English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تاريخ الاضطراب اليمني
القسم : شؤون عربية

| |
النهار 2009-07-28 10:45:33


كتب محمد سيد رصاص: 
ليس في في تاريخ اليمن الحديث تنظيم كان يحوي في تركيبته  تمثيلاً للبنية المجتمعية اليمنية بتنويعاتها المناطقية المتراكبة مع الطائفية. وهذا يشمل كل شطر على حدة، وبالطبع اليمن الموحد الذي تمت وحدته في 22 أيار 1990. الأمر الذي رأينا مفاعيله في انتخابات برلمان 1993 لمّا حصل حاكم الشطر الجنوبي السابق، أي الحزب الاشتراكي، على ستة وخمسين من مقاعد مناطق "اليمن الجنوبي" التسعة والخمسين.
إذا أردنا تطبيق ما سبق على تاريخ اليمن منذ 26 أيلول 1962، تاريخ الثورة ضد الملكية، نجد أن الحرب الأهلية التي أعقبت ذلك اليوم قد تواجه فيها الملكيون، الذين تمتد قواعدهم الاجتماعية من شمال صنعاء حتى صعدة عند المنتمين منهم الى الفرع التقليدي للمذهب الزيدي، والجمهوريون الذين توزعوا بين زيديين (متأثرين باتجاه زيدي مقترب من السُنّة)، ينتمون الى قبائل حاشد المتواجدة في المناطق المحاذية لصنعاء بزعامة آل الأحمر والمعارضة للإمامية، وبعثيين متمركزين في الوسط الزيدي، و ناصريين و"حركيين" (حركة القوميين العرب) الذين كانوا أساساً من المذهب الشافعي المتمركز جنوب مدينة صنعاء وفي الساحل، والذي كان يمثل معتنقوه نصف سكان الشطر الشمالي، فيما كان تنظيم "الحركيين" في الجنوب، أي (الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل)، متركزاً أساساً في لحج وحضرموت وأبين، بينما استندت "جبهة تحرير الجنوب المحتل" إلى قاعدة عمالية في مدينة عدن.
كان حسم "الجبهة القومية" للوضع على الأرض ضد غريمها الجنوبي الآخر، الموالي للقاهرة، مؤدياً بالبريطانيين إلى تسليمها مقاليد الشطر الجنوبي (كل مسلميه من الشوافع) في 30 تشرين الثاني1967. سبق هذا الحدث الجنوبي بأسابيع حدث آخر في صنعاء لم يكن أيضاً لمصلحة الرئيس عبد الناصر، الخارج لتوه من هزيمة 5 حزيران، لما أُبعد المشير السلال، والناصريون و"الحركيون"، من الحكم لمصلحة "الجمهوريين المعتدلين" الذين ضموا تحالفاً من الاسلاميين التقليديين الزيديين (الشيخ حسين عبد الله الأحمر) مع اسلاميين سنّة من الإخوان المسلمين وغيرهم، كانوا جميعاً منحدرين من بقايا حركة 17 شباط 1948 التي انقلبت وقتلت الإمام يحيى قبل أن تفشل، ليعودوا ويشاركوا في انقلاب 1962، كما ضموا بعثيين.
كان حسم "حكم 5 نوفمبر 1967" للأمور ضد غلاة الملكيين في حصار صنعاء (كانون الأول 67 - شباط 68) وضد التمرد العسكري الذي قام به "الحركيون" في 23 آب 1968 - مؤدياً إلى تمهيد الطريق أمام مصالحة "الجمهوريين المعتدلين" مع "الملكيين المعتدلين" (بدون عائلة الإمام وأنصارها) في 26 آذار 1970 بجدة تحت رعاية الملك فيصل. قاد هذا لأن يعيش اليمن الشمالي استقراراً سياسياً، ما عبر عن قاعدة اجتماعية واسعة للحكم، حتى أتاحت خلافات البعثيين (الدكتور محسن العيني - المقدم مجاهد أبو شوارب) مع أركان الحكم الآخرين (الرئيس الإرياني- الشيخ الأحمر) مجالاً للمقدم ابرهيم الحمدي ذي الأصول "الحركية" لكي يقوم بانقلاب 13 حزيران 1974، بالتعاون مع البعثيين والناصريين، ليدخل في صدام مع الرياض، ويتقارب مع يساريي عدن، ما دفع اليمن الشمالي لأن يعيش في فترة من اللااستقرار، حتى أدى مقتله الغامض يوم 11 تشرين أول 1977 الى عودة العسكر والمدنيين، الموالين للعاصمة السعودية، للإمساك بمقاليد الأمور، حتى مقتل المقدم أحمد الغشمي بقنبلة كانت موضوعة بحقيبة مبعوث رئيس اليمن الجنوبي، ليستلم المقدم علي عبد الله صالح الأمور في تموز 1978 مستنداً للرياض ولتلك القوى التقليدية (القبلية والإخوانية)، وهو المنتمي لعائلة زيدية من منطقة صنعاء، بالترافق مع تشدده ضد ماركسيي اليمن الجنوبي (الذين أسسوا الحزب الاشتراكي عام 1978) وضد امتداداتهم الشمالية وبالذات بين "الحركيين" المتحولين أيضاً الى الماركسية.
أعطى هذا الاستناد للسعودية وللقوى التقليدية، مع بعث بغداد المتقاربة في الثمانينات من الرياض، حكم المقدم صالح استقراراً دام طوال ذلك العقد من الزمن، حتى جاء الانهيار السوفياتي ليضعف يساريي الشمال ويدفع زعيم الحزب الاشتراكي علي سالم البيض لكي يمارس دور شكري القوتلي مع عبد الناصر (في وحدة سوريا ومصر عام 1958) لما وقع اتفاقية عدن للوحدة الاندماجية يوم 30 تشرين الثاني1989.
قادت الوحدة اليمنية الى ابتعاد الإسلاميين عن الرئيس صالح، مع تأسيسهم لـ"التجمع اليمني للإصلاح" الذي جمع الشيخ الأحمر مع "الإخوان"، إلى أن قادت انتخابات نيسان 1993 إلى فرز مناطقي جديد بين حزب الرئيس (المؤتمر الشعبي العام) والحزب الاشتراكي، مع قوة مرموقة للإسلاميين 62 مقعداً من 301 ما قاد لاحقاً خلال عام من الزمن الى تحالف الرئيس مع الاسلاميين ضد حكام عدن السابقين، الذين أعلنوا الانفصال يوم 21 أيار 1994 أثناء حرب أهلية انتهت يوم 7 تموز 1994 بانتصار عسكري للشماليين.
عاش اليمن، في الخمسة عشر عاماً الماضية، تحت حكم سلطة كانت قاعدتها الاجتماعية الأساسية ممتدة بين صنعاء وتعز مع بقايا جناح الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمد، الذين أخذ صدامهم مع منافسيهم في الحزب الاشتراكي يوم 13 كانون الثاني 1986 طابعاً مناطقياً بين أبناء عدن- أبين- شبوة وأبناء لحج (علي عنتر- علي شايع هادي- صالح مصلح قاسم) وحضرموت (علي سالم البيض- حيدر أبو بكر العطاس). في الوقت نفسه فإن هزيمة جنوبيي الحزب الاشتراكي في حرب 1994 قادت إلى تهميش الحضارمة واللحجيين، بالترافق مع تعيين نائب رئيس الأركان السابق الموالي لعلي ناصر، أي عبد ربه منصور هادي، نائباً لرئيس الجمهورية بدلاً من علي سالم البيض، وهو من محافظة أبين، تماماً كما أدت مصالحة 1970 إلى تهميش ملكيي منطقة صعدة وزيديتها التقليدية.
انفجر تمرد "الحوثيين" في حزيران 2004 بصعدة، وهم من الزيدية التقليدية الأقرب للشيعة والذين لا يعترفون بشرعية جمهورية 26 ايلول 1962. بعد ثلاث سنوات، بدأ "الحراك الجنوبي" في نيسان 2007، وهو المتمركز أساساً في حضرموت ولحج، تحت لافتة شعارات مطلبية (إعادة العسكريين والمدنيين المفصولين إثر حرب 1994 وتسوية أوضاعهم، وقف امتلاك المتنفذين الشماليين لأراضٍ كانت مصادرة من حكومة الشطر الجنوبي، مشاركة أهل الجنوب في الإدارة والمناصب) ليصل هذا "الحراك"إلى حدود مطالبة أحد قادته، وهو العميد السابق ناصر النوبة، باستقلال الجنوب إسوة باستقلال كوسوفو في شباط 2008، بالترافق مع نزعة جنوبية مناطقية (ممزوجة بطائفية ضد الزيدية) لا تلوي على شيء، وصل احد مفاعيلها إلى حدود أنتزاع صورة الشمالي عبد الفتاح اسماعيل من لافتة "شهداء أحداث 13 كانون الثاني 1986" في احتفال جنوبي بالذكرى الرابعة والأربعين لثورة 14 تشرين الاول 1963 التي أشعلتها "الجبهة القومية" بالجنوب اليمني ضد البريطانيين من ردفان بلحج، مع أنه كان العمود الفقري لتلك الجبهة في كفاحها ضد البريطانيين، ثم في بناء ومسار الشطر الجنوبي خلال عقدين من بدء تاريخ قيام جمهوريته.
السؤال الرئيسي الآن: إلى أين سيسير اليمن؟ هل إلى 28 أيلول 1961 يمني؟ أم سيتفادى ما حدث في ذلك اليوم الذي انفصمت فيه عرى الوحدة المصرية السورية؟
(كاتب سوري)
النهار – 28 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro