English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أول القطرة إقالة الشثري
القسم : عام

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-10-07 09:42:57


صدر يوم الأحد الموافق 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2009 أمر ملكي سعودي بإعفاء عضو هيئة كبار العلماء والعضو المتفرغ في اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى المتفرعة من الهيئة سعد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري، من عمله.
جاء الإعفاء كما تناقلته الأجهزة الإعلامية بعد تعرض الشثري إلى حملة نقد شديد إثر إجابته على سؤال وجهه له أحد مشاهدي برنامج «الجواب الكافي» الذي تبثه قناة «المجد»، من قطر استوضحه فيه عن موقفه من السماح بالاختلاط، في إشارة واضحة لما أقدمت عليه جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، حيث اعتبر الشثري، في إجابته، أن مثل هذ العمل أمر «لا يجوز ولا يقره ولاة أمور هذه البلاد وعلماؤها وفي مقدمتهم خادم الحرمين حفظه الله؛ لأن الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه يثير الفتنة أمر محرم بالكتاب والسنة (داعيا إلى) تحريم ذلك ووجوب منعه».
كان يمكن أن يكون الأمر الملكي بإقالة الشثري إجراء روتينيا، لا يأخذ أي بعد سياسي، لو لا أنه تزامن وارتبط مع مجموعة من الظواهر الداخلية على صعيد المملكة من بين أهمها:
1. توجيهه النقد المباشر لمشروع ضخم يقوده العاهل السعودي شخصيا، والذي هو مشروع الجامعة، محاولا من خلاله رسم صورة مغايرة لتلك النمطية غير الإيجابية التي لايزال يحتفظ بها العالم عن المملكة.
ومن يعرف الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، يدرك أنه وراء الكثير من محاولات التغيير التي عمت المملكة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، حتى قبل أن يعتلي العرش في العام 2005. لكنه دشّن حكمه من خلال أول تطوير سياسي مباشرة بعد توليه الحكم، حيث عُيّنَ رئيسا جديدا للمجلس الأعلى للقضاء ورئيسا جديدا لمجلس الشورى ورئيسا جديدا لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أتبع ذلك بتغيير، صنف على أنه جذري، في عضوية هيئة كبار العلماء حيث ألغى احتكار المذهب الحنبلي لها، فاتسعت عضويتها كي تشمل أيضا المذاهب السنية الثلاثة الأخرى. ثم ألحق ذلك باستبدال العناصر التقليدية المتشددة في الهيئة من أمثال اللحيدان أو الغيث، بمن رأى فيهم البعض شيئا من الاعتدال مثل الدكتور محمد العيسى، وعبدالعزيز الحمين. كذلك كانت خطوة التغيير الأخرى هي تعيين الدكتورة نورة نائبة لوزير التربية، وكانت بذلك أول امرأة سعودية تتقلد مثل هذا المنصب العالي نسبيا.
2. قوة المكانة السياسية التي يتمتع بها الشثري والتي لا يستمدها من عضويته في هيئة كبار العلماء فحسب، وإنما يتمتع بها أيضا من خلال منصب والده ناصر بن عبدالعزيز أبوحبيب الشثري رئيس الشئون الخاصة لمكتب وزير الدفاع والطيران والمفتش العام السعودي. لكن كل ذلك لم يشفع له فجاء الأمر الملكي غير مذيّل بما يرد عادة بعبارة «بناء على طلبه»، والتي يفهم منها أن الإعفاء من المنصب جاء على شكل استقالة وليس إقالة. هذه الخطوة في مجملها تضفي حلة سياسية على قرار الإقصاء من الهيئة.
3. الحملة الإعلامية الواسعة التي تصدت لما جاء في تصريح الشثري في ذلك البرنامج، والتي دشنها رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السعودية جمال خاشقجي، الذي يعتبر من أكثر الأقلام دعوة للإصلاح التدريجي حيث قال لوكالة أنباء رويترز بعد إعادته ليرأس تحرير صحيفة «الوطن» في العام 2007، بعد أربعة أعوام من إقالته إن «التغيير في السعودية يشجعني لكنني أيضا أعرف حدودي». أتبعت افتتاحية خاشقجي، كما أحصاها أحد المواقع السعودية على الإنترنت نحو «18 مقالا في اليوم الثاني منها تسعة مقالات فقط في صحيفة «عكاظ» ومقالان لرئيسي تحرير صحيفتي «الجزيرة» و «الرياض»، وافتتاحيتان لـ «الرياض» و «الاقتصادية»، ومقال لرئيس تحرير «اليوم» محمد الوعيل، ومقال لمدير جامعة اليمامة أحمد العيسى».
4. التقرير الذي نشرته مؤسسة معلومات استخبارية أميركية «ستراتفور» في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، ونوّهت فيه من احتمال أن يفتح «مرض ولي العهد السعودي سلطان بن عبدالعزيز، وهو من أكثر أفراد أسرة آل سعود الحاكمة نفوذا الباب على احتمالات تغييرات سياسية كبيرة في السعودية». وأشارت النشرة حينها إلى أن حاجة السعودية إلى إحداث تغيير سياسي ينبع من سببين رئيسيين، «الأول على الجبهة الداخلية، إذ تريد الرياض ضمان أن النجاحات في مواجهة الإرهاب والجهود الحالية المبذولة للتعامل مع التطرف لن تتراجع. والثاني وهو الأهم، ويتمثل في صعود إيران، أقوى منافسي السعودية الإقليميين، في أعقاب الانسحاب المتوقع للقوات الأميركية من العراق».
مثل هذه الصورة لا يمكن إلا أن تمد المتابع لتطور الأوضاع السياسية بمسحة من التفاؤل تسود تفكيره وتدفعه نحو توقع حدوث تغيير سياسي، وإن كان طفيفا ومحدودا وبحاجة إلى بعض الوقت كي يتبلور، ذلك أن حكام الرياض نجحوا على امتداد ما يربو على 264 عاما من حكم آل سعود في امتلاك مهارات وخبرات مكنتهم من الإمساك بالحكم طيلة القرنين اللذين مضيا على تأسيس الدولة السعودية. لكن الجيل الثالث من الأسرة، دع عنك الجيل الثالث من المواطنين، هو اليوم مختلف عن الجيلين اللذين سبقاه، وهو قبل المواطن يحس بالحاجة إلى التغيير، ويستشعر الحاجة إليه.
لذا فمن المتوقع والطبيعي أن يكون هذا التغيير، اللهم إلا في حال وقوع انقلاب مفاجئ، بطيئا وسلميا وعلى مراحل، لكنه قادم لا محال، وإقالة الشثري لا تعدو أن تكون أولى قطراته.

الوسط - 7 اكتوبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro