English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ماذا لو فاز فاروق حسني؟
القسم : عام

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-10-01 08:55:08


أثار فوز السيدة البلغارية إيرينا غيورغييفا بوكوفا، على وزير الثقافة المصري فاروق حسني في معركة منصب المدير العام لمنظمة اليونسكو زوبعة من الجدل الواسع في صفوف المؤسسات الإعلامية وفي أوساط الأفراد ممن لهم علاقة بالحالة الثقافية.
واتسعت ساحة الجدل هذه، كي تشمل أربع قارات، امتدت من أميركا حيث أدلت صحيفة «النيويورك تايمز» بدلوها، معتبرة علاقة حسني المباشرة بالنظام المصري، الذي وصفته، الصحيفة، بعدم الديمقراطية، السبب المباشر في خسارة الوزير المصري، مرورا بأوروبا حيث فجر الصحافي الفرنسي المعروف ريشار لابفيير مفاجأة بكشفه عن «إن جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كان متواجدا فى المعركة على رئاسة اليونسكو، وأدار الحملة ضد المترشح المصري فاروق حسني من داخل مقر المنظمة»، وصولا إلى آسيا حيث كتب وزير العمل السعودي غازي القصيبي مقالا تحليليا عن تجربة العرب، عندما خاض القصيبي ذاته معركة مماثلة ضد المترشح الياباني، التي - كما يقول مقال القصيبي - لم يستفد منها حسني وهو يتأهب، ومن بعد، وهو يخوض معركته ضد المرشحة البلغارية. من دون أن نغفل إفريقيا طبعا، حيث كان للأقلام المصرية، تحديدا، من أمثال فهمي هويدي، وعلاء الأسواني ونوال السعداوي وآخرين، تحليلات متباينة عن الموقف من تشخيص الأسباب الكامنة وراء خسارة حسني.
خلت المداخلات التي شغلت الرأي العام العربي، وملأت صفحات الجرائد ومواقع الإنترنت من تناول سيناريو واحد محتمل هو، فيما لو حصل خطأ ما، وفي غفلة من الزمان وشاءت الأقدار ونجح فاروق حسني في الوصول إلى الكرسي الذي خسره، فهل سيلتزم حقيقة بما صرح به، عن نيته، كما جاء على لسانه قائلا بأنه سوف يسعى «خلال الفترة القليلة المقبلة للبدء فى تطبيق هذا البرنامج من خلال وزارة الثقافة، كي تضيف إلى ما تحقق ويتحقق أثرا على أثر، ورسالة إثر رسالة، في التفاعل مع ثقافات العالم أجمع، هذا البرنامج الذي يمثل الرؤية الإنسانية التي تقدمت بها للمنظمة ودول العالم، رؤية نبعت من مصر بكل ما تحتويه من ثراء وإبداع وتسامح»؟
يضاف إلى ذلك التصريح، الذي أدلى به الوزير المصري بعد خسارته، سيل آخر من التصريحات التي لم يتوقف عن الإدلاء بها حسني، تمحورت حول نيته في تحويل اليونسكو إلى منصة ينطلق منها لبدء حوار حقيقي وجاد بين الحضارات تكون له انعكاساته الإيجابية «على تحسين صورة العرب والمسلمين في أذهان العالم بعد أن تشوهت لأسباب خارجة عن إرادة العرب».
تستحضر علامة الاستفهام الأولى تساؤلا آخر هو: هل ستكون فائدة العرب والمسلمين أكبر فيما لو خسرت إيرينا وفاز حسني بمنصب مدير عام اليونسكو؟
تحضر من تدور بذهنه مثل هذه التساؤلات طرفة تُحكى عن إحدى البلدان العربية الأكثر تخلفا، حيث دعت السلطة الحاكمة فيها إلى لقاء تشاوري ضم خيرة عقول أبنائها من أجل الخروج بحل استراتيجي قابل للتنفيذ ينتشل تلك الدولة من أوضاعها المتردية. اجتهدت تلك العقول وقدح كل من حضر ذلك اللقاء زناد فكره من أجل البحث عن حل جذري. وجد الجميع انفسهم أمام طريق مسدود. حينها انبرى شيخ كان من بين المشاركين وتقدم باقتراح ينصح بشن الحرب على الولايات المتحدة التي من الطبيعي أن تنتصر على تلك الدولة العربية الصغيرة المتخلفة، ومن الطبيعي أيضا، كما كان يتمنى الشيخ، أن ترسل الولايات المتحدة قواتها التي ستجلب أيضا معها الخير والتقدم للبلد المنكوب! - طبعا كانت تلك الطرفة تروى قبل أداء الولايات المتحدة في العراق - هلل الجميع وتهيأوا لدق طبول الحرب على أميركا. لكن قبل أن يغادروا المكان نادى عليهم كهل عاقل آخر كي يسألهم: ماذا لو خسرت واشنطن الحرب، وانتصرنا... أية كارثة تترقب العالم حينها؟
ما يدعونا إلى هذه النظرة التشاؤمية هو أن الوزير المصري، وعلى امتداد ما يزيد على عقد من الزمان من تسلمه وزارة الثقافة لم يستطع، وكان من الوزراء المقربين كثيرا من دوائر صنع القرار في الحكومة المصرية، الأمر الذي زوده بسلطات واسعة كان بوسعه الاستفادة منها في تنفيذ مشروع حضاري في بلده مصر، وهي واحدة من الدول الأعضاء في اليونسكو، تنفيذ مشروع ثقافي واحد، بالمستوى الاستراتيجي الذي كان يتحدث عنه خلال حملته للفوز بمنصب اليونسكو.
وطالما أن السيد الوزير لم يستطع ذلك، فكيف بوسعه إقناعنا أن بإمكانه أن يحقق في اليونسكو ما لم يقم به في القاهرة. فليس خافيا على أحد أن أروقة اليونسكو تعج بالصراعات، التي تشل الكثير من قراراتها، بل وحتى مشروعاتها التي نالت قرارات الموافقة على تنفيذها.
خلاصة القول إن فوز إيرينا وخسارة حسني، هما، في جوهر الأمر، تعبير صادق وحي يعكس، فيما يعكس، تطور بلغاريا والدول المتحالفة معها والتي خاضت المعركة لصالح مرشحتها، وبالقدر ذاته تؤكد خسارة حسني تخلف حملة مصر ومن ورائها الجبهة الحليفة لها. والتاريخ، قبل اليونسكو لا يمكن أن يعود إلى الخلف، والعرب لا يمكنهم، وهم في أوضاعهم التي هم عليها الآن، أن ينتصروا، ليس في معركة بحجم منصب المدير العام لليونسكو، بل حتى في معارك أصغر منها.
ولو كتب للمنظمة وفاز فاروق وخسرت إيرينا، فسيكون العالم مطالبا بالقبول بنتائج مشابهة لتلك التي سيتمخض عنها انتصار تلك الدولة العربية المتخلفة على أميركا كما تخبرنا تلك الطرفة.

الوسط - 1 اكتوبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro