English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ليْتَه يفعل
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-07-28 10:47:04


أثار إعلان العقيد السابق في جهاز الأمن عادل فليفل عن ترشحه لبرلمان 2010 عدداً من الاحتجاجات. ومن بينها بيانٌ أصدرته قبل أسبوع جمعيات «وعد» و«التجمع القومي» و«المنبر التقدمي» طالبت فيه بضرورة معالجة آثار الممارسات المشينة التي ارتكبت بحق كل ضحايا التعذيب في حقبة أمن الدولة. وأكدت الجمعيات الثلاث ضرورة عدم السماح بحال من الأحوال «لمن أثْروا وداسوا على جراحات شعبنا ولو بمجرد التفكير في العودة لممارسة أدوارهم الدنيئة تلك، سواء عبر السماح لهم بالعودة عبر بوابات الترشح للمجالس المنتخبة» من الجهة الأخرى لا يجب التقليل من شأن البيانات المرحبة بقرار فليفل، وإن كانت هذه قليلة وخجولة حتى الآن. إلا أنني لا أستبعد أن تزداد البيانات الترحيبية وترتفع درجة حماستها حين يتضح الموقف الرسمي من طموح العقيد السابق. لذا يهمني في هذا المقال الإشارة إلى بعض تداعيات إعلان ترشيح العقيد السابق الذي يقود الآن جمعية سياسية.
معلومٌ أن العقيد السابق فرَّ متخفياً إلى أستراليا في بداية مايو/أيار 2002 أي قبل يوم واحد من مثوله أمام قاضي التحقيق في قضية رفعها عددٌ من رجال الأعمال يتهمونه فيها «باستغلال السلطة لابتزازهم والإثراء غير المشروع[1]». ومعلومٌ أيضاً أن فراره سبَّب للسلطة إحراجاً لا مثيل له في تاريخها. ولذلك سارعت وزارة الداخلية إلى تشكيل لجنة تحقيق من كبار مسؤوليها كما أعلنت عن ملاحقة الضابط الهارب عبر الإنتربول. وقتها نشرت مجلة الطليعة الكويتية[2] تعليقاً كتبتُه مقارناً بين العقيد الفار وقتها وبين شخصية العميد هشام الذي قدمها ببراعة الممثل الراحل أحمد زكي في فيلم «زوجة رجل مهم». ومعلومٌ أن الفيلم الذي أخرجه محمد بدرخان في 1988 يعرض رحلة صعود ضابط في الأمن المصري ثم سقوطه. وفيه رأينا الرجل يصعد سريعاً سلم الرتب الأمنية برعاية رؤسائه حتى صار عميداً في سنوات قليلة. ورأيناه يزداد فساداً وتسلطاً يوماً بعد يوم. فلم يكن الناس، فيما عدا رؤسائه، سوى حشرات لا قيمة لحياتها ناهيك عن كرامتها. كان مخلصاً لأولي نعمته فأطلقوا يده ليفعل ما يشاء بمن يشاء. فلم يقتصر الأمر على «الخطرين على الأمن»، بل طالت سطوته من لا ناقة لهم في المعارضة ولا جمل. وحين كان يتولى التحقيق كان شرساً وقاسياً كما يُراد لمثلِه أن يكون. فلا حدود للذتيْ السطوْة والبطش. رغم حماسه في أداء مهماته الأمنية لم ينسَ العميد هشام طيلة تلك السنوات أن يخدم نفسه. فلم يمض وقتٌ طويل حتى أصبح الضابط - الذي بدأ حياته فقيراً - غنياً عن طريق منصبه وخوف الناس من بطشه. ويصل ضابط الأمن في الفيلم إلى قمة مجده وجبروته حين توسعت سلطاته في ظل انتفاضة الخبز التي عمت مصر في يناير/ كانون الثاني من العام .1977 عندها أطلقت السلطة أيدي أجهزتها الأمنية لإعادة الهدوء ولمنع الفوضى التي تحركها «الأصابع الخفية» في الداخل والخارج. فعاثت تلك الأجهزة فساداً في الأرض. وازداد بطشها بالناس حين لم يعد ثمة رادع سياسي أو أخلاقي أو قانوني.
لا تدوم الحال لأحدٍ في الحياة ولا في الأفلام. فعاجلاً أو آجلاً ستجد السلطةُ ما يدعوها للتخلص من بعض أدواتها. ولقد جسَّد الفيلم ببراعة حقيقةَ يعرفها الناس بخبراتهم المتوارثة: على من يقبل أن ترفعه السلطة على أكتافها أن يتقبل أن تدوسه بأقدامها. فحين يصبح أحدٌ عبئاً على السلطة أو على جهود تسويق مشروعها فلابد للسلطة العقلانية أن تتخلص منه. ما لم يفهمه العقيد هشام في ذلك الفيلم وما لا يستوعبه أمثاله في الحياة هو أن للسلطة منطقها في التعامل مع من تستخدمهم لأداء المهمات القذرة التي يتطلبها إدامة حكم غير ديمقراطي. فليس أسهل عليها من أن ترمي إلى الحضيض من رفعتهم إلى القمة. لحسن الحظ لم تنته الأمور في البحرين بالشكل المأساوي الذي انتهت إليه في الفيلم. فالحياة أكثر تعقيداً من قصص الأفلام. ففيما عدا الفرار المفاجئ والملاحقة عبر الإنتربول وفيما عدا عددٍ من المقالات في الصحف الأجنبية لم يخسر العقيد السابق شيئاً. فسرعان ما سُويت الأمور بعد صدور المرسوم الملكي رقم .56 ولا نعرف حتى الآن شيئاً عما توصلت إليه لجنة التحقيق التي شُكِّلت وقتها. ولكن هل انتهت القصة؟ أقول لا. فهي بالكاد قد بدأت فمازالت الجروح غائرة في الأجساد والنفوس.
أسارع للقول إنني لا أعترض على حق العقيد السابق مثل غيره من المواطنين في أن يترشح للنيابة. ولا أعترض على حقه حين يصبح نائباً في أن يترأس اللجنة البرلمانية المختصة بمتابعة التزام البحرين بالاتفاقات الدولية المنظمة لحقوق الإنسان. ولا أعترض حتى على حقه في أن يترشح لرئاسة المجلس النيابي نفسه. فهذه من جملة حقوق المواطنة التي تناضل من أجلها الحركة الوطنية منذ بداياتها على يد هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات. أقولُ لا خلاف على كل ذلك. إلا أن العقيد السابق على وشك أن يفتح أبواباً حسبناها قد أغلقت يوم صدر المرسوم الملكي رقم 56 تمهيداً لعودته من أستراليا. فحين يصبح العقيد السابق مترشحاً أو نائباً فيما بعد فإننا سنتعامل مع شخصية عامة يحق للناس مساءلة تاريخها المهني وممارساتها. وبطبيعة الحال، يستطيع من يشاء من المواطنين والمواطنات مطالبة المترشح ثم النائب فليفل بتوضيح موقفه من الاتهامات التي يوجهها إليه عشرات الأفراد الذين حقق معهم، ناهيك عن المئات من أفراد العائلات المتضررة من دوره في حقبة أمن الدولة. ومثل كل مواطن، فللعقيد السابق أن يجيب على تلك الأسئلة دفاعاً عن نفسه. فلن يكفيه أن يكرر ما قاله رئيسه السابق إيان هندرسون: «لقد كنتُ موظفاً». من جهة أخرى، فقد يلجأ المترشح فليفل إلى المحاكم رافعاً قضايا التشهير ضد كل من يتهمه بانتهاك حقوق الناس وكرامتهم. وليت العقيد السابق يفعل ذلك. فمهما اختلفنا في تقييمنا لأوضاع القضاء في بلادنا، فإننا سنتفق على أن شهادات الشهود، نفياً وإثباتاً، ستتيح توثيق جزءٍ من تاريخنا. فليته يفعل.
الوقت – 28 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro