English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

اللوبي الإسرائيلي الجديد
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-09-25 13:44:05


بقلم جيمس تروب:       .
في تموز [الماضي] التقى الرئيس أوباما قادة المنظمات اليهودية الأميركية لمدة 45 دقيقة. يلتقي كل الرؤساء أنصار إسرائيل. لكن أوباما تأخّر في القيام بذلك، وقد أبدت شخصيات نافذة في الجالية اليهودية استياءها؛ بدت برودة أوباما منسجمة مع رغبته في الضغط علناً على إسرائيل لتجميد توسيع مستوطناتها، ومع ما اعتُبِر اهتمامه المفرط بمحنة الفلسطينيين. خلال الاجتماع في تموز الذي انعقد في قاعة روزفلت، قال مالكوم هونلين، نائب الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، لأوباما إن "عدم الانسجام العام بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يفيد أياً منهما"، وإن الخلافات "يجب معالجتها مباشرة بين الطرفَين". يروي هونلين أن الرئيس أسند ظهره إلى كرسيه وقال "لا أوافقك الرأي. طوال ثماني سنوات، لم يكن هناك أي بصيص أمل" - بين جورج دبليو بوش والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة - "ولم يتحقق أي تقدّم".
من المأمون القول إن مشاركاً واحداً على الأقل في الاجتماع استمتع كثيراً بهذا الحديث: جيريمي بن عامي، مؤسس "جاي ستريت" ومديرها التنفيذي، وهي مجموعة ضغط أنشئت قبل عام ولديها آراء تقدّمية عن إسرائيل. اعترضت بعض المجموعات الأساسية بشدّة على دعوة البيت الأبيض لمجموعة "جاي ستريت" التي تعتبرها منظّمة هامشية بعيدة جداً من الإجماع التي تسعى هذه المجموعات إلى ترسيخه. لكن "جاي ستريت" تتشاطر الأجندة نفسها مع إدارة أوباما، وقد ظلّت الدعوة قائمة. لم يتفوّه بن عامي بكلمة واحدة في الاجتماع – يعي أن "جاي ستريت" لا تزال مبتدئة – لكن بعد ذلك، نقلت عنه الصحافة كلاماً كثيراً، مما أثار غضب المجموعات الأساسية من جديد. لا تقبل مجموعة "جاي ستريت" قاعدة "الانسجام العام" تماماً كما لا يقبلها أوباما. في حديث تبادلته مع بن عامي قبل شهر من انعقاد الاجتماع في البيت الأبيض، شرح لي الأخير "نحاول أن نضع تعريفاً جديداً لمعنى أن يكون المرء موالياً لإسرائيل. لا داعي لأن تبتعد عن النقد. ولا داعي لتبنّي الخط الحزبي. ليست المسألة أن تكون مع إسرائيل سواء كانت على صواب أم خطأ".
يبدو أن هناك إقبالاً على المقاربة التي تعتمدها "جاي ستريت". العام الفائت، تضاعفت موازنة المنظمة لتصل إلى ثلاثة ملايين دولار؛ وتضاعف طاقم اللوبي أيضاً في المجموعة ليصل إلى ستة أشخاص. لا تزال صغيرة مقارنة بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) التي تحوّلت براعتها في عالم اللوبي أسطورة في واشنطن. لا يزال حضور "جاي ستريت" يقتصر إلى حد كبير على الإنترنت، حيث تبعث وابلاً من الرسائل الإلكترونية انطلاقاً من مدونات ومواقع إلكترونية تابعة لها. لكنها ظهرت في لحظة مؤاتية، فقد قرّر الرئيس أوباما، خلافاً لأسلافه، أن يدفع في اتجاه تسوية سلمية في الشرق الأوسط منذ انطلاقة ولايته. عيّن جورج ميتشل مفاوضاً باسمه، وقد حاول الأخير انتزاع تنازلات مؤلمة من إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية. في حالة إسرائيل، يعني هذا تجميد المستوطنات وقبول حل الدولتين. يحتاج أوباما إلى المساحة السياسية في الداخل لدفع تلك القضية نحو الأمام؛ فهو بحاجة إلى أن يقاوم الكونغرس الدعوات التي يوجّهها إليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لصد المطالب الرئاسية. في هذه المسائل التي تشكّل مأزقاً صعباً للمجموعات الأساسية، تعرف مجموعة "جاي ستريت" أين تقف بالضبط. قال لي بن عامي "البند الأول في جدول أعمالنا هو فعل كل ما بوسعنا في الكونغرس لنكون بمثابة ظهير السد الداعم للرئيس".
فكرة وجود لوبي إسرائيلي، مع تلوّناته المزدوجة الولاء، هي مفهوم مثير للجدل. إنها موجودة منذ مطلع السبعينات على الأقل، لكنها لم تتحوّل موضوعاً مثيراً لنقاش واسع إلا بعد نشر مقال شهير في "ذي لندن ريفيو أوف بوكس" عام 2006 وضعه الاختصاصيان في العلوم السياسية جون ميرشايمر وستيفن والت. أثار المقال الذي توسّع وتحوّل كتاباً، غضب العديد من القرّاء بسبب ما يوحي به من سرّية تآمرية؛ وإصراره على أن المحافظين الجدد اليهود أقنعوا الرئيس بوش بشنّ حرب في العراق بهدف حماية إسرائيل؛ وجهل الكاتبَين الواضح للتماهي العميق الذي يشعر به عدد كبير من الأميركيين – اليهود وغير اليهود – حيال إسرائيل. غير أن الكاتبَين ساقا زعماً اعتبره عدد كبير من العارفين أنه قريب جداً من الحقيقة: لقد نجح اللوبي الإسرائيلي في فرض حظر شبه كامل على أي انتقاد لإسرائيل، ولا سيما في الكونغرس.
كتب ميرشايمر ووالت "صلب الموضوع هو أن منظمة أيباك، وهي عميلة بحكم الأمر الواقع لحكومة أجنبية، تحكم قبضتها الخانقة على الكونغرس، والنتيجة هي أنه لا تتم مناقشة السياسة الأميركية هناك على الرغم من أنه لتلك السياسة تداعيات مهمة على العالم برمته".
وأضافا أن أيباك ومجموعات أخرى نجحت في إيصال مسؤولين يُعتبَرون "موالين لإسرائيل" إلى مناصب رفيعة. هذا بالتأكيد ما تفعله مجموعات الضغط الفاعلة. فعلى سبيل المثال، عمل اللوبي الكوبي بالطريقة نفسها لفترة طويلة. لكن إسرائيل أهم بكثير من كوبا بالنسبة إلى الأمن القومي الأميركي. ليست لدى أي من البلدَين، إسرائيل أو كوبا، مصالح مشابهة لمصالح الولايات المتحدة. غير أن المجموعات الأميركية اليهودية وافقت ضمناً على إخضاع آرائها لآراء الحكومة في القدس. يقول ج. ج. غولدبرغ، مدير تحرير المجلة اليهودية الأسبوعية "ذي فورورد" إن الشعار كان "نقف إلى جانب إسرائيل بغض النظر عن رأينا الخاص".
الناخبون اليهود الأميركيون ليبراليون وديموقراطيون في غالبيتهم الساحقة، لكن مع انتقال المجموعات اليهودية إلى اليمين شأنها في ذلك شأن إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي، راحت تقترب أكثر فأكثر من الحزب الجمهوري الذي بات يُعتبَر منذ زمن ريغان أكثر موالاة لإسرائيل من الديموقراطيين. وبدأت المجموعات اليهودية أيضاً العمل مع الإنجيليين الذين كانوا يشكّلون القاعدة الجمهورية وكانوا موالين لإسرائيل بحماسة شديدة. بالفعل، عندما التقيت مالكوم هونلين في تموز، كان عائداً لتوه من تجمع حاشد في واشنطن برعاية مجموعة "مسيحيون متّحدون من أجل إسرائيل" التي تهجّم مؤسّسها، القس جون هاغي، على الكاثوليكية والإسلام والمثلية الجنسية بعبارات عنيفة جداً إلى درجة أن جون ماكين شعر في نهاية الأمر أنه مضطر إلى رفض تأييده له خلال الحملة الرئاسية عام 2008.
كان جورج دبليو بوش يشاطر المجموعات الأساسية آراءها حول إسرائيل وفلسطين، وحول إيران والتهديد الذي يمثّله التطرف الإسلامي. يصف دوغ بلومفيلد الذي عمل مديراً تشريعياً لأيباك في الثمانينات – والذي أزيح من منصبه لأنه كان "مؤيّداً جداً للسلام"، كما يقول – أيباك ومجموعات أخرى بأنها كانت "متملّقة وذليلة جداً حيال إدارة بوش". لم تجد أيباك والمجموعات الأخرى ما يستدعي الانتقاد لدى رئيس لم يكن يؤمن، خلافاً لبيل كلينتون، بوجوب دفع القدس نحو تقديم تنازلات جدّية من أجل تحقيق السلام. كان الرئيس بوش، بحسب هذه النظرة، أفضل رئيس يمكن أن تطمح إليه قيادة الليكود في إسرائيل أو المجموعات اليهودية الأساسية.
وهذا النجاح بالتحديد هو الذي بدأ بإرخاء "القبضة الخانقة" التي تحدّث عنها ميرشايمر ووالت. يقول مارتن إنديك، وهو سفير أميركي سابق لدى إسرائيل يعمل الآن مديراً للسياسة الخارجية في معهد بروكينغز "في سنوات بوش، عندما كانت إسرائيل تملك شيكاً على بياض، بدأت أعداد متزايدة من اليهود والموالين لإسرائيل تتساءل، إذا كان هذا أفضل رئيس عرفته إسرائيل، فكيف تدهورت ظروفها بهذه السرعة؟" لماذا أصبحت إسرائيل أكثر عزلة ديبلوماسياً من أي وقت آخر؟ لماذا خاضت إسرائيل حرباً وحشية ولا طائل منها مع "حزب الله" في لبنان؟ لماذا تفوّق الإسلاميون في حركة "حماس" على حركة "فتح" الأكثر اعتدالاً في فلسطين؟ يقول إنديك "كان هناك نوع من التنافر الإدراكي حول ما إذا كان إعطاء إسرائيل شيكاً على بياض هو بالضرورة السبيل الأفضل لضمان العمر المديد للدولة اليهودية".
لطالما اغتاظ عدد كبير من اليهود الليبراليين من القول إن أيباك أو "رابطة مكافحة التشهير" تمثّلان وجهة نظرهم. لم يحصل بوش سوى على ربع أصوات اليهود عام 2004، وكان الناخبون الأشد ميلاً إلى الليبرالية يكرهونه كثيراً. بدأت الجالية اليهودية تبحث عن أساليب جديدة لتمثيل نفسها. فأصدرت مجموعات تقدّمية مثل "منتدى السياسة الإسرائيلي" أوراقاً تعبّر فيها عن مواقفها أو دفعت في اتجاه إجراء تغيير في السياسة؛ غير أن حفنة ضئيلة قامت بالمجهود الشاق الذي يتطلّبه اللوبي من تنظيم. يقول طوم دين، وهو مدير تنفيذي سابق في أيباك، إن مجموعة من المحسنين اليهود الليبراليين حاولوا إقناعه عام 2006 بترؤس مجهود "ضد أيباك". لم تصل تلك الفكرة إلى أي مكان، لكن في أواخر عام 2006، بدأت مجموعة مختلفة من المحسنين والناشطين، وبينهم بن عامي، الحديث عن دمج المنظمات التقدّمية في هيئة جامعة أكثر نفوذاً وتأثيراً. فانبثقت من هذه المحادثات مجموعة "جاي ستريت" تيمناً باسم الشارع الغائب من شبكة الطرقات في واشنطن، وذلك في إشارة إلى صوت غائب من النقاشات حول السياسات في واشنطن. وكان التمويل الأول من آلان ساغنر، وهو متعهّد عقاري متقاعد في نيو جرسي وداعم مخضرم للمرشّحين الديموقراطيين والقضايا اليهودية، ومن ديفيد جيلو، وهو رائد أعمال إسرائيلي-أميركي في قطاع التكنولوجيا العالية؛ كما قدّم كل من 50 داعماً آخر 10000 دولار في البدايات. خلافاً للمناصرة الليبرالية أو منظمات السياسات (مثل أيباك)، دعمت المجموعة الجديدة المرشّحين وموّلتهم من خلال هيئة تُعرَف بـ"جاي ستريت باك".
بن عامي مدمن سياسة وزّع في سن الرابعة عشرة مناشير دعماً لجيمي كارتر. عمل في الحكومة والسياسة في مدينة نيويورك؛ وكان نائب مستشار السياسة الداخلية في ولاية بيل كلينتون الأولى ومدير السياسة الوطنية في حملة هوارد دين الرئاسية. لكنه يفيد أيضاً من نسب إسرائيلي غير عادي. انضم أجداد أجداده إلى المجموعة الأولى من اليهود الروس الذين انتقلوا إلى الأراضي المقدّسة عام 1882. وكان أجداده بين العائلات الست والستين التي سحبت عام 1909 صدفاً بحرياً من قبعة – يانصيب الصدف البحري الأسطوري – لتقسيم أراضٍ رملية في المكان الذي أصبح لاحقاً إسرائيل. كان والده قائداً لـ"بيتار"، الذراع الشبابي في الحركة القومية الشديدة الاندفاع "إرغون" التي حاربت البريطانيين للحصول على استقلال إسرائيل. كُلِّف والد بن-عامي شراء مركب "ألتالينا" من مخلّفات الحرب العالمية الثانية، وقد شُحِن بالأسلحة وكان في طريقه إلى فلسطين عندما أعلن ديفيد بن غوريون دولة إسرائيل المستقلة وأمر كل المقاتلين بالإذعان لسلطة الدولة. بعدما رفض مناحيم بيغن، رئيس "إرغون"، تسليم "ألتالينا"، قامت قوات بن-غوريون بقيادة إسحق رابين بإغراقها. يقول بن عامي المولود في نيويورك "نشأت على كلام والدي الذي أمضى حياته كلها يتجادل مع أصدقائه حول ألتالينا وبن غوريون ومدى حماقته، ويستهجن قيام بيغن بإعادة سيناء".
هذا هو العالم الذي طبع المجموعات الأميركية اليهودية الأساسية. وُلد أبرهام فوكسمان، رئيس "رابطة مكافحة التشهير"، في بولندا عام 1940، وغالباً ما يبدو وكأنه يلمّح إلى أن اليقظة الأبدية هي الوحيدة الكفيلة بإبعاد المحرقة التي تلوح في الأفق. ووُلد مورتون كلين، رئيس "منظّمة أميركا الصهيونية"، في مخيّم للنازحين من أبوَين نجوا من المحرقة. يكتسب أشخاص من هذا النوع صوتاً نبوياً بالفطرة، وكذلك شعوراً بالخطر المحدق. عادةً من يريد دخول المنظمات اليهودية المهمة عليه عبور سلسلة من الأبواب المقفلة يحرسها موظفون من خلف الزجاج. قد يكون الخطر حقيقياً. لكن يمكن أن يبدو أيضاً وكأنه أداة تسويقية. يقول م. ج. روزنبرغ، مدير "منتدى السياسة الإسرائيلي" في واشنطن "أتعلمون مم يخافون؟ جيلهم يختفي. كل اليهود العجز في منازل المواطنين المتقدّمين في السن الذين يتكلّمون الييدية يحتضرون – ويحل مكانهم يهود في الستين من العمر كانوا يشاركون في مهرجان وودستوك".
على العكس من ذلك، مجموعة "جاي ستريت" مفتوحة أمام الجمهور. يشق الزوار طريقهم عبر استديو للغرافيك ديزاين تتشاطر معه المنظمة المكتب نفسه. ويبدو أنه ليس هناك ما يستحق الحراسة. معدل عمر الموظفين الذين يبلغ عددهم حوالى اثني عشر، هو 30 عاماً تقريباً. يتحدّث بن عامي باسم جيل ما بعد المحرقة وإليه. يقول "هناك زواج مختلط بينهم، ويحيون جميعهم مراسيم بوذية". ويضيف أنهم يشعرون بالحيرة أمام المفهوم الذي يعتبر أن "إسرائيل هي المكان الذي يمكنك دائماً الاعتماد عليه عندما يأتون للنيل منك". يعيشون في عالم من المدوّنات، ويشكّكون أيضاً في المقولة التي تعتبر أننا "لا نزال على أرض متزعزعة جداً" إلى درجة أنه لا مجال للسماح بالاختلاف العام في الآراء. هناك تشابه غريب ولافت مع وضع الأميركيين الكوبيين الذين خضعت سياستهم حتى الآونة الأخيرة لسيطرة الجيل الذي هرب من ثورة كاسترو وكان مصمّماً بقوة على رؤية نظامه يسقط. لم يدفع أوباما ثمن التخفيف من الحظر الأميركي على كوبا، كما كان ليحصل مع أسلافه، وذلك لأن رأي الأميركيين من أصل كوبي لم يعد مستعبداً للجيل الأكبر سناً – وهذا هو بالضبط هدف مجموعة "جاي ستريت" في ما يتعلق بالشرق الأوسط.
أرسلت "ستريت باك" استمارة إلى مرشحي الكونغرس في صيف 2008 تسألهم فيها عن آرائهم حول الانخراط الأميركي مع الشرق الأوسط. في نهاية المطاف، قرّرت المجموعة دعم 41 مرشحاً (معظمهم غير يهود) وجمعت 580 الف دولار في ستة أشهر فقط. وقد حصلت على قسم كبير من المال من طريق هبات صغيرة عبر الإنترنت، وهذا مؤشر آخر عن الجيل الجديد الذي تمثّله المنظمة. واستمر المال في التدفّق. في حزيران الماضي، نقل موقع "بوليتيكو" عن العديد من القادة اليهود قولهم إن أملهم خاب من دونا إدواردز، وهي مشترعة مبتدئة أميركية-أفريقية من ضواحي مريلاند دعمتها "جاي ستريت" العام الماضي. اكتفت إدواردز بالتصويت بـ"حاضرة" على قرار يدعم الهجوم الإسرائيلي على غزة، وانتقدت سياسة الاستيطان الإسرائيلية خلال زيارة إلى المنطقة. خشي مؤيّدو إدواردز أن تواجه تحدّياً أساسياً من مرشّح أكثر موالاة لإسرائيل. فما إن نشر موقع بوليتيكو المقال حتى أطلق بن-عامي مناشدة لجمع الأموال عبر المدوّنات والمواقع الإلكترونية التابعة لـ"جاي ستريت". كتب "هكذا فرضت المجموعات الراسخة الموالية لإسرائيل – طوال عقود – التقيّد برسالة اليمين حول إسرائيل في الكونغرس. لكن ليس هذه المرة – وليس على صديقتنا دونا إدواردز". استقطبت إدواردز التي تقول إن آراءها تضعها "حيث هي الإدارة [الأميركية]" في المسائل الإسرائيلية-الفلسطينية، 300 الف دولار في ثلاثة أو أربعة أيام من خلال المناشدة التي أطلقتها "جاي ستريت". وقد لفت ذلك انتباه المسؤولين في واشنطن. كما أثار غضب بعض القادة الراسخين. فقد قال لي أحدهم إن أي مجموعة تجمع أموالاً لأمثال إدواردز "ليست منظمة يهودية مسؤولة".
في المسائل الجوهرية المتعلقة بالسلام في الشرق الأوسط، لـ"جاي ستريت" موقف ليبرالي تقليدي إلى حد ما، مما يضعها بالتأكيد إلى يسار المجموعات الأساسية. وفقاً لـ"بيان المبادئ"، تؤيّد المجموعة "إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة كجزء من حل يجري التوصّل إليه من طريق التفاوض لإقامة دولتين، وذلك بالاستناد إلى حدود 1967 مع مقايضات متبادلة ومتَّفق عليها في الأراضي" – أي الصيغة التي تصوّرتها إدارة كلينتون خلال مفاوضاتها مع ياسر عرفات وإيهود باراك عام 2000. يقول بن عامي إنه يؤيّد أيضاً اعتماد القدس عاصمة مشتركة للدولتين. وفي ما يتعلق بالمحادثات مع حركة "حماس" التي تصنّفها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في خانة المنظمات الإرهابية، تتبنّى "جاي ستريت" النظرة الحذرة التي تعتبر أنه في حين لا يجدر بنا التحدّث مباشرة مع المسؤولين، ينبغي علينا الانخراط مع الحركة من طريق وسطاء بهدف إيجاد محاورين راغبين في العيش بسلام مع إسرائيل.
تصرّ "جاي ستريت" على أن معظم اليهود الأميركيين يشاطرونها آراءها حول الشرق الأوسط. إنهم ليبراليون بطريقة موثوقة في مسائل الحرب والسلم؛ فعلى سبيل المثال، عارض ثلاثة أرباع اليهود الذين أجابوا عن استطلاع أجراه معهد "غالوب" عام 2007، الحرب في العراق. السؤال المطروح هو، ما هي درجة الاستثناء التي يمنحونها لإسرائيل؟ سعت "جاي ستريت" للإجابة عن هذا السؤال عبر إجراء استطلاع واسع النطاق لآراء اليهود حول مسائل الشرق الأوسط. وقد توصّل الاستطلاع الذي أجري في تموز 2008 وتكرر مع استنتاجات متطابقة تقريباً في آذار الماضي، إلى أن اليهود الأميركيين يعارضون بناء مزيد من المستوطنات الإسرائيلية (60 مقابل 40 في المئة)، وأنهم يدعمون في غالبيتهم الساحقة الاقتراح بأنه يتعيّن على الولايات المتحدة أن تنخرط بفاعلية في عملية السلام حتى لو اقتضى ذلك أن "تعلن على الملأ اختلافها في الرأي مع الإسرائيليين والعرب على السواء"، وأنهم يدعمون بقوة قيام الولايات المتحدة بذلك حتى عند تعديل الجملة لتصبح "أن تعلن على الملأ اختلافها في الرأي مع إسرائيل". واللافت هو أن المجيبين وضعوا إسرائيل في شكل عام في المرتبة الثامنة ضمن لائحة انشغالاتهم؛ ولم يضعها سوى 8 في المئة في المرتبة الأولى أو الثانية.
"جاي ستريت" متخصّصة في شن حملات يمكن أن تستقطب نسبة الـ92 في المئة التي تهتم بقضايا أخرى أكثر من اهتمامها بإسرائيل. في أيلول الماضي، طلبت المنظمة من أنصارها توقيع عريضة تطالب بأن تلغي الجهات الراعية دعوة إلى ساره بالين للتحدث في تجمّع غير حزبي حول إيران. وتقول المنظّمة إن أكثر من 250 الف شخص وقّعوها في غضون 24 ساعة (ألغيت الدعوة، على الرغم من أن مالكوم هونلين الذي ساعد على تنظيم الحدث يقول إنه لا علاقة لـ"جاي ستريت" بالأمر). وحصلت "جاي ستريت" على تجاوب مماثل عندما وزّعت بلاغاً حذّرت فيه من تشريع من شأنه أن يؤدّي إلى حصار إيران، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى الحرب بحسب النقّاد. ونشر بن عامي أيضاً على المواقع الإلكترونية للمجموعة روابط مع تصريحات جون هاغي الشائنة للتذكير بنوع المعشر الذي تحتفظ به المنظمات الأساسية.
كانت الحملة الأكثر إثارة للجدل وأهمية بين حملات "جاي ستريت" تلك التي رُبِطت مباشرة بأمن إسرائيل. عندما قصفت المقاتلات الإسرائيلية غزة لأول مرة في 27 كانون الأول، أصدرت "جاي ستريت" بياناً صحافياً أوردت فيه أنه "ليس هناك حل عسكري لنزاع سياسي في الجوهر" ودعت إلى "تدخل ديبلوماسي فوري وحازم" للتفاوض على استئناف العمل بوقف النار. في اليوم التالي، كتب مدير الحملات في "جاي ستريت"، اسحق لوريا، في رسالة موجّهة إلى المناصرين "في حين أنه لا ‘صواب’ على الإطلاق في إمطار العائلات الإسرائيلية بالصواريخ أو إرسال انتحاريين، لا ‘صواب’ أيضاً في معاقبة مليون ونصف غزّاوي يتكبّدون أصلاً المعاناة، وذلك بسبب تصرفات المتطرفين بينهم".
رسّخ موقف "جاي ستريت" موقعها إلى يسار الطيف السياسي؛ يقول بن عامي إن مناصري المجموعة ازدادوا من 90 الفا إلى 100 الف. لا شك في أن اليمين شجب المجموعة. لكن الوسط شجبها أيضاً. وصف الحاخام إريك يوفي، رئيس "اتحاد اليهودية الإصلاحية"، مشاعر لوريا في مقال في مجلة "ذي فورورد" يعبّر عن الأسى أكثر منه عن الغضب بأنها "معيبة أخلاقياً، وبعيدة جداً عن المشاعر اليهودية، وساذجة بطريقة مروّعة". بالنظر إلى الوراء، يقول يوفي الآن "غفلت جاي ستريت عن الدعم الساحق من الجالية اليهودية الأميركية للحرب في غزة. كان هذا اختبارها الكبير الأول، وقد أخفقت فيه".
لا يوافقه بن عامي الرأي، لكنه يقرّ بأن مراحل الأزمات التي تشهدها إسرائيل تنقر على أوتار الأسلاف. يقول "هناك جانب منطقي يقف إلى جانبنا وإلى جانب أوباما في السياسات، ويتفهّم أن التفاوض والسلام أمران جيدان، وأنهما أفضل من العمل العسكري الوقائي. ثم هناك صوت جدتهم في أذنهم: إنه الجانب العاطفي والتاريخ المشترك، والخوف النابع من عدم الرغبة في أن نكون مسؤولين بطريقة ما عن المأساة الكبرى المقبلة التي ستحلّ بالشعب اليهودي".
 
الحلقة الثانية الاخيرة من مقالة جيمس تروب حول ظروف نشأة اللوبي الاسرائيلي الجديد في الولايات المتحدة.
يُطرح هنا سؤال عن آفاق "جاي ستريت". هل من الأفضل لمجموعة ضغط أن تمثّل القلة الشديدة الحماسة أم الأكثرية غير المتحمّسة؟ تعرف الجمعية الوطنية للبندقية الجواب عن ذلك السؤال. يشير مسؤول في الإدارة الأميركية معني بشؤون الشرق الأوسط إلى أن أيباك تشجّع على مناصرة قضية واحدة. ويلفت إلى أن تحويل نسبة الـ92 في المئة الأخرى قوة سياسية فاعلة سيكون "مهمة كبرى وطويلة الأمد وشاقة". ويضيف "لست واثقاً من أنه يمكن القيام بها".
قد يكون التحدي الأصعب المطروح على "جاي ستريت" تحسين مكانة ما يسمّيه بن عامي الموقف "الموالي لإسرائيل والموالي للسلام" في كابيتول هيل. في كانون الثاني الماضي، ساعدت "جاي ستريت" على ترويج قرار أعدّه النائب عن مساتشوستس، بيل ديلاهونت، يتضمّن مديحاً للإدارة الأميركية على تعيينها جورج ميتشل – يقول بن عامي إنها وسيلة للسماح للمشترعين الذين شعروا بأنهم مرغمون على توقيع قرار غزة بـ"القيام بشيء إيجابي". في أواخر أيار، حظيت رسالة وضعتها أيباك للطلب من الرئيس أوباما بأن يحرص على أن تبقى أميركا "صديقة وفية لإسرائيل" ويشترط على الفلسطينيين وضع حد للعنف من أجل استئناف محادثات السلام، بتأييد 329 مشترعاً. ردّت "جاي ستريت" بعد أيام عدة برسالة دعت فيها إلى انخراط أميركي فاعل في عملية السلام وفي المساعدة على إنشاء حاكمية فاعلة في الأراضي الفلسطينية. وقد حصلت تلك الرسالة على 87 توقيعاً. كان الفارق في عدد الموقّعين على الرسالتَين معبّراً. هناك مضاعفات واضحة لكل ما يُعتبَر رداً على اللوبي الإسرائيلي؛ يقول بن عامي "لست مهتماً، وعن وعي تام، بإظهار منظمتنا بأنها مناهضة لأيباك". على الأرجح أن رسالة "جاي ستريت" المضادة عكّرت صفو تلك المياه.
في الواقع، لم ينطلق نقاش فعلي في كابيتول هيل. عندما سألت موظفة رفيعة المستوى في الكونغرس إذا كانت تعتقد أن المشترعين جاهزون الآن لقول ما يفكّرون فيه في موضوع الشرق الأوسط، أجابت "لا أظن أننا بلغنا هذه المرحلة بعد". لكنها أضافت "ثمة تغييرات على الأرض". فعلى سبيل المثال، كانت لهجة النقاش حول غزة أقل انحيازاً بقليل من المعتاد. صرّح هوارد برمان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب وأحد الداعمين الأساسيين لإسرائيل، أنه "لا يجد أي صعوبة في تبرير الحرب التي خاضتها إسرائيل" لكنه "يشعر بأسى عميق لما ينجم عنها حكماً من معاناة ودمار وسقوط لأرواح بريئة". وكان القرار الذي انبثق عن النقاش – مع إسرائيل هناك دائماً قرارات – عبارة عن هجين غريب من الحيثيات التي تنم عن نزعة قتالية نموذجية ("حيث إن حماس تأسست مع هدف معلن هو تدمير دولة إسرائيل) وبنود "مصمّمة" معتدلة تدعو من بين أمور أخرى إلى إقامة "دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقلّة وديموقراطية". أخبرني معاون في الكونغرس أن سلف برمان، طوم لانتوس، كان يسمح لأعضاء اللوبي في أيباك بأن يكتبوا اللغة الأساسية للقرارات والتشريعات، لكن موظفي برمان طلبوا تعليقات من عدد كبير من المجموعات بينها "جاي ستريت"، وكتبوا الوثيقة بأنفسهم.
حتى أصدقاء "جاي ستريت" الأوفياء في كابيتول هيل يدركون العواقب المحتملة لموقفهم. قال لي ستيف كوهين، وهو نائب ديموقراطي في الكونغرس عن ممفيس، إن إسرائيل أهدرت في رأيه مكانتها البطولية من خلال الحربين اللتين خاضتهما في لبنان وغزة، وباتت تُعتبَر بمثابة "المستأسد في الحي". لكنه تذكّر أنه "عندما ظهرت جاي ستريت، راح أعضاء الكونغرس يتساءلون ‘هل نقترب منهم؟’" دعمت المنظمة كوهين وطلبت منه تسجيل شريط فيديو لموقعها الإلكتروني. قال "حذّرني العديد من الأعضاء اليهود المتمرّسين من مغبّة القيام بذلك. كانوا يخشون أن أتعرّض لهجوم من أيباك. همس لي بعضهم بأنني قد أواجه خصماً". لكنه سجّل شريط الفيديو. كما وقّع رسالة "جاي ستريت" التي تطالب بانخراط أميركي أكبر في عملية السلام. سألته إذا حصلت أي مضاعفات. فأجاب كوهين، وهو مشترع ساخر جداً "أنا أفكّر في الأمر. كان لدي بعض المؤيدين البارزين من أيباك الذين لم يأتوا إلى حفلتي الأخيرة لجمع الأموال، مع العلم بأنهم يكونون عادة أول الحاضرين".
كان الاختبار الحاسم في أيار عندما جاء نتنياهو للقاء أوباما. طلب رئيس الوزراء من أوباما تحديد مهلة زمنية للمفاوضات مع إيران التي تتخوّف إسرائيل كثيراً من طموحاتها النووية، في حين حض أوباما رئيس الوزراء الإسرائيلي على تجميد توسيع المستوطنات تجميداً كاملاً. قال أوباما إنه مستعد لإعادة النظر في سياسته حيال إيران إذا استمرّت الأخيرة في تعنّتها؛ أما نتنياهو فلم يقطع أي تعهّدات في موضوع المستوطنات. بعد ذلك، عقد نتنياهو سلسلة من الاجتماعات في كابيتول هيل. يروي مشترع رفيع المستوى أنه قيل لنتنياهو خلال جلسة مع مشترعين يهود "لا يمكنك تجاهل ما يطرحه البيت الأبيض في موضوع المستوطنات. عليك حل المسألة معهم". لم يكن توبيخاً حاداً على الإطلاق، لكن نتنياهو لم يكن قد اعتاد أيضاً على سماع رسائل من هذا القبيل من القادة الجمهوريين في التسعينات عندما كان رئيساً للوزراء.
استمر الرئيس أوباما في استعمال لغة لا لبس فيها في موضوع التوسع الاستيطاني، ولا سيما في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة في مطلع حزيران الماضي. واستمرت المنظمات الأساسية في حشد قواها دفاعاً عن إسرائيل. في مطلع آب، نشرت "رابطة مكافحة التشهير" إعلاناً على صفحة كاملة في "نيويورك تايمز" وصحف يومية أخرى مع العنوان الرئيس الآتي "المشكلة ليست المستوطنات؛ المشكلة هي الرفض العربي". تسبّب هذا بعذاب شديد للمشترعين اليهود الذين لا يريدون أن يُضطروا إلى الاختيار بين إسرائيل والرئيس. قبل وقت قصير من الخطاب في القاهرة، أصدر غاري أكرمان، وهو ديموقراطي من نيويورك يقود اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بياناً صحافياً بعنوان "أكرمان يحض على تجميد بناء المستوطنات لا نمو العائلات". هذه الصياغة هي أسلوب مشفّر للدفاع عن "النمو الطبيعي" للمستوطنات. لكن بعد وقت قصير، شرح أكرمان أنه قصد أنه يجب أن تستمر العائلات في النمو – وهذا ليس مبدأ خلافياً – أما المستوطنات فلا. قال لي أكرمان إنه يعتبر توسيع المستوطنات "القضية الآنية المهيِّجة للمشاعر"، وإنه مهما تكن الإيجابيات، "يجب أن يلمس العالم العربي إشارة بأننا نتفهّم مشاغله". نكاد نسمع صوت التمغّط بينما يُسحَب المشترعون في الاتجاهَين المعاكسين.
ليست لحظة مؤاتية جداً، على الأقل ظاهرياً، لصنع السلام في الشرق الأوسط. فإيهود أولمرت وأرييل شارون اللذان سبقا نتنياهو مباشرة في رئاسة الوزراء، توصّلا بطريقة مؤلمة إلى الاستنتاج بأن إسرائيل لا تستطيع أن تصمد كدولة ديموقراطية ويهودية إلا إذا كانت مستعدّة للسماح بإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة – الأمر الذي يتطلّب بدوره التخلّي عن المستوطنات. لا يبدي نتنياهو مؤشرات قوية بأنه استبطن هذا المنطق المحتوم. فبعد عودته من واشنطن، ألقى خطاباً أيّد فيه لأول مرة حل الدولتين، لكن لغته ظلت متصلّبة كالعادة. قال سناتور باشمئزاز إن الخطاب كان "فرصة أُهدِرت بالكامل". رفض نتنياهو الموافقة على تجميد كامل للمستوطنات، على الرغم من إرسال بعض إشارات المجاملة.
لكن المشكلة لا تقتصر على إسرائيل. فالقادة العرب الذين يعوّل عليهم أوباما للمساعدة على تمويل دولة فلسطينية ناشئة والضغط على "حماس" والتجاوب مع أي بادرة تصدر عن إسرائيل، ليسوا مستعدّين للتحرك. على الرغم من أنه يبدو أن مكانة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تعزّزت بعد المؤتمر العام الأخير الذي عقدته حركة "فتح"، إلا أنه لا يزال أضعف بكثير من التغلّب على "حماس" التي تسيطر على غزة والتي حاربت إسرائيل وأوصلتها إلى حائط مسدود سياسياً في مطلع هذا العام. الخطر الحقيقي جداً الذي تمثّله "حماس"، على الرغم من أنها تبدو هادئة في الوقت الراهن، يجعل إسرائيل تتردّد كثيراً في تقديم تنازلات مهمة.
على الرغم من ذلك، تتغيّر الديناميات في الشرق الأوسط. فعلى غرار إسرائيل، الدول العربية الأساسية متخوّفة من إيران وتريد دعماً أميركياً لنهج متشدّد حيال طهران وطموحاتها النووية. والمشكلة الفلسطينية هي عائق أمام التوحّد في وجه إيران. بالفعل، لقد بذل نتنياهو نفسه جهوداً حثيثة لتحويل الانتباه من فلسطين إلى إيران. لكن هذا لن يمرّ لا في الرياض ولا في واشنطن؛ فكما أظهر خطاب القاهرة، يدرك المسؤولون في البيت الأبيض أنه يتعيّن عليهم إنجاز تقدّم حقيقي في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية من أجل استعادة الصدقية في الشرق الأوسط. ويعتبرون أن هذا التقدّم ليس ممكناً إلا إذا عمد نتنياهو إلى كبح المستوطنات التي يعتبرها الفلسطينيون والعالم العربي الأوسع جزءاً من جهد مستمر لتغيير "الوقائع على الأرض" من أجل منع تطبيق حل الدولتين.
لقد أدّى نتنياهو دوراً أساسياً في ذلك المجهود؛ ومع ذلك يعتبره عدد كبير من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط أنه بارع في الحسابات ويعرف تماماً أنه لا يمكنه أن يظهر بأنه "خسر واشنطن". إذا نجح أوباما في انتزاع التزام صادق وملزم من نتنياهو حول نمو المستوطنات، يستطيع عندئذٍ أن يتحوّل نحو القادة الفلسطينيين والعرب للحصول على التنازلات التي تطلبها إسرائيل. ومن شأن البوادر المتبادلة أن تخلق بدورها زخماً نحو حل مسائل الوضع النهائي الأكثر صعوبة المتعلقة بالحدود المشتركة ووضع القدس و"حق العودة" للفلسطينيين الذين هربوا من إسرائيل قبل عقود. لا تزال المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية متعثّرة، لكن هناك كلام مشجِّع بأن إدارة أوباما قد تسعى إلى عقد لقاء بين نتنياهو وعباس خلال وجودهما في نيويورك في وقت لاحق هذا الشهر للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
باختصار، لن تفتقر "جاي ستريت" إلى أرضية للعمل فيها. لقد وعدت المنظّمة أنصارها بأنها سوف تتخذ بين آب وعيد العمال "50 الف إجراء" لدعم سياسات الرئيس. وبحلول أواخر آب، استطاعت أن تورد الآتي "أرسلنا 29243 بريداً إلكترونياً وأجرينا 1288 اتصالاً وأخبرنا 2596 صديقاً عن عملنا". في هذه الأثناء، بدأ بن عامي بناء شبكة من الداعمين المحليين الذين يستطيعون أن يصارحوا المشترعين بآرائهم – مثل الشبكة التي تملكها أيباك (إنما أصغر بكثير)، واستقدام إسرائيليين مرموقين مؤيدين للسلام كي ينشروا رسالتهم البديلة في واشنطن وخارجها. وقريباً سوف ينتشر فريق اللوبي الجديد التابع لـ"جاي ستريت" في مجاهل الكونغرس للجلوس مع مشترعين وموظفين لم يسمعوا قط بمدافعين ليبراليين عن إسرائيل، فما بالكم بالاجتماع بهم.
ربما لا تزال "جاي ستريت" ظهير سد أصغر من أن يخلي الجزء الأكبر من السبيل أمام إدارة أوباما. لكن يمكنك التعويض عن الحجم إذا لم تخف من الاحتكاك.
"نيويورك تايمز ماغازين"، ترجمة نسرين ناضر
(كاتب مساهم في مجلة "نيويورك تايمز"، صدر له حديثاً كتاب بعنوان The Freedom Agenda (أجندة الحرية).)
النهار – 24/25 سبتمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro