English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المؤتمر القومي العربي بعد عشرين دورة (1)
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2009-09-03 09:56:59


كتب منير درويش:    .         . 
بين الدورة الأولى لانعقاد المؤتمر القومي العربي والدورة العشرين مسافة واسعة من التأييد والدعم وحماسة الانتساب والحضور والتغطية الإعلامية.
هذا المؤتمر عندما أعلن عن تشكيله بعد دورة انعقاده الأولى في تونس العام 1991، والتي ضمت حوالى 60 عضوا من النخبة الثقافية والسياسية والإعلامية العربية ينتمي أغلبها للتيار القومي العربي والأحزاب والمنظمات والهيئات المؤيدة له، حظي باهتمام الآلاف من المثقفين والسياسيين العرب الذين تسابقوا لكسب عضويته، حتى وصل عددهم في المراحل الأولى إلى أكثر من 650 عضوا، خاصة أن تشكيله تزامن مع الفترة التي شهدت بداية تداعي الأحزاب العقائدية التي ترافقت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الاشتراكية، كما تزامن مع تراجع فعالية التيار القومي العربي الذي عانى من التجارب التي تحققت باسمه. وبالتالي فقد وجد المثقفون العرب في المؤتمر بعض الأمل لمحاولة بديلة لنشوء مرجعية شعبية تحل محل الأحزاب السياسية التي عجزت عن تمثيل هذه المرجعية، ساعده في ذلك المناخ السياسي الذي نشأ فيه وكان أفضل له من حيث حرية الحركة والنشاط من الفترات السابقة التي عانت فيها الأحزاب السياسية القمع والاضطهاد والملاحقة في جميع البلدان العربية بنسب مختلفة لكنها جميعها كانت قاسية، وهذا ما جعلها تلجأ للعمل السري والاختفاء. كما أن أسلوب التنظيم الذي اعتمده المؤتمر وآليات نشاطه كانت تتيح له حرية الحركة والدعاية والاجتماع دون رقابة مشددة، خاصة بين أعضائه عدد من الموالين للأنظمة او من المستقلين، ودوراته تعقد باستضافة هذه الأنظمة. إلا أن المؤتمر لم يخضع لهذه الأنظمة او يتبع سياساتها وبقيت توجهاته وبرنامجه السياسي والفكري مستقلا عنها. الا انه بقي أسير لعدد من الإشكاليات التي رافقت مسيرته وهي تقترب من العشرين عاما، جرت فيها أحداث عدة وتغيرت فيها كثير من المفاهيم والسياسات وتطلبت مزيدا من التحولات دون مواكبة جادة منه لهذه التغيرات.
إن أحلام الجيل المؤسس وطموحاته اختلفت مع أحلام جيل الشباب الراهن، وإن أدرك المؤتمر هذه الحقيقة واشتكى منها فهو لم يحاول تجاوزها، فأكثر من 90% من أعضائه ولدوا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أي من الجيل الذي ترعرع في الفترة التي شهدت بعض النهوض العربي مع تصاعد المد القومي الاشتراكي بحضور حزب البعث والأحزاب القومية الأخرى والمد الشعبي الذي أطلقه عبد الناصر ودوره في الانجازات التي حصلت، من دعم ثورة الجزائر، وثورة تموز في العراق وقيام حركتي شباط وآذار في العراق وسوريا، لكنه شهد أيضا نكبة فلسطين على أيدي العصابات الصهيونية وهزيمة حزيران التي كانت كارثية بمعانيها العسكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية. والهزائم الأخرى التي أدت لتراجع فعالية التيار القومي العربي ونكوص القوى الحاملة له عن أهدافه الحقيقية. هذا الجيل ما زال يرى وهو محق. ان عوامل نهضة الأمة رهن بالإرادة الشعبية والمرجعية التي تجسد هذه الإرادة وتبلورها، وهو ما زال مأخوذا بتلك الأحداث ويبحث عن هذه المرجعية، بينما يرى جيل الشباب الذي عاش في مرحلة الانكفاء السياسي ونزع السياسة من المجتمع، أن تطورات العلم والمعرفة وتقدم ثورة الاتصالات حولت العالم إلى قرية صغيرة تسيطر عليها وتديرها العولمة وتتحكم فيها القوة، وأنه لا بد من أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار حتى لو كانت على حساب طموحات الأمة.
لقد سار المؤتمر في عقده الأول سيرا ناجحا رغم الصعوبات التي واجهها، وأبرزها توفر المكان لانعقاد دوراته بعد ان خفت حماسة الأنظمة في استضافته، وكذلك منع السلطات لبعض أعضائه من حضور هذه الدورات. لكن استمرار المؤتمر في قبول الأعضاء من أعمار مرتفعة وتناقص عدد الشباب والنساء، واتباع أساليب العمل القديمة دون الأخذ بالاعتبار مجمل التطورات العلمية والفنية، والتبدل السريع لكثير من الأوضاع السياسية جعل المؤتمر يتراجع بعد سنواته العشر، مع ما رافق ذلك من إشكاليات أوقعت ليس المؤتمر في إحراجات متنوعة. فالغالبية من الأعضاء صعب عليهم استخدام الحاسوب والانترنيت والوسائل التي تزيد المعرفة وتدفع لاكتشاف العالم واعتمدوا في ذلك إما على أولادهم او مكاتبهم. وهكذا ظلوا متلقين لا فاعلين في هذا المجال، هذا فضلا عن المشاعر الطائفية والعرقية التي رافقت او فرضتها الأحداث السياسية خاصة بعد العدوان الأميركي على العراق، وشحنت للأسف بعض الأعضاء وفقا لانتمائهم او تبعيتهم، وأحدثت انقسامات في صفوفهم كالانقسامات بين العراقيين واللبنانيين واليمنيين بعد الأحداث الأخيرة فيه. والمؤسف ان الغالبية من هؤلاء ليسوا فقط مثقفين وعليهم يقع عبء قيادة الأمة، بل ينتمون أيضا إلى التيار القومي العربي الذي يستطيع ان يحتوي هذه الانتماءات.
لقد أكد المؤتمر على الدوام أنه يطمح ليكون مرجعية شعبية تحل محل مشاريع المرجعيات المتداعية، في الوقت الذي يؤكد على أنه ليس حزبا او تنظيما سياسيا، وأكد دوما على أنه لن يتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية على الرغم من الانتقادات الحادة التي يوجهها لسياسة هذه البلدان، وهو الذي بنى استراتيجيته المتجسدة في كل عام في حال الأمة الذي يقدم للمؤتمر ويوزع، ويعالج الأوضاع الداخلية للأقطار العربية وعلاقة هذه الأوضاع بالمواقف العامة سواء للأنظمة او لمؤسسات المجتمع المدني الذي يعتبر نفسه واحدا منها. انطلاقا من هذا التوصيف لم يكن للمؤتمر نشاط ينطق باسمه مباشرة، لأن مفهوم العمل لدى الكثيرين يخضع لانتمائهم للمجموعات السياسية او الاجتماعية التي جاؤوا منها، وبقوا يحملون الولاء لها، بل حملوا للمؤتمر كل ما يفرضه هذا الولاء عليهم بما فيها الخلافات والاختلافات مع الآخرين. هذا البعض يرى ان نشاط المؤتمر والتعريف به يأتي من خلال نشاط الأعضاء في منظماتهم لا على حسابها، وهكذا أصبح المؤتمر وفق هذا المفهوم وتلك الحالة كالذي نسي مشيته ولم يتعلم مشية الآخرين.
في هذه الحالة كيف يمكن للمؤتمر ان يصبح مرجعية شعبية بمعزل عن النشاط في اوساط الشعب وتبني قضاياه والعمل من أجلها وبغياب أبسط الوسائل الاعلامية التي تعرف به، وحتى دون ان يلتقي أعضاؤه في كل قطر ليتعارفوا خارج دورات انعقاده التي يصعب فيها تحقيق هذا التعارف؟ لذلك نجد ان أعضاء المؤتمر الذين يتوزعون في الأقطار العربية ويتراوح عددهم بين 20 و120 عضوا لا يعرفون بعضهم رغم مرور سنوات على وجودهم في عضويته، عدا الذين ينتمون لتشكيل واحد.
لقد كانت بعض هذه الملاحظات، من القضايا التي تضمنتها رسالة التهنئة التي بعثت بها للدكتور خير الدين حسيب بمناسبة إعادة انتخابه أمينا عاما للمؤتمر وقلت فيها (لقد تراجع عمل المؤتمر في السنوات الأخيرة رغم الجهود الذي بذلها الأمناء العامون الذين توالوا على المؤتمر. ويعود السبب إلى اختلاف المفهوم لدى الأعضاء حول دورهم فيه أو دور المنظمات والهيئات التي ينتمون اليها تجاهه حيث لا توجد نشاطات ضمن هذه الهيئات تعمل للدعاية للمؤتمر او تعرف به). وقد أيد الدكتور حسيب ما ورد فيها ووعد بأن يعمل في المرحلة القادمة على تفعيل دور المؤتمر وإعطائه دفعا جديدا. ولن نعاني كبير جهد لتلمس التراجع في دور المؤتمر عندما نسمع مؤخرا وقبيل انعقاد كل دورة من دوراته بأنها ستكون الدورة الأخيرة. إلا أن حرص الأعضاء على استمرار المؤتمر خيب كل الآمال حيال ذلك وأسقط تلك الإشاعة. ولا نعاني هذا الجهد عند العودة إلى متابعة مسيرة الأعضاء الذين وقع عليهم عبء صياغة مواضيع المؤتمر ودراساته، وقد انكفأ نشاطهم وفترت حماستهم وبعضهم كف عن حضور دورات انعقاده او تخلى عنه، وبينهم عدد من الصحافيين ورؤساء تحرير وسائل إعلامية هامة، او كتاب وأدباء ورؤساء أحزاب. والبعض الآخر يبحث عن فعاليات موازية للمؤتمر او حضور فعاليات أخرى انعقدت في نفس الفترة التي تنعقد فيها دورات المؤتمر، كما حصل في مؤتمر العلاقات السورية اللبنانية الذي عقد في دمشق نيسان 2009 وتزامن مع فترة انعقاد الدورة العشرين للمؤتمر في السودان، حيث فضل بعض أعضاء المؤتمر، وبينهم بعض أعضاء الأمانة العامة، حضور فعالية دمشق، على دورة السودان علما بأنه كان يمكن تأجيل او تقديم أحد المؤتمرين ليتسنى لهم الحضور. كما أن بعضهم اندفع نحو نشاطات أوسع لم يعد المؤتمر هو المبادر الداعي الرئيسي فيها كما كان يحصل عند الدعوة لمؤتمرات دعم المقاومة التي لم تعقد منذ مدة طويلة، او مؤتمرات الحوار بين المثقفين العرب والأجانب. ومن أمثلة ذلك ملتقى القدس الدولي في اسطنبول 2007، وملتقى دمشق حول حق العودة 2008، او مؤتمر تجديد الفكر القومي في دمشق 2008... الخ.
لا شك في أن جميع أعضاء المؤتمر يرحبون بهذه النشاطات لكن لديهم الرغبة بأن يكون للمؤتمر الدور الفعال فيها كونه يسعى لمرجعية شعبية يمكن لهذه النشاطات ان تدعم هذا التوجه. وإذا كنا لا نحمل هؤلاء الأخوة المسؤولية فهم لا زالوا في خضم العمل السياسي والثقافي والشعبي، وهم في بحث دائم عن آليات لتفعيل نشاطاتهم تلك، وإن لآليات عمل المؤتمر دور في هذه الظاهرة، في المقابل. من هو المؤتمر سوى الأعضاء المنتمين له ويشكلون هيكله؟
السفير – 3 سبتمبر 2009 
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro