English

 الكاتب:

علي صالح

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عطش الثقافة
القسم : سياسي

| |
علي صالح 2009-08-01 09:28:42


في اللقاء الذي أجرته الزميلة هدير البقالي مع المايسترو سليم سحاب على هامش الحفلة التي أحيتها المطربة آمال ماهر، قال سحاب “ صيف البحرين رائع، لكنه ساخن بالحرارة إضافة إلى اني فوجئت بالجمهور المتدافع للموسيقى العربية، فالشعب ذواق ومثل هذا الجمهور المتعطش للفن حرام ان يترك هكذا من دون حفلات”.
وهو هنا يشير إلى الجماهير الغفيرة التي تدافعت إلى الصالة الثقافية لحضور حفلة آمال، حيث زاد عدد الوقوف بالصالة والذين بقوا خارجها والذين عادوا عن بيوتهم إلى ثلاثة أضعاف الذين حصلوا على مقاعد..  وملاحظة الياس سحاب لا تعني حفلة آمال ماهر فقط، وإنما هي ملاحظة عامة تشمل عطش جمهور البحرين إلى الموسيقى والى الفن بشكل عام بعد أن جفت ينابيع هذه الفنون منذ سنوات طويلة، وأصبح البعض منها إما يستورد في المناسبات أو من خلال فعاليات محلية شحيحة، في ظل تحول الثقافة نحو المزاجية والانتقائية، ونحو الاهتمام بالآثار والقلاع والمدافن هروباً من أزمة الحاضر إلى أمجاد وأوهام الماضي... فالبحرين التي كانت تزخر بالفرق الفنية الموسيقية والغنائية، وبالمطربين والملحنين والشعراء الغنائيين، وبالحفلات التي تقام في أوقات كثيرة على مدار العام، وبالإنتاج الغزير عبر الإذاعة والتلفزيون، كل هذا النشاط قد تقلص وشيئاً فشيئاً اتجه نحو الاضمحلال ثم الاندثار، فالأغاني البحرينية لم تعد معروفة ولا موجودة، والمطربين والملحنين والشعراء هجروا الفن، وهاجر اغلبهم خارج البلاد، بعد ان أهملتهم الدولة ممثلة في وزارة الثقافة بقطاعاتها المختلفة، ومن ثم توقفوا عن الإنتاج لعجزهم عن تمويله ذاتياً..
ومن جانب آخر أصبحت الأغنية والموسيقي البحرينية جزءاً من التراث نلتقي بها في متحف وذاكرة احمد الفردان، أو نتذكرها عندما نمر ببيت محمد بن فارس الخاوي على عروشه من أي نشاط وبيت محمد زويد غداً الذي يقال انه سيرمم ويلحق ببيت أو متحف بن فارس، فالتواصل غير موجود، وغير مرغوب ولا اهتمام به، بعد ان أصبحت الفنون الغنائية والموسيقية في عداد التراث، وتساوى الفنانون بالقطع الأثرية، بل ان هذه القطع الأثرية غدت هي الثقافة بعد أن حازت على الأولوية في الاهتمام والاعتبار والمكانة.. وكما عانى الفن الموسيقي والغنائي في عهد الرواد والأجيال اللاحقة من الإهمال وانتهى إلى الاندثار، فقد أصحاب المسرح والمسرحيين المصير ذاته، فالبحرين التي كانت المسرحيات فيها تكاد لا تنقطع على مدار الشهر والسنة، في تنافس نشط من قبل ثلاث أو أربع فرق مسرحية تعرض على مسارح الأندية والمدارس، أصبحت المسرحيات فيها نادرة جداً، وتقدم في ظروف صعبة وبإمكانيات ودعم زهيدين، فبعض المسارح قد أغلقت أبوابها بعد أن بح صوتها وهي تطلب العون والنجدة، ومسارح أخرى حولت مقراتها إلى أماكن للتسلية بلعب الورق والكيرم، واكتفت ببعض العروض السنوية التي تناسب إمكانياتها المتواضعة، تجتر فيها الماضي التليد بهدف التذكير بالوجود وبأنها لازالت حاضرة وتكافح الاندثار والتكلس مثل القطع الأثرية صاحبة الحظوة والاهتمام في قطاع الثقافة... والغريب أن البحرين التي دأب مسرحيوها على نيل الجوائز الأولى في المهرجانات المسرحية الخليجية لإنتاجهم وأداءهم المتميزين ليست بها خشبة مسرح واحدة، في حين أن اصغر مدينة في فرنسا- قدوة وزارة الثقافة والإعلام- بها من المسارح ما لا يقل عن ستين، وتقدم المسرحيات فيها على مدار العام ولعدة سنوات دون توقف.  بسبب هذا الوضع المخجل والمزري فالمهرجان المسرحي الخليجي لا يقام في البحرين، والمهرجان المسرحي البحريني حلم بعيد المنال، ولا يلقى اي اهتمام من وزارة الثقافة، ومهرجان مسرح أوال أو الصواري يقام على مسرح الصالة الثقافية غير المؤهل وفي ظروف صعبة وشروط مجحفة ودعم زهيد لا يفي بجزء من المصروفات، ولا يتضمن السماح ببيع تذاكر عرض المسرحيات!. ووسط هذا الوضع المحبط تبقى البحرين ولادة للفنانين، يتتابعون جيل بعد جيل، البعض يصمد لفترة من الزمن ثم ينهار ويختفي، والبعض الآخر يأبى هجران فنه فيهاجر إلى بلدان خليجية أخرى تحترم الفن وتقدره وترعاه، وفي خضم الولادة والإجهاض تجف ينابيع الفن في البحرين، يمنع تدريسه في مدارس وزارة التربية باعتباره حراماً، وتأخذ وزارة الثقافة بمبدأ عذارى فتسقى البعيد باستيراد فنون البلدان البعيدة في المناسبات، وتنسى أحياء ودعم ورعاية الفن والفنان البحريني، بل ان عدم اكتراثها هذا يصل إلى حد عدم السؤال عن أولئك الفنانين البحرينيين الذين هاجروا وأصبحوا إعلاما ومبدعين في البلدان التي هاجروا إليها، ولا حتى عن البعض الذي مكث في البحرين منزوياً يرقب الوضع ويتحسر على الحال الذي آل إليه الفن في بلاده.. والى جانب ما تزخر به البحرين من فنانين مبدعين يحتاجون إلى الاهتمام والدعم ومنحهم الفرص، فهي تزخر كذلك بجمهور ذواق للفن، متعطش له، ينتظر المناسبة التي تتيح له إرواء عطشه من فنون الغناء والموسيقى والمسرح. فلعل ما دعا له المايسترو سحاب يلقى آذانا صاغية من لدن وزارة الثقافة والإعلام، ومن الدولة بصفة عامة، فتتكرم باعتبار الفنون البحرينية جزءاً من الثقافة أسوة بالآثار والمدافن، ومن ثم منحها من الاهتمام والدعم ما يؤدي إلى استعادة نشاطاتها، والقيام بدورها في إرواء عطش جمهور الفن والموسيقى والغناء قبل أن يسود التحريم وتطغى ثقافة التكفير...
البلاد - 1 أغسطس 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro