English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كرزاي التاريخي
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-11-03 08:25:52


بقلم أمين قمورية:    . 
عندما نصّبت القوات الاميركية حميد كرزاي حاكما لافغانستان بعد الغزو عام 2001، كان الرجل يتمتع بكل الصفات المناسبة التي تؤهله لان يكون رئيسا نموذجيا لدولة فقيرة لاتزال غارقة في ماضيها السحيق. هو زعيم قبلي بشتوني بامتياز يتربع على عرش عشيرة بوبالزاي القوية التي يتحدر منها مؤسس افغانستان الحديثة احمد شاه ابدالي ومعظم الملوك الافغان، وسجله "النضالي" حافل في جبهة التحرير الوطني الافغاني التي ساهمت في دحر الاحتلال السوفياتي، ولديه خبرة في القتال في الارض الافغانية ويكره "المجاهدين العرب". واذا كان صيته الحربي لا يوازي صيت احمد شاه مسعود او حكمتيار او رباني، فانه يجاريهم علما ومعرفة، ويتفوق عليهم اناقة ومظهرا واتقانا للانكليزية، اضافة الى الداري (الفارسية). اما تطلعاته السياسية والثقافية فلا تتعارض قط مع الحداثة الاميركية التي كانت واشنطن تنظر بمنظارها الى افغانستان، ثم الى العراق بعد احتلاله ايضا.
بسرعة قياسية تبخرت الهالة التي رُسمت فوق رأس "فخامة الرئيس" وتحول اسم كرزاي صفة "غير حميدة" ينعت بها المعارضون حكامهم الفاشلين الذين سلموا مصائر شعوبهم الى ارادة الاجنبي والمحتل. وصار من قبيل الذم ان تلصق كلمة "كرزاي" باسم زعيم منبوذ. وهكذا اطلقت "حماس" على محمود عباس لقب "كرزاي فلسطين"، وكذلك فعلت المعارضة العراقية مع الحكام الجدد في بغداد، والامر ذاته انطبق على برويز مشرف الباكستاني عندما افل نجمه قبل الاستقالة.
 سنوات قليلة من ممارسته الحكم في ظل "رعاية" المحتل، كانت كافية لتجريد الرجل من كل "الخصال الحميدة" التي ورثها عن اجداده. وبفعل "المؤازرة" الاميركية الحثيثة للحكم الجديد ومده بـ "المساعدات" الضرورية و"الخبرات" اللازمة، تحول "الفارس" الافغاني، في نظر شعبه، من "بطل مجاهد" الى رئيس فاشل لم يجلب له لا الامن ولا الاستقرار ولا حتى الطعام، لا بل صار ايضا رئيسا فاسدا ومحاطا برجال العصابات ومجرمي الحرب ومهربي الافيون من امثال عبد الرشيد دوستم والجنرال فهيم... واستقر الحال به اخيرا مزورا للانتخابات، فيما الخبثاء يسخرون بوصفه بـ"عود كبريت" للمحتل يستخدم مرة واحدة ثم يرمى.
لكن كرزاي لم يُرم... اذ ظل حاجة اميركية يصعب استبداله بآخر. وعندما عجزت واشنطن عن التجديد له في انتخابات طبيعية متعددة المرشح تضفي شرعية شعبية عليه وعلى حكمه وتسهّل على الاميركيين محاولة التخلص من الارق الافغاني الذي يمنع دول "الناتو" من النوم، لم تتوان امس عن اضفاء "الشرعية" على التجديد لـ"فخامة الرئيس" من دون اقتراع، وعن وصف "الانتخابات" التي لم تجر بعدما هرب منها المرشحون الآخرون خوفا من تجدد التزوير، بانها "تاريخية"!
 واذا كان "شرعيا" ان يفوز رئيس في انتخابات لم ينافسه فيها احد، فكيف لهذه الانتخابات ان تكون "تاريخية" اذا لم يشارك فيها احد ولم تأت بجديد ولم تُحدث تحولاً يمكن ان يوصف بالتاريخي؟ واذا كان من شيء "تاريخي" فعلا، فهو ان واشنطن التي جاءت الى افغانستان والعراق بذريعة تعميم الديموقراطية الاميركية في الشرق الاوسط، تنقلب على نفسها في غضون سنوات، لتصير من اشد المدافعين عن انظمة الحكم الابدية والتجديد التلقائي للحاكم المناسب لمصالحها بانتخابات او من دونها.
هذه "الانتخابات" الاجبارية، ربما ليس من شأنها إلا تعقيد محاولة الخلاص الاميركية من افغانستان ومزيد من التشويه لصورة كرزاي المشوهة اصلا في الداخل والخارج... لكنها ستكون اجمل بشارة واحلى هدية لـ"كرزايات" المنطقة، اذ يكفيهم ارضاء واشنطن وتامين حاجاتها الملحة لضمان التجديد وتوريث الحكم لابنائهم من بعدهم.
النهار اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro