English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العراق: هل مَن يريد للأميركيين أن يغادروا؟
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2009-10-28 09:23:33


يقلم فواز طرابلسي: 
يصطدم التفكير والكتابة عن العراق بجملة من العقبات باتت مميزة. أُولاها شعور عارم بضآلة أثر الكلمة إزاء المآسي الإنسانية التي يتعرّض لها الشعب العراقي، ولا زيادة. والثانية، ضعف الإمساك بمفاصل وضع لا يكفي أن يُقال عنه إنه معقّد بل يجب القول إنه متفجّر.. أي حافل بالمباغتات. والثالثة، صعوبة تصوّر مخرج من المأزق الدموي الذي وضعت الولايات المتحدة العراق فيه بغزوها واحتلالها ثم بقرارها الانسحاب.
هي جملة من العقبات إن كانت تدعو إلى شيء فإلى الحذر الشديد في التعميم والإطلاق وادعاء التنبّؤ.
ومهما يكن، فإن أي مدخل للوضع العراقي لا يمكنه إلا البدء من واقع أن الاحتلال الأميركي لم يكتفِ بتدمير الدولة العراقية وخلخلة أركان المجتمع، بل عاقب طائفة بأكملها وحزباً بالمليون من أعضائه وجيشاً بالمئات الألوف من جنوده وضباطه، والقسم الأوفر من الإدارة العراقية على جرائم وأوزار نظام صدام حسين الدكتاتوري الدموي. والأدهى أن الإدارات الأميركية نجحت في إقناع قوى رئيسية في البلاد بأن تعرّف نفسها التعريف الإثني ـ المذهبي الذي عيّنته لها منذ اعتمادها نظام الحماية الجوية عام 1991: أكراد، شيعة، سنة. ما من شك في أن نظام صدام حسين وفّر ـ بالقمع والحروب كما بالسياسات ـ المقدمات الضرورية لفرض تلك الهويات القاتلة، إلا أن الإرهاب هو الذي صبغها بدم الاقتتال الأهلي قبل أن يكرّسها النظام السياسي الذي فرضه الاحتلال في السياسة والقوانين والأعراف.
قبل أسابيع من الانتخابات النيابية، وأقل من سنتين على موعد الانسحاب الموعود للقوات الأميركية القتالية، لا تزال هذه الحقيقة ترزح بكل أثقالها على المشهد العراقي وهو أكثر تفارقاً مما سبق.
آذنت الانتخابات البلدية، وما تلاها من اصطفافات جديدة، بانشقاقات في التحالف الحاكم لا يختصرها النزاع بين كتلة رئيس الوزراء نوري المالكي وخصومه وإن كان يشكّل أحد أبرز معالمها. مهما يكن، يتشارك الطرفان المتصارعان في التهرّب من المسؤولية عن الانهيار الأمني وقد وعدا العراقيين بأن تراجع أعمال العنف هو أبرز إنجازات السلطة تمهيداً للانسحاب الأميركي. ففيما يوجّه المالكي الاتهام إلى الجوار، يوجّه خصومه، وهم شركاؤه في ما يسمّى «العملية السياسية»، الاتهام إلى المالكي نفسه بالتقصير في ضبط الأمن.
ولا يقتصر الانقسام بين أطراف «العملية السياسية» على هذا. إنه يعلن إفلاسها فيما تدّعيه أصلاً: تمهيد الطريق لتنفيذ الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة والقوات «الحليفة» القاضية بالانسحاب من الأراضي العراقية. فهل من مفارقة أفدح من أن تكون سلطات الاحتلال هي التي بادرت إلى اقتراح التخلي عن قانون استئصال البعث وإلى إعادة الضباط غير المتهمين بجرائم إلى صفوف القوات المسلحة وهي التي أنشأت المئة ألف وأزود من «قوات الصحوة» المجندين من أبناء العشائر العراقية لجذبهم بعيداً عن تنظيم «القاعدة»، فيما أحزاب العملية السياسية ترفض تقديم أي بادرة تسمح بمعالجة الجراح وتحقيق المصالحة بين أبناء الشعب الواحد تمهيداً لخروج المحتل؟
من جهة ثانية، فإن المجازر المهولة المرتكبة ضد المدنيين من مجزرة آب الماضي إلى التفجير الانتحاري الأخير ضد وزارة العدل، لم تعد تسمح بلَوك الكلام واللعثمة في الحديث عن «مقاومة» الاحتلال، في وقت تكاد تختزل عملياتها بقتل المدنيين العراقيين، سيان أتمّ ذلك في الأسواق أو في الأبنية الحكومية، هذا عندما لا يتلهّون بنسف الكنائس والمساجد والحسينيات ودفع ما تبقى من مسيحيي العراق إلى الهجرة. فتنظيم «القاعدة»، يبدو أن لا همّ له إلا إعطاء كل المبرّرات اللازمة لبقاء الاحتلال، ولو من أجل الاستمرار في مقاتلته ما دام أن لا هدف لهذا التنظيم غير ذلك، خصوصاً بعد أن قضي على مشاريع بناء «إمارة» له هنا و«إمارة» هناك على الأراضي العراقية. أما المجموعات البعثية، فلا تقدّم للشعب العراقي غير الوعد بعودة مستحيلة إلى ماضٍ مسؤول لأبعد حد عن إيصال المآسي العراقية إلى هذه المواصيل.
على صعيد القوى الخارجية، لا بد من المكاشفة الصريحة أيضاً. مع اقتراب موعد الانسحاب الأميركي، يتصاعد ضغط دول الجوار، وإيران وسوريا تحديداً، وفق شعار: تسهيل خروج الأميركيين لقاء أثمان إقليمية ـ كالجولان، والنووي الإيراني ـ أو لقاء حصة للقوى الحليفة في السلطة المحلية بعد الانسحاب أو تكريساً لتلك الحصة. قد لا يتطابق السلوك السوري مع الإيراني هنا، ولا المصالح، لكن الفاجع أن حوار دمشق وطهران يجري مع الاحتلال من فوق رأس الشعب العراقي. وهل أبلغ من دليل على تردي العلاقات مع «دول الجوار»، إذا شئنا استخدام التورية، من فشل المفاوضات المباشرة السورية ـ العراقية ولجوء السلطات العراقية مجدداً إلى طلب تحقيق الأمم المتحدة في التفجيرات الأخيرة؟
أما المشهد الأخير والأكثر درامية فهو المشهد في إقليم كردستان حيث الخلافات بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية تستفحل حول الاستفتاء على مصير كركوك من بين عوامل أخرى.
وعقدة الأمر هنا هي الازدواجية الكردية. يعرف القادة الأكراد أن استقلال كردستان العراق ليس مقبولاً لا من تركيا ولا من إيران، وأن أكثرية العراقيين تؤثر كردستان داخل العراق. لذلك يعملون على تجميع كل منافع الوجود داخل الإطار العراقي مع السعي لبناء كامل مقوّمات الاستقلال عنه.
المعروف أن النظام الفيدرالي العراقي نظام أعرج يقتصر على إقليم كردستان، المكوّن من ثلاث محافظات، فيما المحافظات الخمس عشرة الباقية لا ينتظمها إلا الخضوع للحكم المركزي. في ظل هذا التدبير، يتمتع إقليم كردستان بحكم ذاتي واسع الصلاحيات بقيادة برلمان وحكومة وبالسيطرة على الموارد وعلى نواحي الحياة التربوية والثقافية إضافة إلى حصوله على نسبة متعارف عليها من عائدات النفط من الخزينة المركزية. إلى هذا، يتمتع الأكراد بحصة محفوظة من السلطة المركزية في بغداد ليس أقلَّها شأناً موقعا رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية. ومهما تكن المسوّغات الإثنية للنزاع على كركوك، فلا مجال للنظر إلى الإصرار على ضم المحافظة الغنية بالنفط إلى الإقليم الكردي، وعلى حق حكومة الإقليم في عقد اتفاقات تنقيب واستثمار مع الشركات النفطية دون المرور بالحكومة المركزية، غير توفير قاعدة اقتصادية للاستقلال الكردي وتحرير الإقليم من مجرد الاتكال على حصته من عائدات النفط التي ترده من الموازنة المركزية.
على أن الأخطر مما يأتينا من كردستان العراق هو نتائج استطلاع أخير للرأي تفيد أن أكثرية من الرأي العام الكردي تزيد على ستين في المئة تريد علاقات طبيعية مع دولة إسرائيل. ينكر الرسميون أو أشباه الرسميين الأكراد أمام نقّادهم وجود صلات عميقة ومتسعة بينهم وبين المسؤولين الإسرائيليين، أو يتحجّجون عليها بما يجري من عمليات تطبيع في عدد من البلدان العربية.
والمجازر التي ارتكبت عبر عقود من السلطات العراقية بحق الأكراد باسم العرب، وأفظعها مجازر صدام حسين، حاضرة أبداً لتفسير اتساع التعاطف مع إسرائيل أو تبريره. ولو شاء المرء أن يجاري في المحاججة، لذكّر بأن عمليات التطبيع العربية ظلت محصورة بفئات من الحكّام ولم تطاول أي نسبة ملحوظة من الرأي العام في البلدان المعنية.. ولقال إن العراق الرسمي لا يزال في حالة حرب مع إسرائيل. ثم إن إعلانات من مثل إعلان رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، عن استعداده لفتح قنصلية لإسرائيل في أربيل، ليست تعني فتح علاقات خارجية خارج السيادة العراقية، وإنما دق المزيد من الأسافين بين الأكراد والعرب.
إزاء هذا كله، يتساءل المرء مَن من هذه القوى يريد حقاً تحرير العراق من الاحتلال كي تتفرّغ قواه على اختلاف أطيافها لحل مشاكله في ما بينها؟
السفير اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro