English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

خواطر سريعة بشأن تخلف العجز العربي
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-09-17 10:00:47


فوزية اليمنية طفلة في عمر الزهور تغادرنا أثناء وضعها لطفلها بعد معاناة دامت ثلاثة أيام ثمرة زواج بالإكراه... لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة تصدر قرارا بإدانة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب التي شنتها «إسرائيل»... احتدام الجدل بشأن اعتقال عشرات الأشخاص الذين أفطروا علنا في شهر رمضان الكريم... العراق يتهم سورية بإيواء جماعات تقف وراء الهجمات الدموية التي عرفتها بغداد قبل شهر... وفدان أحدهما عراقي والآخر سوري يلتقيان في أنقرة كي تصلح بينهما... قائمة طويلة من الأحداث ترسم صورة العالم العربي على النحو الذي هو عليه الآن.
مقابل ذلك نشهد صورة أخرى للعالم تكشف فيها شركة مايكروسوفت عن «خدمة جديدة قيد الاختبار تتيح إجراء عمليات بحث على الإنترنت في معارض الصور بدلا من روابط النصوص»... وتختبر شركة غوغل حاليا شكلا جديدا يفترض أن يجعل قراءة محتوى الإنترنت بنفس سهولة تصفح أي مجلة مطبوعة... أوروبا على أبواب إطلاق مسبار أو قمر فضائي لتقييم أوضاع جليد الكرة الأرضية وطبقتها الثلجية... الهند تنتج سياراتها الجديدة العاملة بالبطارية الضوئية... وتايوان تعيد تقييم أول نظام لإدارة المرور بعد مرور ما يزيد على ثلاثة أعوأم على استخدامه.
مقارنة الصورتين تكشف بجلاء أنه بينما يتجه العالم نحو الأمام، نراوح نحن العرب في مواقعنا، هذا إن لم نكن نعود القهقرى، بسرعة تراجعية تفوق تلك التي يتقدم بها الآخرون إلى الأمام. وإن دلَّ ذلك على شيء ملموس فإنما يدلُّ على مستوى ودرجة التخلف اللذين يعاني منهما العرب. وهي حالة لم تأتِ من الفراغ، فلها مسبباتها الموضوعية التي يحاول البعض منا أن يتعامل معها كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. ولعله من المفيد أن نجري بعض المقارنات على واقع وتطور الأوضاع العربية في بعض جوانبها، كي نستطيع أن نضع أيدينا على مكامن الخلل.
فلو توقفنا عند الحالة التعليمية، فسنجد أنه بينما كانت جامعات أوروبية عريقة من مستوى كمبريدج وأكسفورد تدرس بعناية، في مطلع القرن الحادي عشر النظام التربوي المعول به في الأزهر الشريف، وبينما كان خريجو الجامعات العربية المصرية والسورية والعراقية، في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، يلتحقون بالدراسات العليا في الجامعات الأوروبية، دون حاجتهم إلى الجلوس إلى أيٍّ من امتحانات القبول، باستثناء اختبارات اللغة، نجد اليوم أننا أنفسنا نشكك في كفاءة جامعاتنا، وترفض بعض الدول الخليجية العربية الاعتراف بجامعات تعمل فوق أراضي دول عربية أخرى.
ومن التعليم ننتقل إلى الاقتصاد، فبينما كان القطن المصري من المواد الخام التي تؤثر في حركة واتجاه صناعة النسيج البريطانية، وبينما كانت تركيا تفكر جديّا في تطوير سكة حديد الشرق الأوسط، وفي القلب منها البلاد العربية، نجد اليوم الاقتصاد العربي يمعن في تبعيته للاقتصاد العالمي, وجاءت ثورة الاتصالات والمعلومات، كي توسع من فجوة التخلف التي تفصل الاقتصاد العربي عن الاقتصاد العالمي. وانعكس كل ذلك، بشكل سلبي مباشر على التجارة البينية بين الدول العربية التي كانت سكة الحديد العنصر الأساس في تنميتها، فقد وجدناها اليوم تتراجع كي تشكل نسبة ضئيلة من التجارة الدولية بين البلاد العربية وسائر أقطار العالم.
وعلى المستوى الفكري، وبينما كانت كتابات طه حسين، تثير حالة من الجدل الراقي في صفوف المثقفين العرب، وأطروحات رشيد رضا ورفاعة الطهطاوي تغني الاجتهادات في الفكر السياسي والاجتماعي العربي، وترجمات عيون الأدب العالمي التي تزخر بها المكتبات العربية مثل «الأم» للكاتب الروسي غوركي، و «هاملت» للروائي البريطاني شكسبير، و «البؤساء» للأديب الفرنسي هوغو، وأمهات الكتب الفكرية مثل «رأس المال» لمؤلفه كارل ماركس، والفلسفة للحركة التنويرية في أوروبا تحاول أن تردم الفجوة الفكرية بين العرب وأوروبا... نجد حركة الإنتاج الفكري العربي تعاني مما يشبه الشلل، الذي وأد ذلك الزخم الفكري المحلي والمترجم، وأجلس العرب فوق أسفل عتبة سلم الإنتاج الفكري العالمي، سواء من حيث الكم أو حتى الكيف. يكفي أن نعرف أن دولة مثل «إسرائيل» تفوق في عدد المطبوعات التي تصدرها، من كتب ودوريات، ذلك الذي ينتجه العالم العربي بكل دوله.
وعلى المستوى العقيدي، بينما كان الإسلام يوحِّد العرب في نضالهم من أجل الحرية، ومن أجل كنس النفوذ الاستعماري بين البلدان العربية، نجد اليوم التشظي الطائفي يمزق العرب، ويشتت تحالفاتهم الخارجية، بل ويدفعهم للاقتتال على جبهاتهم الداخلية. ويتكرر الأمر ذاته عندما يتعلق الأمر في علاقات العرب بالأقليات المقيمة في البلاد العربية، والتي بدأت تتمرد على ما أصبحت ترى فيه قمعا عربيا لتكوينها الحضاري بربريا كان أم أرمنيا. وجردة سريعة من الجزائر إلى اليمن، تكشف أشكالا متعددة من أنواع التمزق الذي نتحدث عنه.
تلك لا تعدو خواطر ذاتية باتت تفرض نفسها على تفكير الكثير من المهتمين بالشأن العام العربي، كان الغرض من الإفصاح عنها لفت النظر إلى ما نحن مقدمين عليه، وما تكشف أمام تلك الخواطر من تخلف عربي متكلس يُعبّر عن حالة عجز تكاد الاقتراب من حالة الشلل.

الوسط - 17 سبتمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro