English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ايران: من ثورة المشروطة الى الانتفاضة الخضراء
القسم : سياسي

| |
من العالمية 2009-07-26 10:37:28


لندن – القدس- كتب المحرر السياسي: 
لا يوجد شعب في العالم يماثل الشعب الايراني بطموحاته للتغيير وباساليب جماهيرية، الا الشعب الفرنسي. هذا ما قاله احد المحللين العرب. فقد شهد هذا البلد خلال قرن من الزمن ثورات وانتفاضات جماهيرية عدة لم تشهدها اي من دول المنطقة بل والعالم، اذ كانت ثورة شباط (فبراير) 1979 اكبر ثورة جماهيرية يشهدها القرن العشرين.
وهناك انعطافات بارزة في تاريخ ايران المعاصر: ثورة الدستور او ثورة المشروطة (1906 – 1908)، والثورة الوطنية بقيادة الزعيم الراحل محمد مصدق في الخمسينات من القرن الماضي، وثورة شباط (فبراير) 1979 المعروفة بالثورة الاسلامية، والحركة الاصلاحية بقيادة محمد خاتمي في 1997، واخيرا وليس آخرا الانتفاضة الراهنة (2009).
وتطمح الشعوب الايرانية ومن خلال جميع هذه الثورات - التي هي في الواقع ثورة واحدة مستمرة منذ مئة عام ومتعثرة بين الحين والاخر - الى الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية، لذا فانني اصفها بالثورة "الوطنية الديمقراطية" المبتورة، لأن اهداف اجدادنا لم تتحقق حتى اللحظة بسبب الاستبداد المزمن منذ 25 قرنا والذي اقترن بحكم الشاهات والاباطرة، ولم نستطع ان نتخلص من ذلك الارث التاريخي الكسروي الثقيل رغم "الجمهورية الاسلامية" التي ولدت من رحم تلك الثورة الجماهيرية العظيمة.
إن أهم الانجازات التي قامت بها الثورة الايرانية هو الانتقال من الحكم الفردي للشاه Monarchique الى الحكم الديني – السياسي "الاليغارشي". فرغم ان الدستور يشدد على الطبيعة "المونارشية" لحكم ولي الفقية، الا ان النظام الاسلامي في الحقيقة يقوم على تعددية اتخاذ القرار، وهذا ما كان قائما في عهد آية الله الخميني. إن احدى الميزات المهمة للجمهورية الاسلامية كدولة أو كسلطة سياسية هي طابعها الايديولوجي أو بالاحرى طابعها الديني – السياسي. وبما ان المذهب الشيعي يشكل النواة الاساسية لهذه الايديولوجية، فان الطابع الديني – السياسي للجمهورية الاسلامية له تاثير مهم في وجود حالة التعددية في مراكز القوى والقرار (الاليغارشية) في البلاد.
وقد حاول الجناح المتشدد أن يتلاعب بالاصوات في الانتخابات الرئاسية الاخيرة ليحول النظام الى حكم ديني – عسكري، غير انه واجه مقاومة شرسة من قبل الجماهير، خاصة في العاصمة طهران.
هناك قضية مهمة لم ينتبه اليها المحللون، وهي ان الدستور الايراني يمنع منعا باتا اعلان الاحكام العرفية في البلاد، وقد يحول هذا الامر دون وقوع انقلاب عسكري في ايران وتحويل البلاد الى نموذج مماثل لما هو قائم في كوريا الشمالية أو بورما، رغم رغبة المؤسسة العسكرية بذلك، وهذا ما يفسر احتكام الحكومة إلى اصوات الشعب كي تمنح لنفسها شرعية جماهيرية وتجتنب الاعتماد على القوة العسكرية المحضة في حكمها.
ومن الجدير بالذكر ان هناك حالات تمييز يعاني منها المجتمع الايراني إثر اداء السلطة: حالات تمييز بين الحاكم والمحكوم، وبين الطبقات الغنية الفقيرة، وبين رجل الدين والمواطن العادي، وبين الرجل والمرأة، وبين الفارسي وغير الفارسي (العربي والكردي والبلوشي والاذري)، وبين الشيعي والسني، وبين المذهب الرسمي والطرق الصوفية والدراويش الشيعة.
وكل ذلك أدى إلى تخبط المجتمع الايراني في أزمة هوية وأزمات بنيوية سياسية واقتصادية، لا يمكن الخروج منها الا باستقرار الديمقراطية ونشر مبادىء حقوق الانسان في ايران.
واذا تناولنا أحد المواضيع المثارة خلال عملية القمع الجارية وهو موضوع الصحافة، يتبين أنها المستهدف الأبرز، فوفقا لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، تم اغلاق مئة صحيفة واعتقال اكثر من 100 صحافي، منهم صاحب هذا المقال، خلال الاعوام الاربعة الماضية، كما حجب نحو 10 ملايين موقع على شبكة الانترنت، واعتقل اكثر من 50 صحافيا بعد الانتخابات الرئاسية التي تمت في 12 حزيران (يونيو) الماضي، بينهم رئيس نقابة الصحافيين علي مزروعي و3 من اعضاء المجلس المركزي لـ "جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في ايران".
وقد اثارت الانتفاضة الجماهيرية التي اعقبت الانتخابات في ايران تناقضات وشروخ اساسية اربع وهي: الفجوة بين الشعب والسلطة، والتناقض بين الاصلاحيين والمحافظين، والشرخ بين المحافظين انفسهم، والفجوة بين المؤسسة الدينية المتمثلة بمراجع التقليد ومعظم رجال الدين من جهة والسلطة من جهة اخرى، اذ تتحدث احصاءات غير رسمية عن معارضة 9 من إجمالي 11 مرجعا تقليديا سياسة الحكومة الحالية، فيما الاثنان الاخران يؤيدانها بشروط، فضلا عن مجموعات اخرى مثل "رابطة باحثي ومدرسي الحوزة الدينية في قم"، اخذت تعارض النهج المحافظ منذ عقد من الزمن.
ويمكن رصد ردود فعل المجتمع الايراني قبيل الانتخابات الرئاسية وبعيدها على ثلاث مراحل: مرحلة نهوض المجتمع التي تزامنت واجراء الانتخابات، ومرحلة الاعلان عن نتائج الانتخابات التي اثارت اليقظة والوعي لدى الجماهير الواسعة، ومرحلة الحراك الشعبي الذي تجلى في رد فعل الشارع الايراني على عملية التزوير في نتائج الانتخابات.
وقد كان الامر "فعلا تاريخيا" عظيما لم يستطع المجتمع الايراني ان يحققه لو لم تكن الانتخابات الرئاسية العاشرة وما تبعها من تداعيات. ونستطيع القول ان هذا التطور التاريخي ما كان ليحدث حتى لو تم انتخاب ميرحسين موسوي رئيسا للبلاد، إذ شاهدنا الحكم الهزيل للاصلاحيين في عهد محمد خاتمي (1997 – 2005) وضعفهم امام المتشددين. وقد حصل هذا "الفعل التاريخي"، اي كشف النقاب عن ماهية السلطة الدينية للجماهير، خلال شهر او شهرين وهو ما لم يحصل خلال ثلاثة عقود من عمرها الا للمثقفين والنخبة.
فالانتفاضة الخضراء التي يقودها مير حسين موسوي تعيش حالة من التوازن الهش مع سلطة المتشددين - الانقلابيين وفقا للاصلاحيين - في ايران. فكلما قام احد الطرفين بهجوم كلامي او تحرك عملي في الشارع، يميل هذا التعادل لصالح الطرف المهاجم، فالحضور المكثف للجماهير وخاصة الشباب والنساء في صلاة الجمعة الماضية التي أمها هاشمي رفسنجاني يؤكد ان الانتفاضة الخضراء ما تزال تملك طاقات جماهيرية لم تنضب رغم كل اعمال الكبت والقمع، كما ان تصريحات قادة المعسكر المناوىء للمتشددين كخطبة رفسنجاني في صلاة الجمعة الماضية واقتراح خاتمي الخاص باجراء استفتاء عام حول نتائج الانتخابات الرئاسية تعتبر نوعا من الهجوم الكلامي ضد جبهة المتشددين في السلطة.
اننا لم نشاهد تراجعات اساسية في مواقف المتشددين بشأن موضوع الغاء نتائج الانتخابات الرئاسية رغم كل التظاهرات والاحتجاجات والتضحيات، لكننا شاهدنا بعض التنازلات مثل تصريحات مرشد الثورة الايرانية آية الله علي خامنئي قبل ايام والتي أكد فيها انه لا يجوز التعامل مع الاصدقاء كأعداء. وهذا يعني عدم التعرض لشخصيات مثل خاتمي ورفسنجاني للحيلولة دون تضييق دائرة الاصدقاء في السلطة، فاطلاق سراح رضا خاتمي شقيق الرئيس السابق محمد خاتمي والافراج عن فائزة هاشمي رفسنجاني كريمة هاشمي رفسنجاني، والتي انتقدت صراحة مرشد الثورة نفسه في احدى التظاهرات، يظهر ان القيادة الايرانية لا تريد ان تزيد من عدد اعدائها اكثر مما هو الان.
كما ان هناك اطرافا اخرى يمكن ان تؤثر على الصراع الدائر حاليا في ايران، منها المجتمع الدولي وخاصة الدول الغربية الفاعلة كالولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي والجالية الايرانية في المهجر، لكن هذه الاطراف تبقى ثانوية التأثير قياسا بما يمكن ان تفعله اطراف الصراع في الداخل.
ويصبح الوصول إلى حل وسط بين طرفي الصراع في ايران يوما بعد يوم أمرا صعبا نظرا لتعنت السلطة في مواقفها، إذ يبدو ان الحسم النهائي للصراع يمكن ان يحدث بغلبة احد الطرفين اذا لم يذعن المتشددون لمطالب الجماهير المنتفضة.
القدس – 24 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro