بأنها لم تقم باحتلال أراضي دولة ذات سيادة، مما يجعل اتفاقية جنيف الرابعة غير قابلة للتطبيق على تلك المناطق. وعلى الرغم من الإجماع الدولي حول هذا الموضوع، فإن «إسرائيل» ترفض الانصياع. فحتى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لسنة 2004، لم يقنع «إسرائيل» بقبول أحكام القانون الدولي. وبالتالي فإنه من غير المستغرب أن تقوم «إسرائيل» بتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية (وفي غزة سابقاً)، بناء على حجة عدم إلزام اتفاقية جنيف الرابعة. ويشكل رفض «إسرائيل» لوقف بناء المستوطنات انتهاكا واضحا للمادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمجتمع الدولي متفق على ذلك، وليس هناك من يدعم حجج «إسرائيل» الواهية، فحتى المحكمة العليا الإسرائيلية التي عادة ما تكون مستعدة لتقديم الدعم للحكومة لم تصادق على هذا الموقف. ولكن، رغم ذلك، لم يستطع المجتمع الدولي ان يقوم بخطوة ذات مغزى، على الرغم من الاستمرار في بناء المستوطنات، مما يجعل الحل القائم على إنشاء دولتين حلا غير قابل للتطبيق أكثر فأكثر.
وتنتهك «إسرائيل» أيضا العديد من البنود الأخرى لاتفاقية جنيف الرابعة، وذلك من خلال فرض العقوبات الجماعية (المادة 33)، وتدمير الأملاك والمنازل من دون أن يكون هناك ضرورة عسكرية لذلك (المادة 53). وعادة ما يُنسى ان هذه الاتفاقية، وكذلك أعراف القانون الدولي، تفرض على «إسرائيل» ان توفر المتطلبات الصحية والتعليمية للناس الخاضعين للاحتلال، وأن توفر لهم الطعام والدواء المناسب (المادة 50، 55، و56). إلا أن «إسرائيل» لا تفي بهذه الالتزامات، وتعتمد بشكل تام على المجتمع الدولي المانح، وعلى مهربي البضائع في الأنفاق للقيام بهذه المهمة. وبالطبع، فإن المجتمع الدولي المانح في موقف لا يحسد عليه، فهو من جهة يعلم أنه يدعم «إسرائيل»، ولكنه من جهة أخرى يعلم أيضا أنه إذا لم يقم بما يقوم به فإن الشعب الفلسطيني سوف يعيش المعاناة.
وفي وقت ما في السبعينيات، بدأت كل من «إسرائيل» ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بتصنيع السلاح النووي، وفي سنة 1990، دمرت جنوب أفريقيا ترسانتها النووية، إلا أن «إسرائيل» احتفظت بسلاحها النووي. وعلى العكس من إيران، فإن «إسرائيل» ليست طرفا في اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي، وبالتالي، فإنه وبعكس إيران أيضا لا يمكن اتهامها بانتهاك التزاماتها تجاه تلك الاتفاقية. ان القانون الذي يحكم امتلاك السلاح النووي يحرم التصنيع السري لهذا السلاح، الموقف الغربي تجاه «إسرائيل» وإيران في هذا الخصوص، يعكس مدى استخدام المعايير المزدوجة. فالعقوبات تفرض على إيران، ربما بسبب قيامها باتخاذ خطوات لتطوير أسلحة نووية، وعدم إيفائها بالتزاماتها تجاه اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي، ولكن شيئا من هذا لا يحدث لـ«إسرائيل» التي تمتلك الأسلحة النووية، لكنها لا تقدم تقارير عن امتلاكها لمثل هذه الأسلحة (على عكس الهند وباكستان).
أما انتهاك «إسرائيل» لاتفاقيات حقوق الإنسان فيستحق أن نفرد له كلاما خاصا، فـ «إسرائيل» وقّعت على الاتفاقيتين الدوليتين، اتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز، واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب. وتدعي أن بنود هذه الاتفاقيات لا تنطبق ولا تحكم أداءها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو أمر رفضته الهيئات المراقبة لتطبيق هذه الاتفاقيات، ومحكمة العدل الدولية. وقد تم توثيق الانتهاكات الاسرائيلية لهذه الاتفاقيات من قبل هذه الهيئات المراقبة، كما وثّق أيضا من قبل محكمة العدل الدولية. ومن المهم الحديث بشكل خاص عن انتهاك بنود اتفاقيتي منع التمييز والتعذيب وانتهاك حق الحياة. فالتمييز مدان في كل الاتفاقات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و«إسرائيل» تمارس التمييز ضد الفلسطينيين بشكل كبير في عدة مجالات، وخصوصا فيما يتعلق بحرية الحركة. إذ يمكن ان مقارنة نقاط التفتيش التي تقيمها «إسرائيل» بنظام العبور الذي كان متبعاً من قبل نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، كما أن تخصيص طرق منفصلة للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين له سابقة أيضا في نظام الفصل العنصري نفسه. وهذا ما يفسر لماذا يعلن سكان جنوب افريقيا من السود والبيض عندما يزرون فلسطين أن الوضع السائد فيها، أسوأ مما كان سائدا في زمن نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
وحاليا، يعد حظر التعذيب مبدأ أساسيا في القوانين الدولية، وهو مبدأ يتمتع بوضعية «القانون الملزم» Jus Cogens، ويشكل جريمة ضد الإنسانية. والدول التي تمارس التعذيب تتعرض لانتقادات وإدانة واسعة. ولكن هذا الأمر لا ينطبق على «إسرائيل»، وذلك على الرغم من وجود أدلة حسية على أن القوى الأمنية الإسرائيلية تمارس التعذيب ضد الأسرى والمحتجزين الفلسطينيين بشكل روتيني وممنهج. كما أن «اسرائيل» أيضا تقوم باغتيال مناوئيها السياسيين، او ما يطلق عليه مجازا بالاستهداف بالاغتيال. ولو أن أي دولة أخرى لجأت لمثل هذه الممارسات ضد مناوئيها السياسيين، لأثارت بذلك السخط الدولي. ولكن في حالة «إسرائيل»، فإن هذه الممارسات مقبولة، وتستمر الدول بتزويد «إسرائيل» بالأسلحة المتطورة من أجل أن تواصل القيام بما تقوم به.
أما فيما يتعلق بالجدار، فقد رأيت أجزاء عديدة منه، وكمبعوث خاص لحقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد تقصدت القيام بزيارة للجدار والحديث الى المزارعين والمجتمعات المتضررة من قيامه. وليس لدي شك بأن الهدف الأساسي من بناء الجدار، هو الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بحكم الأمر الواقع، وذلك من أجل ادخال 8% من المستوطنين ضمن «اسرائيل»، وذلك من أجل المضي قدما بـ «تهويد» القدس.
ولكن مؤخرا، حتى «إسرائيل» تخلت عن هذه الحجة، وهي تعترف اليوم دون خجل بأن الهدف الأساسي من هذا الجدار هو إعادة ترسيم حدود «إسرائيل» من أجل ضم معظم المستوطنات. وقد حكمت محكمة العدل الدولية بعدم شرعية الجدار، وبأنه ينتهك اتفاقية جنيف الرابعة، تماما كما ينتهك معاهدة حقوق الإنسان، ودعت «إسرائيل» الى تفكيكه ودفع التعويضات للفلسطينيين الذين صودرت أراضيهم (انظر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول: العواقب القانونية لبناء الجدار في الأرضي الفلسطينية المحتلة، تقرير محكمة العدل الدولية الرقم 131 لسنة 2004). ولكن الاستجابة الدولية لهذا الموضوع كانت ضعيفة ومترددة. وبكلمات أخرى، لم تحدث أي محاولات لتعزيز رأي محكمة العدل الدولية. وسوف أتحدث أكثر عن هذا الموضوع باختصار. فـ«اسرائيل» مصممة على تغيير هوية القدس وتحويلها من مركز للحياة الفلسطينية إلى مدينة يهودية، فيتم تهديم البيوت بطريقة غير قانونية، ويجري بناء الجدار في جوار القدس مقسما العائلات الفلسطينية من خلال عملية البناء، والدخول إلى الأماكن الدينية مقيد كثيراً. حتى المدينة المقدسة لم تسلم من عملية الاستيلاء الإسرائيلية غير الشرعية على الأراضي.
وأخيرا وفي إطار هذا التكرار السطحي والمطول لجرائم «إسرائيل»، هناك توغلاتها العسكرية المتكررة في غزة والضفة منذ سنة 2000، وفي لبنان سنة 2006، وفوق هذا كله الاعتداء الذي نفذته على قطاع غزة تحت مسمى عملية الرصاص المنصهر. فبصفتي رئيسا للجنة جامعة الدول العربية المستقلة لتقصي الحقائق، والتي زارت القطاع في شباط/فبراير 2009، كانت لي فرصة رؤية الدمار الذي أحدثه جيش الدفاع الإسرائيلي والحديث إلى الضحايا. ولم تتردد اللجنة في إعلان أن «اسرائيل» قد ارتكبت جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في عملية الرصاص المنصهر.
كيف نصنف «إسرائيل»؟
أولا: ان تنكرها لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، واستغلالها مواردهم الطبيعية (وبالأخص المياه)، وقمعها الشعب الفلسطيني، وما تقوم به من أنشطة استيطانية، وما تنفذه من سياسات، تجعلها في مصاف الدول المستعمرة في عالم جعل الاستعمار أمرا خارجا عن القانون.
ثانيا: وكما تثبت دراسة أجراها مجلس جنوب افريقيا لأبحاث العلوم الانسانية، فإن أفعال «اسرائيل» التمييزية والقمعية تقع ضمن المحرمات التي تتضمنها اتفاقية حظر وقمع الجرائم التي يقوم بها نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا والتي وقعت سنة 1973، وهي تشبه الى حد كبير هذا النظام، بل تتخطاه.
وثالثا: ان «اسرائيل» دولة ذات سجل إجرامي.
ولقد امتنعت لجنة القانون الدولي في مسوداتها حول مسؤولية الدول عن الأعمال الخاطئة دوليا لسنة 2001، عن معالجة موضوع الجرائم الدولية، بحيث توصلت الى نتيجة مفادها أن تعبير مسؤولية الدول الجنائية هو تعبير غير مؤكد. ولكن كيف يمكن أي إنسان أن يصف دولة تمارس الاستعمار والفصل العنصري، وهي مسؤولة عن العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟ بالتأكيد يجب النظر إليها على أنها دولة مجرمة.
     = 2ـ ردة فعل المجتمع الدولي مع تركيز خاص على الغرب
ان العالم الثالث كله موحد ضد العدوان الاسرائيلي، وهذا ما انعكس في التصويت ضد «إسرائيل» في مجلس حقوق الإنسان. ولكن ما تقوم به «إسرائيل» ليس ذا أهمية قصوى في معظم دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فكل هذه الدول غير راغبة في تعرض مصالحها وعلاقاتها الجيدة مع الغرب من خلال تبني القضية الفلسطينية بقوة. ولا أجد نفسي أفهم فهماً كافياً سياسات العالم العربي لأتكلم عن الاستجابة العربية. ولكن يكفي القول إن الشارع العربي يشعر ويعيش الكثير من القلق بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، إلا أن ذلك لا ينعكس على سياسات الحكومات وأدائها. ومن الواضح أن الدول العربية يمكنها أن تقوم بأكثر مما تقوم به لمساعدة الفلسطينيين، سواء من الناحية السياسية أو المادية. ويساورنا الشك بأن العديد من قادة الدول الغربية غير مستعدين لتعريض علاقتهم بواشنطن للخطر من أجل الفلسطينيين. ومما يزيد الطين بلة أن الفلسطينيين ليس لديهم قيادة، فحالة الانقسام بين فتح وحماس، وفشل السلطة الفلسطينية في أن تمسك بزمام الأمور بتماسك، كما ظهر في أداء عباس الأخير بشأن تقرير غولدستون، يجعل من الصعوبة بمكان على الدول العربية أن تحدد ماذا يريد الفلسطينيون. وفي مثل هذه الظروف، سوف أركز على استجابة الغرب لممارسات «إسرائيل».
إن الغرب، وبالتحديد أوروبا الغربية، على دراية في حقيقة الأمر بمعاناة الفلسطينيين والظلم الذي يتعرضون له. فتقرير البعثة الأوروبية في رام الله نقل بدقة للحكومات الأوروبية حقيقة الوضع، تماما كما تفعل المنظمات الأهلية الأوروبية. وتظهر حكومات الدول الغربية تعاطفها مع الأوضاع القائمة من خلال تمويل المشاريع الإنسانية في فلسطين على نطاق واسع، كما أن الرأي العام الأوروبي يتعاطف تعاطفاً واسعاً مع القضية الفلسطينية، ويدعم المنظمات الأهلية التي تنفذ برامج إنسانية في المنطقة، ومن دون هذه المساعدات لا تستطيع فلسطين الصمود. ولكن على المستوى السياسي في الأمم المتحدة، وخصوصا في اللجنة الرباعية، ومجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، فإنه يجب الحكم على أداء هذه الحكومات. فمما لا شك فيه أن سياسات الغرب تجاه «إسرائيل» تحددها واشنطن، وسياسات واشنطن في هذا الخصوص يحددها اللوبي الإسرائيلي، الذي يضم المنظمات اليهودية الأميركية والمسيحيين الإنجيليين.
إن الاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الأوروبية تتبع واشنطن بطريقة عمياء، ولعل الشعور بالذنب تجاه الهولوكوست، يلعب دورا كبيرا في عملية صناعة السياسة الأوروبية، ولكن أساساً فإن الاتحاد الأوروبي يتبع خطى واشنطن. والغرب مصمم على تجنب تطبيق سياسته تجاه جنوب أفريقيا على «إسرائيل». ففي مجلس الأمن تستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو لحماية «إسرائيل»، مع أو دون مساعدة فرنسا وبريطانيا. وفي الرباعية، وهي اللجنة التي أسسها على نحو غير رسمي مجلس الأمن الدولي لتعزيز العملية السلمية في الشرق الأوسط والتي تضم الامم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، فإن واشنطن تقود زمام الأمور لتضمن عدم اتخاذ أي موقف قوي ضد «إسرائيل». وهذا ما يفسر موقف الرباعية تجاه رأي محكمة العدل الدولية حول الجدار، والسبب وراء ذلك واضح، فالولايات المتحدة عارضت دائماً رأي المحكمة، وهي مصممة على أن تجعله غير فاعل. والأمم المتحدة بقيادة أمينها العام غير قادرة على الوقوف في وجه واشنطن، كما أن الاتحاد الأوروبي وروسيا غير مستعدين لتحدي واشنطن، على الرغم من التزاماتهما تجاه حكم القانون وحقوق الإنسان.
      = 3ـ عواقب فشل الغرب في التصرف ضد «إسرائيل»
لن تكون هناك أية عواقب خارج فلسطين من امتناع الغرب عن اتخاذ أية إجراءات ضد «إسرائيل». سيستمر الوضع على ما هو عليه داخل فلسطين، أي ان اللجنة الرباعية سوف تستمر بالترويج لخطة خريطة الطريق غير الفعالة، داعية «إسرائيل» الى وقف الاستيطان والتصرف بسلوك حسن، وداعية الفلسطينيين الى التصرف بقسوة اكبر مع الإرهابيين، دون أن تكون هناك أية خشية من أية عقوبات. أما مجلس الأمن، فسوف يستمر في جدله حول هذا الموضوع دون فرض أية عقوبات، وهذا ما سيسمح لـ«إسرائيل» بزيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية، وإحكام قبضتها على وادي الأردن، واستكمال عملية تهويد القدس، وإنهاء بناء الجدار العازل، وضم 13% من الأراضي الفلسطينية، والاستمرار في حصار غزة، مع ما يمكن أن يستلزمه ذلك من توغلات عسكرية.
أما العواقب على المدى البعيد فسوف تكون أكثر خطورة. فإذا ما سمح لـ«إسرائيل» بالاستمرار بما تقوم به حاليا، فإن الحل القائم على إنشاء دولتين سوف يصبح مستحيلا، وسيترتب على الغرب ان يصبح في مواجهة بديل واحد ممكن، وهو دولة واحدة ذات أغلبية فلسطينية.
وحينها سوف يكون لزاماً على الغرب أن يقرر ما اذا كان يريد دعم حل قيام دولة فصل عنصري يكون لليهود الاقلية سلطة على الاكثرية الفلسطينية، أو الإصرار على حكم الاكثرية في دولة ديموقراطية. وفيما هذه العملية قد أخذت طريقها للتحقق فعلا، فإن الرأي العام في الدول العربية سوف يقوى ويتجذر أكثر، وحكومات الدول «المعتدلة» سوف تزول لتحل محلها أنظمة أكثر راديكالية.
ان العالم الثالث، يرفض لجم من ينتهكون حقوق الإنسان في مقابل إصرار الغرب على حماية «إسرائيل» من النقد لانتهاكها حقوق الإنسان. وهذا ما يحدث أساسا في مجلس حقوق الإنسان، حيث تستعمل دول العالم الثالث مجلس حقوق الإنسان أداة لإدانة «إسرائيل»، فيما تحمي منتهكي حقوق الإنسان فيها من المساءلة بسبب حماية الغرب لـ«إسرائيل».
ولكن يبدو أن هذه العواقب لن تردع الغرب، فبالنسبة لهم فإن حماية الدولة اليهودية هي الأساس مهما كانت التكلفة. أما الحل القائم على إنشاء دولتين، وتحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، وعالمية حقوق الإنسان، فهي ليست سوى خراف يمكن التضحية بها على مذبح إرضاء «إسرائيل».
ـ كلمة رئيسية ألقيت في مؤتمر منظمة «مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات» في بيروت
* قاض من جنوب أفريقيا ـ مقرر منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة 
السفير اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro