English

 الكاتب:

الأخبار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العلاقات التركيّة ــ الإيرانيّة: الغاز والاستقرار أولاً 2-3/6
القسم : شؤون عربية

| |
الأخبار 2009-11-04 08:26:23


بقلم أرنست خوري:   .
كان طبيعياً أن يجد حكّام «العدالة والتنمية» أنفسهم، أقرب دينياً إلى ملالي إيران منهم إلى خلفاء أتاتورك، رغم وطأة «روح العصر»، أي الحساسيات الشيعية والسنية. في النهاية، يبقى السني المعتدل أقرب إلى العقل الإيراني الخميني منه إلى الجنرال العلماني الراديكالي. إلا أنّ هناك ما يتخطّى العامل الديني بالنسبة إلى حكّام أنقرة على الأقل: هناك نظرية مسيِّرة للسياسة الخارجية التركية، بطلها أحمد داوود أوغلو طبعاً، وكتبها في «العمق الاستراتيجي والمكانة الدولية لتركيا»، حرفيتها أنّ: «الدولة التي تجهد للتأثير من خلال حدودها عبر القوة الناعمة (أي الدبلوماسية)، هي الوحيدة التي تتمكن من حماية نفسها». وعن التكتيك المعتمَد طويلاً من جانب خلفاء أتاتورك إزاء الجوار التركي، يقول: «كانت تركيا كلاعب إقليمي، تتصرف كرجل يملك عضلات مفتولة، لكن مع معدة ضعيفة ومشاكل في القلب، ومع قدرات عقلية وضيعة. بكلام آخر، كان لديها جيش قوي واقتصاد هشّ ونقص في الثقة بالنفس، كان الأتراك يفكرون بعقل استراتيجي غير سليم». كلام لا تُقصَد به إدارة العلاقة مع إيران حصراً، لكن يمكن إسقاطه عليها.
وبعيداً عن الإطار النظري، تنبّه الأتراك لوجود عامل بديهي يحتّم حتى الدفاع عن البرنامج الإيراني النووي (السلمي): الاقتصاد عموماً (التبادل التجاري بين البلدين بحدود 9 مليارات دولار) والنفط خصوصاً، والغاز تحديداً. ومن أجل الغاز، والحاجة التركية المزمنة إلى الذهب الأسود الذي تهيمن روسيا على منابعه، تصبح معاكَسَة الرغبة الأميركية والأوروبية حتى، أمراً مشروعاً تماماً عند داوود أوغلو ورجب طيب أردوغان وعبد الله غول. ولم تنظر واشنطن ولا بروكسل بعين الرضى إلى الجهود التركية لإشراك إيران في مشروع أنابيب نابوكو، لكن السعي متواصل، وقد مثّلت زيارة أردوغان قبل أيام إلى طهران، خطوة متقدمة جداً على صعيد وصول النفط والغاز الإيرانيين إلى المصافي التركية من خلال مجموعة عقود جاءت لتتمّم اتفاقات عامَي 2002 و2007، بحيث يجب أن تبدأ الأنابيب الجديدة بضخ 40 مليار متر مكعب من الغاز الإيراني إلى تركيا بدءاً من عام 2010، على أن ينتهي العمل بمد هذه الأنابيب في 2013.
ورغم عدم وصول الثقة الإيرانية ـــــ التركية إلى مستوى الثقة التركية ـــــ السورية، فإنّ الهمّ الأمني عند رجال «العدالة والتنمية» لا يفارقهم ولو للحظة. فهؤلاء لا يجرؤون حتى على التفكير في كارثة توجيه ضربة عسكرية لإيران. عندها، تكون كل «مغامرتهم» التي ترجمتها سياساتهم الخارجية، تلقت ضربة قد تكون قاضية، بما أن الشرق الأوسط الذي تحاول تركيا بناءه على أسس الاستقرار والأمن والحفاظ على الأوضاع والأنظمة القائمة، قد تبخّر. فشبح الانهيار سيشمل سوريا وإسرائيل ولبنان وغزة والعراق. وماذا سيبقى حينها لتركيا؟ مجرد غبار حلم.
من هذا المنطلق، يمكن فهم الحماسة التركية في اقتراح تأدية وساطة في المفاوضات النووية بين الجمهورية الإسلامية والغرب، ممثلاً بمجموعة الدول الست. وإن لم تكن وساطة، فدور لتخفيف الاحتقان، مع الرهان على عامل الوقت الكافي لفتح أبواب التهدئة. وفي سبيل تبريد الخواطر الإيرانية، ولنيل حصّة من النفط الإيراني، لم يجد حكام أنقرة حرجاً في الرضوخ لرغبة محمود أحمدي نجاد (التي كانت تركيا أول دولة اعترفت به رئيساً منتخباً بعد استحقاق 6 حزيران الماضي) في خرق البروتوكول أثناء زيارته التركية الأولى في آب 2008. حينها، أصرّ على النزول في إسطنبول لا في أنقرة، بهدف تفادي المرور بقبر أتاتورك. سيناريو يُرجَّح أن يتكرر يوم الأحد المقبل حين سيحل مجدداً في إسطنبول ليومين، للمشاركة في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي.
وبالحديث عن الزيارات، يحلو للبعض التوقف عند حركة الطائرات التركية الإيرانية الرسمية في هذه الأيام ووجهتها. حطّ أردوغان الأسبوع الماضي في طهران. وقبلها بأيام، جدّد عرض بلاده تأدية دور بين واشنطن والعاصمة الإيرانية. وعشية وصوله إلى طهران، كشف عن تلقّيه دعوة من باراك أوباما. كان يجب أن يخرق الحظر الأميركي على الطائرات الآتية من طهران، وأن ينتقل مباشرةً إلى العاصمة الأميركية في 29 من الشهر الماضي. تغيّر الموعد ليصبح 7 تشرين الثاني الجاري، أي بعد يومين فقط من موعد لقائه مع نجاد في إسطنبول. حركة بدا البعض واثقاً بأنها تحمل «شيئاً ما» على خط أنقرة ـــــ طهران ـــــ واشنطن. «شيء» من غير الضروري أن تظهر ترجمته سريعاً، بما أن العقل التركي يؤمن بالتروّي، وبإعطاء كل شيء وقته لعدم «إفساد الطبخة».
وظهرت البراغماتية التركية بأبهى حللها خلال وجود أردوغان في طهران، حين جاهر بحقيقتين لا يمكن أن يقولهما أحد في جملة واحدة سواه: «إيران صديقة كبيرة لتركيا، ونحن ندعم حقها في الحصول على قدرات نووية سلمية وإنسانية». ثم انتقد التعامل الأوروبي غير العادل مع هذا الملف، و«ازدواجية المعايير التي تمارسها واشنطن والقوى الغربية». ولمّا نال إشادة من نجاد على مواقفه الأخيرة إزاء جرائم إسرائيل، بادر إلى التأكيد على استمرار التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب، من دون أن يثير غيظ مضيفيه.
ويرى عدد آخر من المراقبين أنّ الدور التركي إزاء الأزمة الإيرانية هو محلّ ترحيب من القوى الأوروبية، لأنها لا ترغب حقيقية في تصعيد التوتر مع إيران. وعندما تظهر في خطاب قادتها نبرة عالية، يكون ذلك بضغط أميركي. إلّا أنّ هذا الدور ليس مطلوباً بالنسبة إلى واشنطن، التي تفضّل حواراً مع إيران عبر قنوات أخرى، يبدو أن باراك أوباما يرغب في أن تكون مباشرة.
... تابع>
العلاقات التركية ـ السورية: استخراج الحليب من ذكر الماعز

الاخبار 3 سبتمبر 2009
في نيسان 2008، وفي إحدى زياراته لدمشق، خاطب رئيس الحكومة التركية، رجب طيب أردوغان، المسؤولين السوريين بالقول: «كل ما ينقصكم هو إرادة القوة. وحينها فقط، ستصبحون قادرين على استخراج الحليب حتى من ذكر الماعز. ننوي وضع أيدينا بأيديكم في هذا الهدف».
كُثر لم يفهموا مغزى هذا الكلام، إلا أنّ فترة الانتظار لم تطل. فبعد أيام، كُشف النقاب عن وساطة تجريها تركيا بين إسرائيل وسوريا. وبعد أشهر، سارت الأمور بسرعة بين الدولتين، حتى وصلت إلى فتح الحدود الثنائية في «استعراض دبلوماسي» في 13 تشرين الأول الماضي على ضفّتي غازي عنتاب التركية وحلب السورية. ضفتان سبق أن شهدتا تحرّك الجيشين لخوض حرب لم تندلع في اللحظات الأخيرة.
تغيّر كل شيء منذ 2002 مع مفارقة لافتة: عندما كان النظامان أرثوذكسيين في علمانيتهما، وصلا مراراً إلى حافة الحرب. أما عندما تولى حكم أنقرة، إسلاميّون، ازدهر تبادل المنّ والسلوى بين الدولتين.
ويُجمع عدد من المحللين على أنه لا سرّ ولا وصفة لهذا التطور إلا كلمة واحدة: «الثقة». مصطلح يمكن صرفه في لعبة الأمم والسياسة والمنافع، عندما تكون هذه الثقة قائمة على مصالح متبادلة من النوع الذي لا تؤثّر فيها متغيرات الزمن؛ فالجغرافيا والاقتصاد والتاريخ والاستراتيجيا والمستقبل تحوّلت إلى معطيات ثابتة بالنسبة إلى حكام دمشق وأنقرة.
ويحلو للبعض اعتبار أنّ الانعطافة الكبرى حصلت في حزيران 2000، عندما شارك الرئيس أحمد نجدت سيزر في جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد في عاصمة الأمويين. إلا أنّ ثمة اقتناعاً يسود اليوم بأن الزيارة لم تكن سوى ردّ الجميل للراحل الذي رحّل عبد الله أوجلان عن الأراضي السورية. سبع سنوات كانت كافية لتحقيق ما يلزم إنجازه عقوداً من الزمن بين بلدين آخرين. السبب واضح: مهندس الدبلوماسية التركية، أحمد داوود أوغلو، مؤمن بأن الشرق الأوسط بوابة العالم، وأن سوريا بوابة أزمات الشرق الأوسط (العراق، فلسطين ولبنان إضافة إلى الأزمة الكردية)، وبالتالي فإنها بوابة تركيا إلى الشرق الأوسط. كلام كتبه الرجل في باكورة أعماله المرجعية «العمق الاستراتيجي والمكانة الدولية لتركيا».
وينقل عنه مراسل «الجزيرة» في أنقرة، يوسف الشريف، قوله إن «على هذه الحقيقة الجغرافية البسيطة أن تكشف للغرب بوضوح أهمية سوريا الاستراتيجية في حلّ خلافات المنطقة»، مستغرباً «عدم انتباه بعض الدول الغربية إلى هذه الحقيقة».
ولمّا كان الهدف الأول لـ«تركيا الجديدة»، تثبيت استقرار المنطقة المحيطة بها ليصبح الوضع ملائماً لتركيا لأن تؤدي دوراً كاملاً بوصفها لاعباً إقليمياً ذا مشروعية عالمية في نظام دولي جديد، اقتنع عبد الله غول ورجب طيب أردوغان بـ«نظرية» ملهمهما، فسارعا إلى فكّ العزلة عن سوريا، معاندين إصرار إمبراطورية أميركا ـــــ جورج بوش على عزل نظام الرئيس بشار الأسد. مثال جديد على استقلالية القرار التركي عن كل شيء، إلا عن المصالح الوطنية.
هنا أيضاً لدى داوود أوغلو ما يبرره: «إنّ عزل سوريا وحصارها غير ممكن، لأنّ فيه عزلاً لتركيا تجاه مجالها الحيوي الشرق الأوسطي، بما أن الحدود التركية ـــــ السورية هي الأطول جغرافياً (900 كيلومتر)».
وقبل أن تجرؤ أنقرة على الخروج عن الطاعة الأميركية إزاء سوريا، أعرب أردوغان، في 29 كانون الأول 2005 عن الاستعداد التام للتوسط في الأزمة بين واشنطن ودمشق. وساطة لم ترَ النور بما أن إدارة بوش كانت عازمة على «إنهاء» سوريا، فما كان من أنقرة إلا فتح أبواب دمشق على العالم فردياً. حتى إن الرئيس سيزر، المعادي بشراسة لسياسات حكومات «العدالة والتنمية»، اضطر لمجاراة التوجه الجديد على قاعدة التضامن الوزاري، فزار دمشق بعيد أيام من صدور القرار الدولي 1559، وانتقده علناً، مقدماً لسوريا نافذة دولية استثنائية. أما في الاقتصاد فالأسباب أيضاً كافية بالنسبة إلى تركيا لتكون علاقاتها أكثر من ممتازة مع جارتها.
في المقابل، وجد ساسة دمشق، بتركيا، النافذة التي أعادت الهواء إلى رئتي بلدهم. وبالنسبة إلى سوريا، باتت تركيا «أميركا المنطقة» منذ قرّرت إغلاق أراضيها وأجوائها أمام الغزو الأميركي للعراق. من هنا، جاء ردّ الجميل من السوريين، بحجم الجميل نفسه. لا كلام بعد اليوم عن «اللواء السليب». تلميحات سورية بإمكان مدّ خطوط تعاون مع جمهورية قبرص الشمالية. المنتجات التركية لها أولوية في الأسواق السورية. المسلسلات التركية المدبلجة تغزو الشاشات. وجهة السياح السوريين تركية أولاً. ممنوع الحديث حتى عن جرائم جمال باشا في المسلسلات الوثائقية، بحسب المؤرخ السوري والمحاضر في عدد من الجامعات السورية والمحلل السياسي سامي مبيض. تفادي استخدام مصطلح «الإبادة الأرمنية». حوافز تشجيعية للطلاب السوريين الراغبين بالتعلم في الجامعات التركية الحكومية.
ولأن الثقة كانت كلمة السر في العلاقات بين هذين البلدين، قال الأسد، عندما باتت الوساطة التركية بين دمشق وتل أبيب علنية في عام 2008: «نحن واثقون من النيات التركية». كلام علّق عليه بعض النقاد باعتبار أنّ الأسد «سلّم رقبته للأتراك».
الاخبار اللبنانية
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro