English

 الكاتب:

منى فضل

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التعبئة الاستباقية للانتخابات
القسم : سياسي

| |
منى فضل 2009-10-13 09:25:39


لتعبئة الاستباقية للانتخابات بدأت على ما يبدو بأشكال متنوعة «ندوات، برامج تمكين، تصريحات صحافية... إلخ»، وهي لا شك ظاهرة تستحق الرصد والتحليل، لماذا؟ لكونها جزءا لا يتجزأ من الظاهرة السياسية، إذ من خلالها يمكن تبين أبعاد الممارسة السياسية ومتغيراتها على صعيد النظام ومؤسساته، وكذا على الفاعلين في المشهد السياسي «معارضين وموالين وصامتين متفرجين». التعبئة فرصة لقياس شفافية النظام ومرونته أو تشدده لإحداث أي تغير على قواعد اللعبة السياسية وظروفها، فضلا عن متابعة العثرات وسوء الأداء داخل المجلس الوطني وخارجه.
من المدرك، الحكم هو من يضبط أقفال اللعبة السياسية بإحكام وانضباط مخطط، كما يحدد مداخلها ومخارجها بهذا القدر أو ذاك، فتتحرك إثره عزفا على الأوتار مؤسساته بتنوع اختصاصاتها وأدوارها في سيمفونية واحدة وبإيقاع مشترك سعيا وراء المحافظة على الوضع القائم في سياق مصلحة الحكم الاستراتيجية، والدفع نحو إضفاء هالة من الوجاهة على الديمقراطية التي تمارس بالطريقة البحرينية، ومع ذلك فالرصد يفسح المجال للتعرف على مستوى تآكل الديمقراطية وتراجع «التشاركية المجتمعية» التي لم يعد لها أثر في الخطاب الرسمي، الأرجح انتهت صلاحيتها بانتهاء صلاحية مشروع دمقرطة الشرق الأوسط.

دراسات تتجاوز الواقع السياسي

إضافة لما سبق، ثمة بعدان يتحركان في إطار التعبئة الانتخابية، لا يقلان أهمية في ضبط قواعد اللعبة السياسية وتوجيهها باتجاه محدد، أحدهما متصل بنتائج بعض الدراسات والبحوث المنجزة في سياق تحليل واقع مشاركة النساء في انتخابات 2002 و2006، وهي بالمناسبة نتائج أقل ما يقال عنها إنها تقليدية ونسخ متكررة عما سبقها من نتائج لدراسات تجارب عربية اتسم بعضها بممارسة ديمقراطية مبتورة ومشوهة سادها الفساد والتزوير.
نتائج الدراسات أعلاه حتما ستكون عرضة للسجال لو عمل بها مشرط القوى السياسية المعارضة، وهي غالبا ما تبحث في النطاق الضيق للمشاركة السياسية المتمثل في الانتخابات، لهذا تتكرر استنتاجاتها التعميمية الجامدة دون سبر أغوار تفاعلات المجتمع السياسي المحلي، كأن يقال «المرأة عدوة للمرأة ولا تصوت لها»، أو «أن المواطن يعاني من تدني الوعي السياسي والقصور المعرفي» بالطبع دون التطرق بعمق إلى ما هية الوعي السياسي المراد توافره لدى المترشح أو المترشحة أو المواطن عامة ليتأهل ويمارس نشاطه السياسي والانتخابي. كذلك القول بالمطلق «بضعف المساندة التي تلقتها المترشحات من المجتمع أو مؤسساته السياسية». هنا يجدر التنويه لأمرين، أولهما أن بعض المترشحات كـ»منيرة فخرو وفوزية زينل»، حققن نسبا عالية من الأصوات مقارنة بمترشحين رجال في دوائرهن والذي جاء بدعم من جمعيات سياسية وأهلية ومناطقية وحتى عائلية، لكن هذه الحقيقة من أسف تسقط من الاعتبار أثناء البحث والتحليل ليحل مكانها التعميم، ولو اعتمد معيار النسبة والتناسب بين المترشحين والمترشحات واحتسب حجم الأصوات لجميعهم لأمكن اكتشاف خطأ ما تبرزه تلك الدراسات من نتائج.
ثانيهما : أن بعض المترشحات «ونشدد على عبارة بعض»، غالبا ما يشتكين عدم كفاية تمويل حملاتهن الانتخابية ماديا ويتركز حديثهن عن الأكلاف التي انفقت على الحملات أكثر من الحديث عن مشاركتهن في مناظرات سياسية تتعلق ببلورة المواقف والآراء بمن يحق له تمثيل السلطة التشريعية وأدواتها الرقابية وتعديل قانون الانتخاب والدوائر والتجنيس السياسي وتوزيع الثروات وضبط الميزانية وخدمات الإسكان والتعليم والصحة وأداء نواب المجلس وموقف الحكومة من التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكلها قضايا تمثل صلب النشاط والوعي السياسي التي تسقطها بعض الدراسات من حساباتها وهي تتقصى وتحلل شأن المترشحات وعدم فوزهن في الانتخابات.
إلى ذلك تتكرر النتائج بشأن تأثير قوى الإسلام السياسي التي تقف حجرا عثرة لإيصال أي امرأة للمجلس بالانتخاب، ذلك أما بتحريم ترشحهن وعدم التصويت لهن وإصدار الفتاوى والإشاعات ضدهن وبمحاربتهن بشراسة لا أخلاقية أو التزام في الدوائر التي يترشحن فيها لمنع فوزهن، وبرغم صحة ذلك «مئة بالمئة»، إلا أن هذه الدراسات لا تستوفي تفسيراتها في الإجابة على السؤال: لماذا يحدث ذلك؟ كما لا تشير إلى تأثير التفاهمات المبطنة بين هذه القوى والحكم مما يتسبب في فشلهن ويعزز من شوكة تلك القوى ومكانتها وسطوتها على المجتمع عامة.
في كل الأحوال، الاستنتاجات تفتقر إلى شمولية الرؤية والتشخيص الموضوعي حتى وإن ادعى أصحابها خلاف ذلك، علاوة على عدم تطرقها إلى انحرافات الممارسة الديمقراطية والانتخابية، لاسيما لجهة هندسة وبنية النظام الانتخابي «المراكز العامة نموذجا» بما يتضمنه النظام من قيود قانونية وتشريعية وأمنية وإدارية، وتضخم لصلاحيات السلطة التنفيذية والقضائية وغيرها التي تعيد إنتاج الخلل وآلياته «الوساطة وتفشى الفساد في تقديم الخدمات والامتيازات والتوظيف وشغل المناصب العامة».
بعض الدراسات تتجاهل أطراف فاعلة في الوسط السياسي فلا تعترف بوجودها وتستبعدها من التحليل وكأنها تبخرت عن الواقع بقدرة قادر، وإن أتى على ذكرها في أحسن الأحول فغالبا ما يتم ابتسارها لأقصى الحدود. الأسوأ من هذا وذاك، عند الإعلان عن النتائج فالمسار يأخذ بعدا دعائيا وإعلانيا بعيدا عن تداول تلك الخلاصات مع القوى السياسية المختلفة وفي إطار الشراكة المجتمعية.

تشاركية انتهت صلاحيتها

أما البعد الثاني فيتصل بانحسار العلاقة التشاركية بين الحكم والجمعيات السياسية والأهلية، فمن الواضح أن برامج التمكين السياسي والتعبئة للانتخابات أوكلت إلى مؤسسات نطاق عملها واختصاصها العلاقات العامة والربح والتسويق، وبحكم ذلك فهي تفتقر إلى أي احتراف أو مسئولية سياسية ذات صلة بالواقع المحلي وتشظياته وما يفرزه من قضايا، هي بعيدة كل البعد عن نبض الشارع بما يموج به من أنشطة تطوعية وسياسية تسهم في بلورة الرأي العام والموقف السياسي، كان الأجدر وكما يحدث في التجارب الديمقراطية العريقة أن تتشارك في أداء هذه المهمة التنظيمات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني خصوصا الفاعلة والمؤثرة منها، لضمان توسعة المشاركة الشعبية التي تنتج فعلا سياسيا حقيقيا وغير وهمي، مما يترك انطباعا للمراقب أن السوق الانتخابي البحريني صار أشبه بسوق علاقات عامة وتجارة.
لتنشيط الذاكرة، التشاركية بين الحكم والتنظيمات السياسية والنقابية والمهنية كانت تتجه في مسارها للتعزيز والنمو عندما تبني بعض أطراف الحكم مفهوم التشاركية في مشروع إصلاح سوق العمل والتعليم، بيد أنه ما لبث وتراجع الحال عند مباشرة الإصلاح الاقتصادي، وغدا التفرد وغياب الشفافية سيد الموقف في معالجة ملفات التخصيص وتقارير شركة مكنزي للشركات التابعة للحكومة «ألبا وبابكو» وغيرها، الأمر ذاته في سياق منهجية التفرد يحدث لبرامج التمكين السياسي وغيرها. نحن نفصل وعليكم الاستماع والطاعة والتعلم من الآخرين!
إلى هنا، لا مناص من القول إن هذا النمط من الممارسات التي تتم في إطار التعبئة الاستباقية للانتخابات المقبلة سيواجه تحديات جوهرية أقلها في المصداقية، لماذا؟ كما شرحنا ودون اجترار، لقبر مفهوم «الشراكة المجتمعية»، ولتجاوز تلك الدراسات عناصر الواقع وتفاعلاتها ولأنها تجمل السائد ولا تجترح توصيات ومقترحات تقود إلى فعل سياسي ذي قيمة يساهم في تطوير العملية السياسية ويحركها عن وضعها الآسن.

الوسط - 13 اكتوبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro