English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

جدل الديموقراطية والبرلمانية والمواطنة
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-07-30 10:24:31


في تقرير «التنمية الإنسانية العربية 2009»، وهو آخر تقرير من سلسلة التقارير التي بادر برنامج الأمم المتحدة للمكتب الإقليمي للدول العربية برعايتها منذ العام 2004، جرى تركيز كبير على مفهوم «أمن الإنسان العربي»، الذي يعتبره التقرير مفقودا، وإن كان بتفاوت، في كل البلدان العربية دون أي استثناء.
من بين القضايا التي تناولها التقرير، كانت هناك مسألة المواطنة، والخلط بينها وبين مفهوم الديموقرطية، ونحن بدورنا هنا نضيف أن هناك خلطا كبيرا أيضا بين هذه الأخيرة والبرلمانية.
ويرى التقرير فيما يرى بأن «تيّارا قوميّا قويّا تنامى في هذه الكيانات (العربية) بهدف حجب التنوع في أوساطهم، وصهر التغاير الثقافي واللغوي والديني تحت سلطة واحدة.
ولم تنجح أغلبية البلدان العربية في تطوير الحكم الرشيد ومؤسسات التمثيل القادرة على ضمان المشاركة المتوازنة لجميع الفئات وتحقيق العدالة في توزيع الثروة بين مختلف الجماعات، واحترام التنوع الثقافي».
باختصار يحاول التقرير أن يقول إن مفهوم «المواطنة» قد صادرته التطورات التي عرفتها البلاد العربية بعد مرحلة طرد القوى الاستعمارية.
من جهة ثانية يثير التقرير، الكثير من التسؤلات، لعل أهمها وأكثرها حضورا في «الذهن العربي» هو: ما هي أوجه العلاقة بين مجموعة من التعبيرات التي باتت تسيطر على الفكر السياسي العربي المعاصر، وعلى وجه الخصوص الأكثر شيوعا بينها من نمط: الديمقراطية، البرلمانية، المواطنة؟ وبالتالي أي من تلك المفاهيم ينبغي أن تحظى بالأولوية في سلم العمل السياسي العربي من أجل تحقيق المجتمع العربي (القطري أو الإقليمي) الأكثر عدالة وتمثيلا للشعب؟
لربما احتاج الأمر للتمييز بين هذه المصطلحات ودرجة أولوياتها، العودة إلى الأصول، والانطلاق من التعريفات الأولى. فجذر الديمقراطية يعود إلى الدولة الإغريقية عندما عرفها إفلاطون على أنها (ديموس كارتوس) فالمقطع الأول يعني «الشعب» في حين يعبر الثاني عن «السيادة». أي أن النظام الديمقراطي هو ذلك النظام الذي تتمظهر فيه سيادة الشعب بكل أشكالها، بما يعني مساهمة الشعب، وبشكل مباشر، أو غير مباشر، في صياغة القوانين والتشريعات ومراقبة التقيد بها، وضمان سلامة تطبيقها على الجميع.
هذا على المستوى السياسي، أما الديمقراطية على المستوى الاقتصادي، فجوهرها تنظيم العلاقة، بشكل عادل بين العمال وأصحاب العمل بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية.
باختصار يقول المبدأ الأساس للديمقراطية إن الشعب هو، دون سواه، مصدر السيادة، على أن تمارس هذه السيادة عن طريق ممثلين منتخبين، يتم انتخابهم بشكل دوري. ومن ثم فإن هناك علاقة تكامل طردية بين سيادة الشعب وحريته في اختيار ممثليه.
ولعل التطورات التي عرفتها الأنظمة الديمقراطية، وعلى وجه الخصوص الأوروبية منها، دعت الكثير من الفلاسفة إلى إعادة النظر في المفهوم الإغريقي للديمقراطية، ومن بين هولاء المفكر الفرنسي آلان تورين، الذي ينقل عنه الكاتب الكويتي عقيل يوسف عيدان تحديد للديمقراطية على أنها «ثقافة، أكثر مما هي مجموعة من المؤسسات والتدابير الإجرائية. إنها ثقافة تنظّم الحوار بين الثقافات المختلفة وتقوم بدور التوفيق والجمع والدمج بينها، يستدعي تنفيذها التقيد ببرامج تربوية تولي أكبر الأهمية للاعتراف بالآخر، والاعتراف بالفروقات والاختلافات، هذا الاعتراف الذي يقوم على المساواة باعتبارها المسألة المركزية والدائمة لكل الأفكار والسياسات الديموقراطية».
وكما رجعنا إلى أصول نشوء الديمقراطية ، نعود إلى تاريخ تكوين مفهوم البرلمانات، والتي يرجعها البعض إلى تعبير مشتق عن اللغة الفرنسية، وتعني «الكلام» (Parlement). لكن، وكما تطور مفهوم الديمقراطية، كذلك كان الأمر بالنسبة للبرلمان، حيث وجدنا، مؤخرا، بروز الكثير من التعابير، بل وحتى النظم الدالة عليه في القاموس السياسي. فبتنا نسمع بمصطلحات مثل «المجلس التشريعي» أو «الجمعية التشريعية»... إلخ.
لكن، وعلى الرغم من الأصول الفرنسية للكلمة، فإن أول نظام برلماني عرف النور، هو البريطاني في القرن الثالث عشر، ومنه انتقلت البرلمانية إلى أوروبا في القرن السابع عشر. وتعززت مكانته كسلطة تشريعية، في أعقاب الثورات التي عصفت بالأنظمة الإقطاعية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، وكان هدفها الأساسي الحد من السلطات المطلقة التي كانت تتمتع بها الأنظمة الملكية القائمة حينها.
وقبل الانتقال إلى المواطنة، كي نتوقف عندها مطولا، نظرا للأهمية التي، باعتقادنا، باتت تحتلها في خارطة علاقات الساحة السياسية العربية، على الصعيدين القطري والإقليمي، لابد من لفت نظر القارئ، إنه بخلاف ما قد يتوهم الكثير منا بالعلاقة التكاملية الإيجابية الراسخة في أذهاننا، بين «الديمقراطية» والبرلمانية، فقد بدأت بعض الطروحات في الفكر السياسي الغربي التي تشير إلى بدء مرحلة من التناقض بين التعبيرين.
وعلى الرغم من خلافنا مع كل ما جاء به فكر الفيلسوف الألماني اليمين المدافع عن النازية، كارل شميث في نقده للفلسفة الليبرالية في القرن الماضي، لكنه استطاع في بعض كتاباته، الإشارة إلى افتقاد البرلمانات الغربية إلى قاعدتها الأخلاقية والفكرية الأمر الذي شل من قدراتها الليبرالية، وحولها إلى أداة من أدوات تعطيل الديمقراطية وتطورها في الدول الغربية. ولذلك نجد شميث في كتابه «أزمة البرلمانات» الذي ترجمه إلى العربية، فاضل جتكر، وأصدره معهد الدراسات الإستراتيجية بالعراق، يرى، كما يرد في الكتاب، بأن «الصراع بين البرلمان والديمقراطية حقيقة واقعة، وأن مفاهيم الديمقراطية، والليبرالية، والفردية، والقومية، التي تستخدم، جميعا بالارتباط مع مفهوم البرلمان الحديث، بحاجة أن تُميَّز بوضوح لتكف عن أن تكون مجرد شعارات».
الوسط – 30 يوليو 2009


جدل الديموقراطية والبرلمانية والمواطنة
من الديمقراطية والبرلمانية نصل إلى المواطنة، التي اختلفت الآراء حول نشأتها، فهناك من يرجعها إلى الحضارتين اليونانية والرومانية، حيث أشتق مصدرها اللغوي من كلمة مواطن (civis) ومواطنة (civitash) للدلالة على المفهوم «القانوني لوضع الفرد في أثينا القديمة وروما»، لكن د. هبة رؤوف عزة تعتبرها من أهم مفاهيم «الفكر الليبرالي منذ تبلوره في القرن السابع عشر ثم تطبيقه في الواقع الغربي في المجالين الاقتصادي والسياسي في القرنين التاليين». أما حيدر فيصل الجشعمي فهو يؤرخ لها منذ القرن التاسع عشر، ويقول إن المواطنة برزت كمفهوم «من خلال التناقضات التي مرت بها (أوروبا) على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي غيرت الكثير من مظاهر الحياة الأوروبية. ويرجع البعض، مثل هلال فخر الدين، فضل بلورة مفهوم المواطنة إلى الثورة الفرنسية 1789، عندما «قامت بتأصيل المواطنة الحديثة من خلال الفصل بين المؤمن (في إيجاد للانتماء الديني) والمواطن (في إيجاد للانتماء الوطني)، وهذه الحالة حدثت عبر مسار طويل ومعقد من الثورات القومية والديمقراطية والتطورات الفكرية والعلمية على مستوى العديد من الدول والحضارات».
وفي تاريخ الفكر السياسي الإسلامي يرجع بعض المفكرين الإسلاميين، من أمثال محمد سلام العواء تاريخ المواطنة، إلى يوم إعلان النبي محمد «صحيفة المدينة».
على أنه، وبغض النظر عن تاريخ تكونها كمفهوم، هناك اتفاق عام، وكما يلخصها محمد شخمان على أنها «نسبة إلى الوطن وهو مولد الإنسان والبلد الذي هو فيه، ويتسع معنى المواطنة ليتمثل التعلق بالبلد والانتماء إلى تراثه التاريخي ولغته وعاداته، وأنها في سياق حركة المجتمع وتحولاته، وفي صلب هذه الحركة تنسج العلاقات وتتبادل المنافع وتخلق الحاجات وتبرز الحقوق وتتجلى الواجبات والمسئوليات، ومن تفاعل كل هذه العناصر يتولد موروث مشترك من المبادئ والقيم والعادات والسلوكيات، يسهم في تشكيل شخصية المواطن ويمنحها خصائص تميزها عن غيرها. وبهذا يصبح الموروث المشترك حماية وأمانا للوطن والمواطن».
قضية، قد تبدو هامشية، لكنها تندرج في صلب محاولتنا لتمييز المواطنة عن كل ما يكتنفها من غموض، وهو ضرورة التمييز بين الهوية والمواطنة، فبينما ترتكز الأولى على أرضية إيديولوجية تميز بين الجماعات ذات الهويات المختلفة، تنطلق الثانية من عناصر جغرافية وسياسية توحد بين مختلف الهويات من حيث الحقوق التي يتمتعون بها، والواجبات التي ينبغي أن يتقيدوا بها تجاه بعضهم البعض.
من هنا تفترض المواطنة، بشكل مسلم ومطلق، ولاء من يريد أن يتمتع بمزاياها للجهة التي تهبها له، سلطة كانت أم مؤسسة، التي ينبغي عليها هي الأخرى كي تكسب ولاء من تهبهم تلك الصفة والتي هي «المواطنة»، أن تراعي حقوقهم وتصونها، كي تكسب ولاءهم الذي ينعكس في تأديتهم لواجباتهم، والتقيد بالقوانين والأنظمة التي تسنها تلك الجهة.
من هنا فعندما تتجسد المواطنة كسلوك اجتماعي/ سياسي من قبل أفراد المجتمع كافة، تصبح الديمقراطية هي الرئة التي تحتاجها المواطنة كي تتنفس، والولاء يتحول إلى البيئة النقية التي تمارس فيها تلك الرئة وظائفها الفيزيائية. وتتحول العناصر الثلاث: الديمقراطية والولاء والمواطنة إلى نظام سياسي/ اجتماعي متكامل تتعايش ضمن حدوده السياسية مختلف الطوائف والإثنيات، وتتصارع في نطاقه، وبشكل تكاملي مختلف الإيدلوجيات، أي تقف عند حدود الولاء للوطن المكتسب من حالة مواطنة صحية متطورة، كل الخلافات الأخرى، وتنصهر في بوتقتها كل الصراعات بغض النظر عن عمقها.
وطالما اتفقنا على أن المواطنة هي شكل راق من أشكال السلوك الإنساني، فمن الطبيعي أن يقودنا ذلك إلى أنها ليست حقا ذاتيا موروثا بقدر ما هي تجسيد لتربية تتولى القيام بها مؤسسات المجتمع كافة، كي تغرسها عميقا في نفوس المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الطبقية والفكرية والطائفية على حد سواء.
ولضمان تأهيل المجتمع كي يمتلك كل فرد من أفراده المواطنة التي يحتاجها ذلك النظام السياسي القائم، على مؤسسات ذلك النظام خلق البيئة التي توفر للمواطن ممارسة مواطنته في أرقى أشكالها من خلال، إقناع المواطن بأمنة، بل وضرورة، تقيده بالقوانين والأنظمة العادلة المعمول بها بما في ذلك احترام حقوق الآخرين، بعيدا كل البعد عن أي تعصب طائفي أو أي شكل من أشكال التعصب الأخرى.
ولكي نقرب فكرة المواطنة، في أرقى أشكالها إلى ذهن القارئ، يمكننا الاستعانة بنموذجها الأكثر سوءا وتشويها كما أقرته حكومة «إسرائيل» في جلستها المنعقدة في 19 يوليو/ تموز 2009، عندما أصرت على تمديد قانون المواطنة العنصري لسنة أخرى بناء على اقتراح وزير الداخلية الصهيوني إيلي يشاي، والذي يحظر على المواطن «العربي توحيد ولم شمل عائلات أحد شقيها من داخل الخط الأخضر والشق الاخر من الأراضي المحتلة العام 1967 أو من دول عربية تعتبرها «إسرائيل» دولة معادية، كما يمنع القانون أيضا «منح المواطنة لزوج مواطنة إسرائيلية (فلسطينية من الداخل) أو زوجة مواطن إسرائيلي (فلسطيني من الداخل) أو حتى تصريح لدخول الأراضي المحتلة العام 1948».
بهذا كله، نكتشف أن حدود المواطنة أكثر اتساعا من الطائفية وأكثر رحابة من القبلية، وأكثر قدرة على خلق مجتمع متحضر مبدع قابل للتطور بغض النظر عن التحديات التي تواجه أفراده المتمسكين بمواطنتهم أكثر من أي شيء آخر سواها.
الوسط – 31 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro