English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العالم الذي أديرت فيه أكبر عملية احتيال في التاريخ ولم تكتشفه الرقابة
القسم : عام

| |
من العالمية 2009-09-23 08:39:53


شغل الطابقان الثامن عشر والتاسع عشر من مبنى «مانهاتن ليبستيك» في العقد الاول من هذا القرن، صانع سوق يحظى باحترام كبير، ووسيطا يتداول بمحافظ «الحجم الثقيل». وقد سارع المتداولون الصغار يومياً وراء أرباح التداول الضخمة التي ممكن أن تجعل أسماءهم تلمع في «وول ستريت»، وقد كان العديد من المعنيين بالصناعة يقومون بزيارات دورية الى مدير تلك الشركة للتزود بنصائحه. في حين أن ذلك المدير كان يستخدم أحدث التقنيات وأجهزة الكمبيوتر لمواءمة البيع والشراء للعديد من العملاء المهمين والاسماء والمؤسسات الكبرى منها «بير ستيرنز» و«شارلز شواب» و«فيديليتي» و«ليمان براذرز».
أما المكاتب فقد كانت نظيفة معقمة، مزينة بأحدث الديكورات وملونة بمزيج من الأسود والرمادي وتعج بالاصوات المتعالية من رنين الهواتف وصراخ المتداولين. ويبدو المشهد بالنسبة لأي زائر وكأنه مكان ينبض بالحياة، حيث يمكن ان تصنع الأموال وفقاً لعمليات «صحية» مسجلة على الورق.
هذا المكان ليس إلا مؤسسة برنارد مادوف للاستثمار بالاوراق المالية، وهو التاجر والوسيط ورجل «العقارات» بامتياز على مدى 4 عقود. وكانت مؤسسته تتداول بالاسواق المالية، السندات والاسهم الاخرى، منها لصالح عملاء ومنها لصالح الشركة نفسها. وقد أظهرت نتائج تقييم أحد البنوك الاستثمارية أن أعمال هذا الوسيط حققت 67 مليون دولار كعائدات تداول في 2006. منها 52 مليون دولار من المتاجرة بالعقارات أو من مداولات الافراد الذين يراهنون بمبالغ كبيرة ويسلمون جزءاً من المكاسب التي يحققونها الى الشركة. فيما وصل صافي مجموع التداول في 2006 الى 72.5 مليون دولار، في الوقت الذي لم تتعد فيه المصروفات، بما فيها رواتب المواظفين، الـ30 مليون دولار. وقد اتفق الجميع على أن أرباح المؤسسة في ذلك العام وصلت الى 41 مليون دولار.
الا أن أعمال الوساطة هذه، كانت مراقبة من قبل لجنة البورصة والاوراق المالية ومؤسسات رقابية مالية أخرى. وكان المراقبون يعاينون ملفات ودفاتر المؤسسة للتحقق من قضايا الامتثال، ومراقبة دفاتر الميزانية، سجلات المصارف وغيرها... مع ظهور مراقبي الحسابات في الشركة مرة على الاقل كل عامين، وبالرغم من ذلك، فقد فشل جميعهم في اكتشاف حقيقة أن الطابقين الـ18 والـ19 لم يكونا حدود مادوف من مبنى «مانهاتن ليبستيك»، وأن تحصيل الأموال لم يكن الهدف الوحيد وراء أعمال التداول.
وما توصل المراقبون، والعالم أجمع، لمعرفته في الربيع الماضي بالفعل، هي الاهداف الاخرى الحقيقية لأعمال تلك المؤسسة، وهي جذب المستثمرين الاثرياء وتوريطهم في عمليات احتيال ضخمة تدار من قبل الطابق الـ17 من المبنى، حيث المكاتب كانت أشبه بالخرائب المتجمعة. والاوراق والمطبوعات المبعثرة هنا وهناك في جميع أرجاء الطابق.
وفيما كان الموظفون والموظفات في الطابقين الاعلى مجبرين على ارتداء الازياء الرسمية، كان العاملون في الطابق الـ17 يلبسون الملابس الرياضية الخفيفة. وفي حين أنه في الطوابق العلوية كان العاملون يقضون أوقات دوام عمل طويلة، كان الطابق الـ17 يبدأ يومه عند التاسعة صباحاً لينهيه عند الخامسة. وفيما كان الطابقان الـ18 والـ19 مخصصين لاظهار أعمال «مادوف» للعالم، كان زوار الطابق الـ17 قليلين ومعدودين، فمدخله يقع عند يسار المصعد بطريقة مخفية، لأنه جزء من جدار ماهوجني، من دون أي اشارة أو علامة تدل على وجوده.
وفي الحقيقة، كان يحظر على معظم موظفي مادوف النزول الى الطابق الـ17، ويقول أحد عاملي المؤسسة السابقين لفترة عامين روبرت ماكماهون «لقد كنا على علم بوجود صناديق تحوط في الاسفل، الا أننا لم نعلم الكثير عنها». وعندما أراد ماكماهون السؤال عن مقال نشر في 2004، يذكر أن مادوف يدير أعمالاً استشارية ومؤسسة لادارة الاموال تصل الى سبعة مليارات دولار، أتاه الجواب التالي «هذا ليس من شأنك، لا تذكر هذا المقال مرة أخرى اذا أردت المحافظة على وظيفتك. «برني» (أي برنارد) يدير شركة أخرى لا علاقة لنا بها، ولا شأن لنا بتلك الاعمال. لا تسأل عن الامر مرة أخرى في أي مكان».
اما المسؤول عن الطابق الـ17 فكان فرانك ديباسكالي، الذي كان صلة الوصل الوحيدة مع العائلة وادارة الصناديق على مدار سنوات وعقود. التي قاموا بالاستثمار من خلالها. وقد كان يتصف بالعدائية طيلة الوقت وبعدم اللطف مع العملاء. ولم يكن من الاشخاص الذين يسهل التعامل معهم،
وانضم ديباسكالي الى مؤسسة مادوف عام 1975، عاماً بعد تخرجه من المدرسة الكاثوليكية في «كوين». وعينته يومها أنيت بونجيورنو، المساعدة الشخصية لمادوف وعاملة أخرى من عمال الطابق الـ17. وقد كان ديباسكالي وبونجيورنو أنسباء، وينحدران من منطقة «هوارد بيتش» وهو حي من أحياء الطبقة العاملة في «كوينز». وقد تم تعيين روبيرت كارديل، نسيب ديباسكالي فيما بعد ليمضي بدوره سنوات عدة في مؤسسة مادوف.
كانت طريقة مادوف بادارة الاعمال تقتصر على الحصول على مستثمرين أفراداً يقومون بفتح حسابات وساطة، وهي لم تكن بالحقيقة حسابات وساطة بقدر ما كانت بجانب التاجر الوسيط الذي يمكن أن يحتضن أموالهم. وبدل أن يودع مادوف أموال هؤلاء في صندوق تحوط، كان ببساطة يستخدم قسماً منها لنفسه، ويقوم بدفع مستحقات المستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد، وهي عملية احتيال كلاسيكية من طراز «بونزي» بامتياز.
وكان المستثمرون يوقعون الشيكات أو حتى يودعون أموالهم مباشرةً في حساب مصرف «جي بي مورغان شايز» ( شايز مانهاتن سابقاً) رقم 140081703. وهو الحساب الذي يقوم فيه مادوف بعمليات «الكاش ان والكاش اوت» لمستثمري صندوق بوغوس للتحوط الذي لم يكن سوى صندوق تحوط حقيقي، حيث يقوم المستثمرون بتعبئة استمارات للتأكد من اعتماداتهم، أو أنهم أثرياء وقادرون على الاستثمار، ويتسلمون بالواقع حصصاً في شراكة محدودة.
العديد من ضحايا مادوف لم يلاحظوا الفرق، الا أنهم، وان لاحظوا، كانوا يدخلون للاستثمار في الصندوق عن طريق فريق ثالث كالصندوق المغذي. وقد كانت «الصناديق المغذية» مصدراً مهماً للاستثمار بالنسبة لمادوف، كما هي حال الاصدقاء وأفراد العائلة، الذين كانوا يحصلون على عمولات كبيرة مقابل تشجيع الافراد على الاستثمار مع مادوف.
أما بالاضافة الى مهامها السكرتارية الروتينية، كانت بونجيورنو تعمل كجامعة تبرعات لمادوف، وتعين أفراداً من العائلة وآخرين من حي «هوارد بيتش» حيث تنحدر. واستناداً الى لائحة المستثمرين واحدى القضايا التي رفعت ضد مادوف، فان بونجيورنو وزوجها كانا يقبضان مقابل جذب العملاء لحساب اسمه «روان». فيما كانت عمليات تسجيل المستثمرين تتم أيضاً، وبطريقة محترمة، في الطابق الـ18 وتحديداً في جزء مخصص لـ«كوهماد»، وهي شركة مملوكة بالشراكة ما بين مادوف وصديقه موريس سوني كوهن، الذي تحولت وظيفته الاساسية الى جمع الاموال التي يتم تحويلها الى الطابق الـ17.
وقد ادعى هو الآخر على مادوف بتهمة استخدام «كوهماد» كمركز سحب الاموال للاصدقاء والعائلة، ولدفع الشيكات وارسال دفعات لجناة الاموال، وتقديم مكافآت لمن يجذب المزيد من المستثمرين. وقد ادينت «كوهماد» من قبل لجنة البورصة والاوراق المالية والمستثمرين بتهمة جمع الاموال بطريقة غير قانونية لعمليات الاحتيال. فيما قامت الشركة وكوهن بنفي تلك الادعاءات وهي تسعى الآن لفصل الدعوى.
كانت «كوهماد» تقوم بدفع رسوم إحالة، تماماً كما يقوم أي صندوق تحوط حقيقي بالدفع لأي طرف ثالث لتسويق نفسه. بالرغم من أن الارقام كانت متضاربة لكونها كبيرة جداً. واكثر جامعي رؤوس الاموال نجاحاً في «كوهماد» كانوا يحققون ما يصل الى 500 الف دولار شهرياً كرسوم احالة. وأكثر من ذلك، بدل من استدعاء المدفوعات على ما كانت عليه، كان مادوف يحدد تلك الرسوم، كرسوم وساطة أو تداول، مما يترك انطباعاً بأن «كوهماد» تقوم بالكثير من صفقات التداول لصالح عملاء مادوف.
وبطريقة أو بأخرى، فان أعمال شركتي التاجر الوسيط المشروعة وصندوق التحوط الاحتيالي كانت متداخلة. وامثلة كثيرة تدل على ذلك، بما فيها مثلاً أن ابنة كوهن مارسيا بيث، أدرجت كضابط امتثال لمؤسسة كوهماد في حين أنها تجلس أحياناً في طابق التداول والوساطة. بالاضافة الى أن العلاقات العائلية في المكاتب كانت عادية. فبيتر مادوف، شقيق برنارد، كان جزءاً من العمليات المشروعة منذ البداية. فيما توزعت زوجته روث وولديه اندرو ومارك ما بين الطوابق 18 و19 لفترات طويلة.
وقد كانت فجوة ثقافية ضخمة تفصل ما بين العاملين في أعمال مادوف المشروعة وغير المشروعة. وقال ماكماهون ان «العاملين في الطابق 19 كانوا في جبل أوليمبوس، أشبه بآلهة، تدعم عمليات التداول بقوة» في حين أن العاملين في الطابق 18 كانوا مكلفين بابقاء الانظمة عاملة»، أما أولئك في الطابق الـ 17، فكانوا أقل مهارةً.
كان الطابق «17» يعد «عالم برني» مع العديد من العاملين الذي يدخلون عند التاسعة ويخرجون عند الخامسة ويتقاضون رواتب خيالية. ومعظمهم لم يعمل في أي مكان آخر في «وول ستريت» « وقد كانوا جاهلين تماماً لما يدور من حولهم... لقد كانوا يقومون بتنفيذ الاوامر فقط لا أكثر... لقد كانوا كالفطر، يتغذون جيداً ويبقون دائماً في الظل».
كان مادوف قادراً على الاستمرار في عملية الاحتيال عبر التقسيم وحجب المعلومات. في الوقت الذي يحق لعدد قليل فقط من موظفي الـ17 بالسؤال عن سبب فصلهم تماماً عن عمليات الوساطة في الطابقين «18» و«19»، وهم يتقاضون أجوراً مرتفعة، وغير قادرين على الربط بين النقاط لهذا السبب بالذات. وقد حقق كل من الاخوين بونفانتر (وهما ولدا دان بونفانتر أحد موظفي مادوف القدامى) نحو 400 ألف دولار في السنة من المصالحات، أو من مطابقة الحرف مع سجلات المعاملات لكل عميل. وهي أعمال كتابية، تحديداً، فإن موظفي المكاتب الخلفية كانوا يتقاضون أجوراً مشابهة للمساعدين التنفيذيين، تصل أحياناً الى 6 أرقام في أيام طفرة نيويورك، الا أنها نادراً ما كانت تصل الى مبلغ 400 الف دولار.
أنيت بونجيورنو
في الجهة الغربية من الطابق «17»، يقع المكتب الخاص لأنيت بونجيورنو. ومساعدتيها ويني جاكسون وسيمون اندرسون المسؤولتين عن البحث عن أسعار محفظة الاسهم التابعة لمادوف التي تداول بها في الاسابيع والاشهر الاخيرة. وكان مادوف يخبر كل أو بعض من يسأل، أنه كان يجني المال من خلال استراتيجية استثمار تدعى «تحويلات القسم والضرب»، وهو فهرس الخيارات الاستراتيجي.حيث يقوم مدير صندوق تحوط يستخدم استراتيجية «تحويلات القسم والضرب» بشراء أسهم مدرجة في مؤشر «ستاندرد اند بورز 100» مع تبادل خيارات مذكورة ( وهي أوراق مالية تعطي المرء الخيار بشراء السهم في وقت لاحق وبسعر متفق عليه). ومن ثم يشتري ويبيع في سوق الخيارات ضد أسهم المؤشر السابق نفسه. وقد اختار «مادوف» هذه الاستراتيجية المعقدة، كقصة للتغطية يتفادى بها أسئلة المستثمرين. وهو كان بحاجة لاستراتيجية استثمارية يمكن أن تشرح وبمصداقية كيف من المفترض تحقيق معدلات عوائد مستهدفة محددة عبر المئات من الحسابات المختلفة.
وبما أن مادوف قام بالادراج في محفظة عملائه أسهم رابحة فقط، فلم يكن من الصعب بالتالي على موظفي الطابق «17» الحصول على بيانات تداول تعود للماضي، وحتى لعقود. ويرى المحققون أن تلك هي الطريقة التي استطاع مادوف من خلالها «هندسة» تجارته الوهمية. وما أن قرر في نوفمبر 2008، على سبيل المثال، أن كل حسابات عملائه ستكون مرتفعة 1 في المئة، عندها قد يعود الى الخلف، وهو يعلم أي من الاسهم عليه أن يتداول لتحقيق هذا الهدف.
وكان يصل الامر بـ«مادوف» و«ديباسكالي» الى ادخال تداولات لم تحصل أبداً. بأسعار حقيقية، الى صفحات في برامج كومبيوتر قديمة كبرنامج «الايكسل»، وكان يتم تحديث أكثر من 2300 حساب عميل بطريقة اوتوماتيكية، فاصلاً من بين جميع الحسابات، الارباح من «التداولات»، التي تبلغ أرباحها نحو 1 في المئة.
وما ان كانت تلك الصفقات تتم، كان يجب أن يكون هناك أي اثباتات ورقية، وحتى لو كانت زائفة. وبحسب المحققين الفيديراليين، فقد تم تعيين وصياً لتصفية أصول مادوف، كما ساعد اندرسون وجاكسون أيضاً على خلق تأكيد تداولات الاسواق لحسابات العملاء، التي تهدف الى اظهار المكاسب. وقد كانت كل تلك التأكيدات والتداولات وهمية. وقد يكون من المعقول جداً، أن فريق الطابق «17» قام بانشاء تلك التأكيدات الزائفة عن غير قصد، من دون أن يكون متواطئاً في عملية الاحتيال. وقد اتهم «ديباسكالي»، الشهر الماضي، بمشاركته في عملية الاحتيال، مقراً بوجود متآمرين عند اعترافه بأنه مذنب، من دون ان يسمي أحداً. والى الآن، لم يُسم أحد بعد من الطابق الـ17.
وعلى مدى السنوات، أرسل مادوف آلاف التأكيدات مدعياً تبرير التداولات التي لم تظهر أبداً. ولم يقم بأي تداول في حسابات العملاء لمدة لا تقل عن 13 عاماً، وربما لعقود مضت. أما بالنسبة للجزء الاكبر، فانه لم يكن أمام الأشخاص الذين حصلوا على تلك التصريحات الرسمية أي سبب للشك بوجود أي شيء خطأ. وبالنهاية فقد أظهروا تلك الحسابات لمدققيهم، الذين وقعوا عليها. ولم يشكوا فيها أصلاً.
وبالاضافة الى فرضه تجزئة الواجبات عليهم، منع مادوف الموظفين من أرشفة الرسائل الالكترونية على محركات أقراصهم الصلبة « hard drives» أو في أي مكان آخر. بالرغم من قوانين لجنة البورصات والاسواق المالية التي تفرض على مؤسسات «وول ستريت» القيام بذلك، وبدلاً من ذلك، فقد طلب أن يتم طبع كل تلك «الايميلات» ومن ثم محوها عن جهاز الكومبيوتر. وفي الوقت نفسه، طلب من شركة «كوهماد» عدم استخدام الايميلات أصلاً وعدم الاتصال بالعملاء وعدم توزيع أي مواد تسويقية مكتوبة، وبالنسبة لطابق التدوال الـ «19»، ذو التقنيات العالية، ولابقاء بيانات التداول التابعة للطابق الـ «18» بأمان، قامت مؤسسة مادوف بشراء حزمات تكنولوجية من «ستراتوس تكنولوجيز». التي عمدت الى ايصال السوق وأسعار أسهم أخرى للمتداولين المرتبطين من خلال شبكة الشركة. وهي المتخصصة في الانظمة المتسامحة في صناعة الاوراق المالية. وفي الوقت نفسه، فان المحرك الاساسي وراء عملية احتيال مادوف كان نظام «اي بي ام» اي اس /400 القديم.
يومياً، كان نظام ستراتوس في الاعلى يقوم بتحديث عمليات تداول مادوف اوتوماتيكياً مع تسوية لأحدث البيانات، وهي الاسعار من الدولارات والسنتات التي كانت الاسهم تقفل على اساسها عند الرابعة بعد الظهر، موعد اقفال السوق المالي الاميركي. الا ان «اي بي ام» اي اس /400 لم يكن متقدماً بهذا الشكل. ففي نهاية كل يوم، كان يتم ارسال أحد ملفات الكمبيوتر لتحديث صفحة الـ «اي اس/400» بأحدث بيانات أسعار الاسهم. وبالرغم من ذلك فان تلك البيانات كانت تدخل الى «السيستم» يدوياً، وأشار ماكماهون الى أن عملية ادخال البيانات باليد يمكن أن تسمح لأي كان بادخال ما يريد.
وأضاف ماكماهون الى أنه اكتشف، بعد فوات الاوان، لماذا عمد مادوف الى حبس نفسه بتلك الطريقة بغية المحافظة على نظام معلوماتي مرهق ومكلف: لم يكن بامكانه المخاطرة باكتشاف عملية احتياله، «وقد كان مضطراً للاستعانة بمؤسسة استشارية- خارجية- للمساعدة على ترحيل المعلومات بعيداً عن الانظمة التي كانت لديه». الكومبيوترات الجديدة لديها القدرة على تقديم التقارير، ولم يكن هناك أي حاجة لكومبيوترات الـ «اي اس /400». « كان من الممكن لكل البيانات أن ترحل وتحفظ في أنظمة جديدة، ولكن مرة أخرى، فان قيام الغرباء بالاعمال قد يؤدي للكشف عن التفاوت في البيانات التجارية».
لم يكن مادوف يسمح لهم بمشاركة بيانات أسعار الاسهم ذاتها، لأن الأسعار كانت جوهر عملية الاحتيال. وقد اتضح أن مادوف استخدم البيانات التاريخية لخلق «ذيل المستند»، الا أنه كان يقترف بعض الاخطاء أحياناً. فقد أظهر تقرير نوفمبر 2008 على سبيل المثال، انه اشترى سهم «آبل» مقابل 100.78 دولار في 12 من نوفمبر (أي بفترة شهر قبل القاء القبض عليه) فيما لم يُتداول سهم «آبل» في السوق في ذلك اليوم بأكثر من 93.24 دولار. وقد قال مادوف أنه اشترى أسهم «أنتل» مقابل 14.51 دولار في ذلك اليوم، فيما السعر الاعلى للسهم بلغ 13.97 دولار يومها.
وقد كان يمكن لأي متداول محترف أن يكتشف أخطاءً مماثلة. الا أن الموظفين في الـ17 لم يتمكنوا من ذلك، كما لم يملكوا الحوافز الضرورية لطرح الاسئلة. فقد كان «مادوف» وبعض موظفي الـ17 يضاربون بأسعار الاسهم التي يؤمنها لهم مادوف عبر نظام «اي بي ام» اي اس /400، ويدخلون بكل بساطة الارقام التي من شأنها أن تتوافق مع العوائد الوهمية. ومن ثم كانت بونجيورنو ومساعدتيها تطبعن التصريحات المالية وتقمن بارسالها للعملاء. وقد راهن مادوف على عدم تحقق العملاء من تلك البيانات. وقد كانت تلك المسألة، واحدة من عمليات المقامرة القليلة، في الواقع، التي قام بها بالارتباط مع صندوقه التحوطي، وهو صندوق ادعى زيادة عوائده السنوية من 6 الى 20 في المئة بفضل مهارات المراهنة التي يتحلى بها. الا أن هذا الرهان بالتحديد تحول الى رهان جيد بالنسبة لمادوف: جميع العملاء، من «مينيسوتا هاوس وايفز» الى مديري «صندوق لندن» الذي يحلق عالياً، تسلموا كشوفاتهم المالية، ومن ثم وضعوها جانباً ولم يعيدوا النظر فيها.

الفايننشال تايمز – 22 سبتمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro