English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تناتيش «؟»
القسم : عام

| |
عبدالهادي خلف 2009-08-11 09:25:19


سأتوقف عن الكتابة في هذه الصفحة لفترة مقبلة أتمنى ألا تطول. إلا أنها فترة أحتاج إليها للتأقلم مع مهمة جديدة كُلفتُ بها إضافة لمهماتي التدريسية. وبقدر ما أتطلع إلى أداء مهماتي الإضافية فإنني سأفتقد تواصلي مع قارئ هذه الصفحة وقارئتها. وسأفتقد مكاني الذي أعتز به في «الوقت» التي لا أجد الآن كلمات توجز امتناني للمسؤولين والعاملين فيها. فلقد أعطوني مساحة رحبة لطرح وجهة نظري المعارضة، المختلفة أحياناً والمخالفة أحياناً. علاوة على ذلك فإنني أتأسف لأنني لن أستطيع كتابة عددٍ من الموضوعات ‘’الجاهزة’’، أي تلك التي رسمتُ في ذهني أسلوب صياغتها وشكل تقديمها. أسرد فيما يلي ملخصاً لأربعة موضوعات كنتُ آمل أن أتناولها في هذه الصفحة. فلربما قام آخرون بمعالجة موضوعاتها بأفضل مما أستطيع. أو لربما عدتُ لها في المستقبل. 
أما الموضوع الأول فأراه في صورة ثلاثة أو أربعة مقالات تتناول أمثلة على ‘’أصناف الولاء’’. وتكون مادتها تصريحات قوى وشخصيات سياسية تندرج إما تحت باب ‘’الولاء المطلق’’ أو ‘’الولاء التبريري’’ أو ‘’الولاء بتحفظ’’. فليس أسهل من الحصول على عشرات الأمثلة على كل منها. وفوق ذلك فإن أحداً لا يستطيع اتهام كاتب المقال بتحيزه ضد هذه الجمعية أو ذاك الوجيه السياسي. إذ لا تختص جمعية أو أشخاص بصنف بعينه من الولاء. بل لقد أصدرت جمعية واحدة في اليوم نفسه تصريحات متعارضة تندرج تحت مختلف أصناف الولاء. هذا يندد أو يُدين أو يتوعد وذاك يلتمس أو يستجدي أو يدعو إلى التهدئة. وليس مستغرباً أن يعثر المتتبع أو المتتبعة في أرشيف تصريحات الجمعيات السياسية خليطاً من المواقف التي تندرج تحت كل أصناف الولاء. وفوق هذا فإننا لن نجد فرقاً في هذا المجال بين الجمعيات السياسية التي قبلت التسجيل بنية التحدي وتلك التي سجَّلت من دون تلك النية. نعم تزداد تعبيرات الولاء المطلق لدى جمعيات معينة وتقل عند أخرى. وبالمقابل تزداد الحاجة للتعبير عن ولاء متحفظ لدى جمعيات معينة وتندر عند أخرى. إلا أن القاسم الأدنى المشترك بيِّن. وهذا بدوره بابٌ واسع لموضوعات تستحق المتابعة توثيقاً وتحليلاً. 
أما الموضوع الثاني فيتعلق بعبارة ‘’السياسة فن الممكن’’ التي ما انفك كثيرون يزينون بها مقالاتهم وتصريحاتهم لتبرير النهج البراغماتي والمتمصلح. ومعلومٌ أن هذا النهج أدى إلى تحول بعض شخصيات المعارضة إلى صف السلطة وإن على هامشها. نعم كتبتُ كثيراً عن ابتذال تلك العبارة وعن تهافت مردديها إلا أن غواية العبارة الرنانة لا تنتهي. فلقد جرى تبرير سلسلة التنازلات منذ 2001 وحتى الآن بهذه العبارة أو ما هو مشتق منها. وقد يحتاج مقالٌ قادم في هذا الموضوع إلى التوقف عند ‘’تأصيل المصطلح’’، فالتأصيلُ موضوعٌ أثيرٌ عند بعض أصحابنا. فلا يخفى على المتتبع أن عبارة ‘’السياسة فن الممكن’’ دخلت قاموس الجدال السياسي في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر. وكان قائلها هو بيسمارك (1815-1898) الذي لقبوه أيضاً بالمستشار الحديدي بعد نجاحه في توحيد الإمارات الألمانية المتفرقة وقتها. إلا أن مرددي عبارته بيننا يتجاهلون، وربما يجهلون، أن بيسمارك هو القائل أيضاً ‘’لا يمكن تسوية القضايا الكبرى عن طريق الخطب وبالتصويت بل بقوة الحديد والدم’’. لا داعي للتوقف طويلاً عند السؤال لماذا يردد أصحابنا عبارة بيسمارك الأولى ولا يعرفون الثانية؟
أما الموضوع الثالث فليس جديداً ولكنه يحتاج إلى عشرات المقالات لتأكيد أهميته وللحفاظ على إلحاحه. فلا يخفى على قارئ هذه الصفحة وقارئتها أنني دعوتُ القوى السياسية، وخصوصا الوطنية الديمقراطية منها، إلى دراسة أسباب فشل أدائها في السنوات التي تلت التصويت على ميثاق العمل الوطني. وكتبتُ وكتب آخرون الكثير إلا أنني حين أنظر إلى ما كتبتُه شخصياً أرى الحاجة لصراحة أكبر ولتفصيل أكثر. فلا يكفي الكلام العمومي لإدانة النهج البراغماتي والمتمصلح الذي أوصل التيار الوطني الديمقراطي إلى هذا المستوى من الضعضعة والانقسام والهامشية. ولا يكفي التوقف عند الدور الذي لعبته الخمسين ألف دينار الأولى أو الثانية في تكريس انشقاق الصف الوطني الديمقراطي على نفسه. فلا مفر من مراجعةٍ ونقدٍ ذاتي وتصحيح ومصارحة مع الناس. نعم قيل أن هناك من انتقد نفسه بل وقيل أن هناك من اعتذر. ولكن ما يقال، إن صّح، لا يغني عن ضرورة القيام بمراجعة شاملة لتوضيح أسباب ارتباك القراءة السياسية للوضع وما ترتب على تلك القراءة من مواقف سياسية تبعية لهذا الطرف أو ذاك. وبعد أن تتم تلك المراجعة وما سيترتب عليها من نقد ذاتي وتصحيح فلابد من امتلاك الشجاعة اللازمة لمصارحة الناس بذلك. فليس هذا وقت التخفي تحت هذه «الغشواية» أو تلك. فليس عيباً أن نخطئ. فالكلُّ معرضٌ للخطأ في قراءة المعطيات أو تحليلها أو تحديد الاستراتجيات والتكتيكات المناسبة. العيب هو السماح للخطأ أن يتراكم. إذْ لولا التعامي عن الأخطاء ولولا مراكمتها لما تقزَّمت أحزابٌ كبرى ولما انهارت دولٌ عظمى. 
أما الموضوع الرابع الذي سينتظر فهو موضوع ‘’كشكولي’’ على نهج الشيخ يوسف البحراني. إحدى ‘’اللطائف’’، حسب تعبير صاحب الكشكول، ستتكئ على أمير الشعراء أحمد شوقي ومسرحيته الشعرية ‘’مجنون ليلى’’. فقبل شهرين تشرفتُ بحضور ندوة وشارك فيها عدد من الأكاديميين والسفراء الخليجيين. على مائدة الغداء صادف أن جلستُ قبالة إحدى السفيرتيْن المشاركتيْن. فاعتذرت لها عن حدة ردي على اعتراضها على ما قلتُه في الجلسة السابقة عن انتهاك حقوق الإنسان في بلدها. فردَّت السفيرة بما يليق بها وهي الدبلوماسية الجديرة بمنصبها. ومن ضمن ما قالت ‘’اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية’’. فذابَ جليدٌ وزالَ توتر. فأسعفتني الذاكرة أن أضيف أن لما قالته السفيرة. فالعبارة هي بيت من ثلاثة وردت في مسرحية ‘’مجنون ليلى’’. وجاءت على لسان الشاعر الحجازي ‘’ابن ذريح’’ الذي جعله شوقي ينافس قيس على حب ليلى. وتقول الأبيات:
ما الذي أضحك مني الظّبياتِ العامريّهْ
ألأني أنا شِيعيٌّ وليلى أمويَّهْ؟
إختلاف الرأي لا يُفْسدُ للود قضيّهْ

الوقت - 11 أغسطس 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro