English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بؤس النخب السعودية والفعل المؤجّل
القسم : شؤون عربية

| |
من العربية 2009-10-19 07:54:32


بقلم فؤاد ابراهيم:     .
أن تكون نخبوياً في السعودية فعليك أن تختار أحد طريقين: الانعزالية أو التماهي مع الراهني، وبهذا فكل منهما يخوض، من حيث تكوينه الأيديولوجي، الصراع ضد نقيضه، في سياق لعبة أضداد لا متناهية، فالحرية تتلبّس شكلاً استبدادياً، والانفتاح يغدو مجالاً مغلقاً للمتماثلين غريزياً، وحتى الليبرالية ذاتها تتحول الى مجرد نزوة متوحشّة في لحظة تورّم الذات.
وقبل الإسهاب في توصيف خصائص كل واحدة من هاتين الفئتين النخبويتين، يلزم الإضاءة، بصورة مقتضبة، على فئة نخبوية ثالثة، مثّلت خلال عقدين الرهان الأخير، وفي تقويم ما الأكثر إشراقاً، في معركة التغيير. فقد تعرّضت هذه الفئة الى ما أسماه فوكو بعملية النبذ، بأشكال شتى، فكان من غير المسموح لها أن تبوح بأي شيء، ولا تعبّر عن نفسها في أي شكل، وبقيت، وما زالت، تناضل كيما تطابق بين وعيها، وهويتها، ووظيفتها. وإذا كان من مكاسب سياسية تحقّقت على الأرض، فإنها ثمار لمجهودات بذلت في لحظة مناسبة، كسرت فيها هذه الفئة حاجز الصمت، وقبلت أن تقايض مصالح خاصة مرجوّة بحقوق جماعية مأمولة.
لا يخدر الإحساس، في توصيف الفعل الريادي لهذه الشريحة، حيال ما أنجزته حتى الآن، لغض الطرف عما كان منتظراً منها. ولأن التغييرات الكبرى، في تاريخ المجتمعات، تستوجب على الدوام تضحيات بحجمها، فإن التعويل على فعالية سياسية موسمية أو ظرفية، كالتي شهدناها إبان أزمات إقليمية (حرب الخليج الثانية 1990 ـ91، وحرب العراق 2003 على وجه الخصوص)، ليس ريادياً بالمعنى السياسي التام، حيث تكون المبادرة مشروطة بفعل الآخر، الخارجي. وقد يكون خيار إعادة التموضع بالنسبة لأفراد هذه الفئة النخبوية الأسلم، ولكنه ليس الأنجع، فقدر التغيير يتطلب شروطاً أخرى، غير تلك التي اعتادتها، وأبرزها إرادة الفعل في ظروف معاكسة.
بالنسبة لأولئك الذين جنحوا نحو التخلي بصمت عن إرادة أن يكونوا ذاتاً فاعلة، أدمنوا، حد الهوس، بما أسماه دريدا (مرض الأرشيف)، أي العيش على ذكريات النضال القديم، حيث يتحوّل الماضي الى مأوى لأحلامهم المجهضة، أو المغدورة. وفيما يرتدي الماضي النضالي زياً نوستالوجياً، وسلوة لنخبة ساكنة، فإن وظيفة الماضي هذا لا تقتصر على مجرد إيقاف الزمن فحسب، بل أن يغدو أداة عرقلة لعمل الوعي، كونه يبقي على ثبات حالة الأشياء، بما يحيل الوعي ذاته، في نهاية المطاف، إلى فعل ماضوي، تكويناً، وسلوكاً. ولكن هذا الزمن الذي يهرم بأفراد النخبة هذه، لا يكف عن مواراة ذاكرة النضال التي تنضب مع حلول زمن آخر، حتى وإن كان مغموراً بالزيف.
ولطالما استنزف الحنين للأيام الخوالي، حين كان فيها النضال القومي بكل تلاوينه الأيديولوجية والسياسية يعقد روابطه مع أمكنة المواجهة العربية ضد الاستعمار الغربي والاحتلال الصهيوني، الى حد جمود المشهد، حتى ليخيل للمرء أن هذا الاستذكار المتناوب يبعث رسالة للخصم على استسلام هذه الفئة، لأنها لم تعد قادرة على الخروج من أرشيفها، فيما يبقى دور مرتقب شاغر لا بد لها أن تملأه في راهن ما زال في مسيس الحاجة الى إيصال ما انقطع، درءاً لغدر الزمن.
أما النخبوي المتماهي مع راهنه، فإنه يجنح نحو التزّلف للسلطة، الراعي الرسمي لهذا الطراز من النخبوي، فيعقد مصالحة مع خارجه، أي مع السلطة السياسية الحاضنة له، التي يستمد منها هويته المستعارة، المؤقّتة، وهناك، فحسب، يلعب الجيشان الغريزي دوراً ماكراً ليعقد قراناً غير شرعي بين الهوية المستعارة والوعي النخبوي الذي يفضي الى تزييف الفعل، فيخرج الوعي في عرض هزلي لذات محقونة بكل أشكال التهتّك الناجمة عن عملية المصالحة تلك. فلا يغدو النخبوي بزي ليبرالي، على سبيل المثال، مناصراً للحرية بل خصماً لدوداً لأفعالها، السياسية منها بوجه خاص. بل تصبح مناوأة كل ما هو وثيق الصلة بالحرية، مجالاً ابتكاراً وتنافسياً بين أفراد النخبة المندغمة في السلطة، امتثالاً لأخلاقيات غريزية فظّة.
لا ريب، أن «حروب النيابة» التي خاضها بعض أفراد النخبة السعودية في السنوات الأخيرة حقّقت أغراضها السلطوية، لأنهم رفعوا لواء التحديث، وليس الحداثة، فنالوا شهادة تمجيد دولية. حين ينبري بعض أفراد النخبة للدفاع ببسالة مفتعلة عن مشاريع الحكومة، بصرف النظر عن مخرجاتها، فإن ثمة «فايروس» خطيراً بات على مقربة من صميم الوعي النخبوي، الليبرالي بوجه الخصوص. وبحسب المدّعى، لم تكن الليبرالية، يوماً ما، في وارد تمجيد أفعال خصومها، لو لم يكن ثمة من صادر منها إرادتها، ووظيفتها. وللسبب ذاته، لا دهشة في أن تتلبّس الليبرالية السعودية طائفية جامحة، كما شهدنا ذلك في حرب تموز 2006 على لبنان وكذلك في والعدوان على غزة 2008 ـ 2009، وفي ذلك دلالة بالغة على استلاب المعنى الليبرالي لدى النخبة الحديثوية، السلطوية بامتياز. أليس تطابق الألفاظ، والنبرات، والأهداف، بين السلطة والنخبة المتزلّفة لجهة الطعن في خيار المقاومة، وتهوين القضية الفلسطينية، بمثابة لوحة إرشادية الى عقم الوعي النخبوي.
لوهلة أولى، كانت النخب في السعودية واقعة في مركز استهداف المجتمع، والسلطة، والقوى التقليدية، وكل له دوافعه، وأغراضه. فالمجتمع، في الغالب، يبحث عن منقذ، شأن كل الشعوب المقهورة، يكون محطّ آماله وأحلامه الخلاصية، فيما تريد السلطة منها أن تكون كتيبة دفاعية عن سلوكها، ومواقفها، وأيضاً اقترافاتها، أما القوى التقليدية فتنظر إلى النخبة، الحديثة على وجه خاص، خصماً تكوينياً لهويتها ومجالها السيادي بما يستوعب السلطة والمجتمع معاً. وبدلاً من أن تكون النخبة أمينة على ذاتها المستقلة، اختارت، بملء مصالحها، الدخول في لعبة المنافسة الغريزية، فأخفقت في تحرير المجتمع من قيود السلطة والقوى التقليدية، بل تحوّلت هي الى قوّة مقيّدة لحركة التغيير في المجتمع، عبر أفعال زائفة، تكسوها بتعبيرات حداثوية رثّة، كالإطراء المكرور والبائس لخطوات أو بالأحرى نوايا في الإصلاح (الكلمة البديلة بعد اعتقالات مارس 2004 هي التطوير)، ليس فيها ما يقيم أود محلة فضلاً عن مجتمع ودولة.
وفيما كان النخبوي الانعزالي منغمساً في ذاكرة الأمجاد القديمة، التي تنزلق تدريجاً نحو هاوية النسيان، يحدوه ضميره المثلوم الى أن يتجرّع غصة مشهد الانثيال الجماعي نحو الانضواء في دوامة المصالح الذاتية، كما يعكسها ببشاعة النخبوي المتزّلف، الذي فضّل خيار الابتذال الوظيفي على فعل التغيير الحقيقي.
وفي المحصّلة النهائية، عجز النخبوي الانعزالي عن أن يسقط طوق الماضوية المعيقة، فيما اشتغل النخبوي السلطوي على ترسيخ أخلاقيات التزّلف، التي تستقطب عناصر جدداً، ممن شهدوا (نعيم) هذا الطراز من النخبوية السلطوية. أليس باعثاً على التهكّم تلك التنقّلات البلهوانية لمواقف أفراد هذه النخبة، تبعاً لتغيّرات حال السلطة، وكم كان مثيراً نقض أفراد هذه النخبة قولاً عن (هيئة البيعة) فور صدور قرار تعيين الأمير نايف، وزير الداخلية، نائباً ثانياً، ليخرج قول آخر مناقض لما سبق، فينطلق ماراثون «التبريكات» على مدى شهرين دون انقطاع لمحو نتائج ماراثون سابق مضاد. فهل كان ذلك كله منتظراً من نخبة تبلورت بمحض بؤسها؟!
أمام مشهد متشائم كهذا، لا بد، أيضاً، من استذكار اعتراضي، فمن المؤكّد أن السعودية ليست استثناءً في قانون التحوّلات الاجتماعية والسياسية، فهي تسير، شأن كل بلدان الدنيا، نحو قدرها في التغيير، مهما جمحت أسطورة الأصالة، وأوهام الطهر، وهلوسات الهوية التاريخية. ندرك سلفاً، وبحكم التاريخ وهواجس الراهن، أن ما تخشاه السعودية هو تعرّضها لتبدّلات فجائية متسارعة، بما يغذي مفاعيل تناقضات اجتماعية وسياسية وأيديولوجية تترشّح دائماً لأن تأخذ شكل انفجارات جماعية مباغتة، تؤول الى إطاحة البنيان غير المرصوص.
فالتقصّف المستمر لروابط المجتمع، على قاعدة ثقافية وسياسية واجتماعية، يبعث برسالة شديدة اللهجة لكل المراهنين على بقاء الحال على ماهو عليه، وعلى المتضرر اللجوء الى ما يصطلح عليه الناس في المملكة (البركة)، باعتبارها المادة اللاصقة الأخيرة لتصدّعات الكيان. إحتواء النخب في السعودية من قبل السلطة ليس سوى أحد أشكال كبح مفاعيل الوعي، ومحاولة عنيدة لتأجيل لحظة التغيير الحتمي. وقد يبعث على اليأس، أحياناً، رسوخ قدم فئة (المؤلّفة قلوبهم) في النخب السعودية، والتي تزاول دوراً وصائياً على النخبة الأصيلة، وأن تعيد تشكيل النسيج النخبوي وفق قياسات مخاتلة.
ولكن، ولإنصاف النخب في السعودية، يلزم التأكيد على حقيقة، تفصح عنها تجارب قديمة وحديثة، أن مصادرة الوعي أو تأجيل لحظة فعله، لا يجعلان من هذه النخب كائناً مخطوفاً، فحين يلتمع بصيص ضوء في آخر النفق، ستقف النخب المنعزلة والخانعة والمتزّلفة في الصفوف الأولى على جبهة التغيير، لا يضرّها، حينئذ، مشاغبات ثقافية أو إعلامية، أو حتى أمنية عابرة.
* باحث في الفكر السياسي من السعودية 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro