English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تحولات الأحزاب: الأبواب المفتوحة بين الشيوعية والليبرالية
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-10-29 10:02:34


بقلم محمد سيد رصاص: 
في 4 آب 1914 استدار حزب ألماني، كان يضم مليون عضو واكثر من ربع مقاعد البرلمان، بشكل دراماتيكي مفاجىء من موقع اليسار نحو اليمين عبر تصويته بالموافقة على اعتمادات الحرب التي طلبتها هيئة الأركان من الحكومة الألمانية، بعدما كان هذا الحزب، لربع قرن مضى، يتزعم "الأممية الثانية"، التي ضمَت عشرات الأحزاب اليسارية الماركسية، في معارضتها نذر الحرب العالمية التي كانت تلوح في الأفق منذ تسعينات القرن التاسع عشر، وفي مطالبتها بالسلم.
كان لينين يعتبر، حتى ذلك اليوم، أن حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي الألماني هو قدوة للحزب البلشفي، وكان ينظر إلى زعيمه كارل كاوتسكي كأستاذ له، وقد أصيب الزعيم البلشفي بصدمة نفسية كبرى جراء ما حدث ذلك اليوم ببرلين وصلت به إلى حدود التفكير بإعتزال السياسة، ما دفعه للإعتكاف في مكتبة في العاصمة السويسرية بين أيلول وكانون الاول 1914 لقراءة هيغل. وإن كان المرحوم الياس مرقص يؤكد، في مقدمة ترجمته كتاب لينين "دفاتر عن الديالكتيك"، أن "الطريق الذي قاد إلى أوكتوبر الروسي مرَّ بـ (المنطق الكبير) لهيغل"، حيث كانت العودة للفلسفة طريقاً لإعادة تأسيس سياسي جديد عبر رؤية قطعت مع الماضي ووصلت بلينين إلى الطلاق مع استراتيجيته في كتاب"خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية (1905) نحو استراتيجية جديدة ترى أفقاً لـ"ثورة اشتراكية" في بلد واحد ومتخلّف يمثل "الحلقة الضعيفة في سلسلة الإمبرياليات"، وصل إليها لينين من خلال كتابه "الإمبريالية" أعلى مراحل الراسمالية (1916) ونظريته حول "تفاوت النمو". في كراس لينين "افلاس الأممية الثانية" (أيار - حزيران 1915) نجد محاولة لتفسير تحول ذلك الحزب الألماني الكبير من موقع إلى آخر نقيض، ليضع خلفه كل ما كان يقوله أويمارسه من قبل: لا يفسر لينين التحول بأسباب فكرية، مع أنه يقول "إن المحتوى الفكري والسياسي للتيارين واحد وحيد" في إشارة الى النزعة القومية عند الفئات الوسطى الألمانية والنزعة اليمينية الجديدة للحركة العمالية الألمانية، وإنما يعزوه إلى أسباب اقتصادية – اجتماعية": فقد نضجت فئة اجتماعية كاملة من البرلمانيين والصحافيين، وموظفي الحركة العمالية، والمستخدمين المميزين وبعض الجماعات من البروليتاريا، فئة اندمجت في بورجوازيتها الوطنية وعرفت هذه البورجوازية كيف تقدرها وتكيفها على أكمل وجه"، حيث يرى لينين أن هذا الإتجاه كان "في طور الشباب قبل الحرب، ولكنه بلغ نهائياً سن الرشد مع نشوبها"، وهو ما يطبقه على كل البلدان الأوروبية التي لها مستعمرات حيث وجدت أوضاع اقتصادية أكثر رخاء بسبب نهب المستعمرات سمحت بنشوء "أريستوقراطية نصف بورجوازية صغيرة منبثقة من صفوف الطبقة العاملة ومتمتعة بفتات الإمتيازات التي تعود إلى وضع أمتها بصفتها أمة مستعمِرة".
ثم يضيف لينين الى ذلك سبباً آخر هو الوضعية التنظيمية وأساليب العمل الحزبي التي تعتمد الشرعية - العلنية ولاتستطيع الإنتقال للعمل السري حيث كانت "المنظمات الشرعية الجماهيرية للطبقة العاملة أهم علامة تميز الأحزاب الاشتراكية في عهد الأممية الثانية، ففي الحزب الألماني كانت هذه المنظمات أقوى ممافي غيره".
يقدم تروتسكي تفسيراً آخر لذلك الحدث، الذي يقول عنه في كتاب "حياتي" (1930) إن "تصويت 4 آب يظل واحداً من التجارب الدراماتيكية التي مرّت عليَّ"، ويفسر تروتسكي تصويت أحزاب الأممية الثانية في بلدان رئيسة (ألمانيا - فرنسا – النمسا - إيطاليا) تأييداً لجيوشها المتحاربة مع بعضها البعض من موقع قومي بأن "هؤلاء كانوا قوميين حقاً، ويتغطون بقناع الثقافة الاشتراكية الذي ذاب في ظرف الحرب بسرعة كبيرة. ثم يضيف بأن ذلك "لم يكن مسألة تتعلق بخطأ عادي ارتكبه شخص عادي، أو أنه بيان مضطرب يصدر عن منبر برلماني... وإنما الموضوع يتعلق بانهيار حركة كاملة اسمها الأممية الثانية".
كان هذا الإنهيار هو الذي سمح بخلق مناخ جديد أتاح المجال لتلاقي لينين مع تروتسكي، بعد قطيعة بدأت مع انشقاق البلاشفة والمناشفة عام 1903، ليكونا قائدي ثورة أوكتوبر 1917، كما أن هذا الإنهيار كان البذرة الأولى لأكبر انشقاق فكري - سياسي شهده القرن العشرون بين اتجاهين: الشيوعي، عبر تأسيس الأممية الثالثة في آذار 1919، والاشتراكي - الديموقراطي الذي استمر في مؤسسة الأممية الثانية.
مع الإنهيار السوفياتي، بين عامي 1989 و1991، حصل زلزال سياسي هو في الحقيقة أكبر من الذي حصل في يوم 4 آب 1914 عند اليسار، ليصل إلى مرتبة تحوّل أساسي في اللوحة الدولية صاغَ كامل المشهد العالمي اللاحق، تماماً كما حدّد حدث أوكتوبر 1917 مشهداً عالمياً جديداً طوال خمسة وسبعين عاماً لاحقة من الزمن: أدى الإنهيار السوفياتي أو أنشأ مناخاً قاد إلى تحول أحزاب كبرى، مثل الحزب الشيوعي الإيطالي في مؤتمر آذار 1991 عبر انشقاق أخذ فيه "حزب اليسار الديموقراطي" ثلثي الحزب في الإتجاه الإشتراكي الديموقراطي، فيما أخذ الباقي "حزب إعادة التأسيس الشيوعي".
في العالم العربي تحوَلت أحزاب شيوعية نحو شكل وسطي بين الليبرالية والاشتراكية الديموقراطية كما في تونس، فيما انزاح قسم من الشيوعيين العرب نحو ليبرالية "ما" مثل الذين ذهبوا مع الأستاذ رياض الترك من الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي عام 2005 ليؤسسوا "حزب الشعب الديموقراطي"، بينما نجد الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 2003 وهو منزاح يميناً من الناحية السياسية عبر موقفه من "العراق الجديد" من دون تغيير ايديولوجي أو في الإسم. بالترافق مع هذا، هناك العشرات من المفكرين والمثقفين الشيوعيين العرب الذين اتجهوا نحو الليبرالية منذ عام 1989 أو نحو شكل "ما" من الاشتراكية الديموقراطية، مزيحين ستالين وسوسلوف لمصلحة جون ستيوارت ميل وإدوارد برنشتين، ووصل بعضهم إلى تأييد مشاريع "المحافظين الجدد" أثناء عهد بوش الإبن الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.
يُعزى -عند الكثيرين- هذا التحول لدى الشيوعين العرب، أحزاباً وأفراداً، والذي وصل إلى تبديل الجلود وتغيير القمصان والألوان، إلى موت "الشيخ" الذي كان يؤمّهم حتى عام 1991، والذين كانوا يعاملوه في مقره بالكرملين مثلما يعامل الكاثوليكي المؤمن بابا الفاتيكان. وهو ما يشمل حتى العديد ممن كانوا مختلفين، لأسباب سياسية وتنظيمية فقط وليست فكرية، مع موسكو. كما يرى أصحاب هذا التفسير أن تحولات العديد من الشيوعيين نحو التطلع في إتجاه واشنطن لإحداث تغييرات محلية تثبت أن هؤلاء لا يعيشون على التربة المحلية وإنما على أوكسيجين خارجي.
أيضاً، هناك تفسير آخر يعزو هذا التحول إلى تبدلات اقتصادية- اجتماعية عند الشيوعيين العرب المعنيين ساعد موت "الشيخ" الموسكوفي على انطلاقها وحدوثها، فيما يقول رأي ثالث بأن هذا التحول يعود إلى أسباب فكرية ترتبط بعلاقة بنيوية بين تيارات هي "غرف في بيت واحد"، وأن هذه التيارات تعود إلى نبع واحد هو عصر الأنوار الفرنسي، وبالتالي فإن انتقالات الأفراد والأحزاب من تيار الى آخر يظل تحت السقف الواحد تبعاً لصعود تيار معين من التيارات الثلاثة أو هبوطه، وهي الشيوعي، والاشتراكي الديموقراطي، والليبرالي.
السؤال الآن: لماذا لم تحصل حتى الآن مقاربة لهذا الموضوع عربياً، رغم أنه أحدث تحولاً دراماتيكياً في المشهد السياسي- الثقافي- الفكري العربي خلال العقدين الماضيين، بعكس ما جرى من معالجات لتحولات تنظيمات (حركة القوميين العرب) من الإتجاه القومي نحو الماركسي خلال النصف الثاني من عقد الستينيات؟
النهار اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro