English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

علينا أن نعتذر
القسم : شؤون عربية

| |
النهار 2009-10-04 09:30:49


بقلم كلوفيس مقصود:      .
غريب أمرنا... وكأن لدينا حساسية تجاه النجاح وادماناً للفشل... وكأننا اصبحنا على "واقعية" الفشل. لماذا نشير الى هذه الحال وكأن النظام العربي اصبح فاقد المناعة يستسهل الرضوخ لضغوط قائمة ومحتملة وكأن استمراره صار مرتهناً بشكل فاقع لما يعتبره سائداً وتالياً التناغم مع املاءاته بدل الاسهام في رسم سياسته لو توحدت مواقفه وتصلبت التزاماته المعلنة وأبدى استعداداً لتفعيل طاقاته وبخاصة حقوقه القومية والوطنية المشروعة.
نشير الى هذا الواقع المحبط وإن يكن معروفاً وشعوب الأمة تعاني تداعياته واخفاقاته، الا ان ما حصل في جنيف قبل يومين عندما طالبت ممثلية السلطة الوطنية الفلسطينية بتأجيل/ ترحيل مناقشة تقرير غولدستون الى آذار المقبل وتالياً تهميش، أو بالاحرى تمييع – حتى لا نقول اسقاط – مفاعيل ما احتوى عليه هذا التقرير المفصلي من أدلة دامغة على جرائم الحرب وخرق واضح للقوانين الدولية الانسانية اثناء الحرب المجنونة التي شنتها اسرائيل على شعب غزة وفلسطين اجمالا. اجل، هذا القرار الذي اجازته السلطة الفلسطينية ادى الى تبهيت الالتزام الاخلاقي وغيب من خلال التأجيل/ الترحيل مقومات المساءلة على الاقل والمعاقبة وسريان القوانين الدولية وتطبيقها على مجرمي الحرب الاسرائيليين.
قد يقال انه امام الضغوط الاميركية والاوروبية اجمالاً لم يكن مفر من الاستجابة في التأجيل على الاقل كون ادارة اوباما تعتبر تقرير غولدستون "معيباً جداً" وانها طالبت السلطة الفلسطينية بأن تبادر الى سحب مناقشة التقرير، في حين ان الشطارة حولت سحب المناقشة الى تأجيل فقط! هذا التذاكي من شأنه الامعان في ازدراء لا مشاعر ضحايا العدوان والجرائم المدانة، بل عقول الشعب الفلسطيني وعقول شعوب الأنظمة التي تصرفت وكأن "لسنا في صدد المزايدة على اصحاب القضية!".
الأهم ان ننفذ الى العناصر المكونة للسياسة الاميركية التي أدت الى قرار التأجيل/ الترحيل. ان حجة الادارة الاميركية "ان رفع التقرير الى مجلس الأمن من شأنه تعطيل مسيرة السلام التي يراد احياؤها" استتبع ان المندوب الفلسطيني أعلن "اننا لا نريد  توفير عقبة لها"، مما ساهم في الطلب الباكستاني باسم المجموعتين العربية والاسلامية ترحيل مناقشة التقرير.
لكن الأهم والأخطر هو ما ينطوي عليه موقف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ حذر الفلسطينيين يوم الخميس الماضي، كما ورد في صحيفة "النيويورك تايمس" من أن أي تقدم في عرض التقرير "يحرم اسرائيل حق الدفاع عن النفس". وقال إن أي تأييد للتقرير سيشكل "ضربة قاضية للحرب على الارهاب". ثم أضاف ممعنا في الابتزاز "انه يشكل ضربة قاتلة لمسيرة السلام" لأن "اسرائيل لن تستطيع أن تتخذ خطوات مجازفة لمسيرة السلام اذا حرمت حقها في الدفاع عن النفس"!
هكذا نكتشف ان النظام العربي السائد الذي استجاب لضغوط الادارة الاميركية على السلطة الفلسطينية، تعامل مع تقرير غولدستون كأن "الواقعية" تكمن في تجاهل مقومات وثوابت السياسات الاسرائيلية واهدافها الحقيقية والتي يصر اليمين الاسرائيلي على أن تكون معلنة وواضحة وبمنتهى الصراحة. هذا الوضوح بدوره دفع مساعد وزيرة الخارجية الاميركية مايكل بوسنر الى أن يعلن أن التأجيل يتيح للجانبين وقتاً لاجراء تحقيقات جديرة بالثقة في "الادعاءات الخطيرة"! بمعنى آخر، "جديرة بالثقة" يعني ان الادارة الاميركية تجاوبت وان بمفردات ملطفة مع صفاقة الاهانات التي كالتها حكومة اسرائيل لتحقيقات لجنة التحقيق برئاسة القاضي غولدستون ونتائجها. وحيث ان السلطة الفلسطينية وافقت على الطلب الاميركي - الاوروبي للتأجيل/ الترحيل، عندئذ تكون قد شاركت قصداً أو عن غير قصد في سحب الثقة بتقرير جرّم اسرائيل في حربها على شعب غزة. نقول قصداً أو في غير قصد كي لا نتهم السلطة الفلسطينية بالغباوة، أو كما فعل بعض ممثلي الفصائل الفلسطينية بـ"التواطؤ".
أمام تفويت النظام العربي القائم الآن، بما فيه على ما يظهر السلطة الفلسطينية، فرصة تفعيل مضامين النتائج التي توصلت اليها لجنة غولدستون، لم يبقَ أمام الشعب العربي اجمالاً كما الشعب الفلسطيني الا الاعتذار لكون "المسؤولين" في النظام العربي خذلوا نتائج التحقيق التي جرّمت الحرب التي شنتها اسرائيل على شعب غزة. كما علينا الاعتذار من منظمات حقوق الانسان في العالم التي ساعدت بشكل حاسم في تسليط اضواء كاشفة على العديد من الجرائم والخروقات للقوانين الدولية الانسانية مما ساهم في عملية التوعية والتعبئة لدائرة الوجدان عالمياً. كذلك علينا الاعتذار من الذين حاولوا بحراً فك الحصار عن غزة والمغامرة التي انطوت على مخاطر جمة في محاولاتهم الوصول الى مياه غزة، والاعتذار ايضاً من فرق الاطباء الذين جاؤوا من عدد من دول العالم وخصوصاً الذين صمدوا بإباء في المعابر الخانقة... أجل، لقد ساهمنا من حيث لم نرد، في الاجازة للنظام العربي ان يزوّر مدلولات الواقعية وان يحاول اخراجنا من فرص استعادة الكرامة والحقوق. اجل، علينا أن نعتذر سلفاً من الأجيال الصاعدة، شرط ان يسامحوا عجزنا وأن تكون السقطة حافزاً لها تحرضها على صحوة يعاد فيها اكتشاف طاقات العرب النضالية والمتمثلة باصرار الشعب الفلسطيني على الرسوخ في ارضه والتمثل بعرب اسرائيل الذين يجبهون يومياً الحكم الصهيوني العنصري والذين كانت تظاهراتهم الاخيرة خميرة لما تختزنه الامة من صلابة في الالتزام وتشبث بالحقوق.
قد نكون خذلنا غولدستون واعوانه، كما دائرة الوجدان في العالم، فاذا ارتضوا بالاعتذار فما نتوقعه ان يثابروا في تأكيد الحقيقة والحقوق التي غيبتها الواقعية المزورة واسقاط الكرامة كمكون للحياة الهادفة.
النهار اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro