English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

متى تكون الدولة فاشلة؟
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-07-07 09:01:15


 صدر في نهاية الشهر الماضي التقرير السنوي الخامس بشأن ''مؤشر الدول الفاشلة[1]''. يعتبر واضعو التقرير أن الدولة تصبح فاشلة إذا ظهر عليها عددٌ من الأعراض. أولها أن تفقد السلطة القائمة قدرتها على السيطرة الفعلية على أراضيها أو أن تفقد إحتكارها لحق استخدام العنف المشروع في الأراضي التي تحكمها. وثانيها هو فقدانها لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. وثالثها عجزها عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة. ورابعها عجزها عن التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية.
يستند هذا التعريف إلى تراث فيبري (نسبة لماكس فيبر) يرى الدولة تقوم في أرضٍ تحكمها سلطة تتمتع بإحتكار حق استخدام أدوات العنف الشرعية وتتمتع في الوقت نفسه باعتراف شعب تلك الأرض بشرعيتها وباعتراف قسم كبير من الأسرة الدولية. إلا أن التقرير يحاول أيضاً ملائمة التراث الفيبري مع ما أصاب مفهوم ''الدولة'' من تغيرات طوال القرن الماضي. فلم تعد مسؤولية الدولة ولا شرعيتها محصورة داخلياً في قدرتها على حماية وحدة الأرض وتوفير الأمان لسكانها وفي تنظيم العلاقات بين مختف فئاتهم عن طريق استخدامها لحقها في احتكار أدوات القمع والإرغام[2]. بل أصبحت الدولة مسؤولة عن توفير وتنظيم عددٍ كبير من الخدمات الأساسية والتوزيعية التي لا يمكن للسوق ولا لأي طرف اجتماعي آخر توفيرها لجميع السكان بأشكال عادلة. وبطبيعة الحال تندرج الخدمات البلدية والصحية والتعليمية ضمن قائمة الخدمات الأساسية والتوزيعية. كما تندرج مستلزمات إقامة وإدامة أسس التوافق على شرعية الدولة كراعية لمصالح جميع سكان البلاد وليس مصالح فئة أو فئات معدودة منهم. وبالمقابل لم تعد مسؤولية الدولة ولا شرعيتها محصورة خارجياً في الحصول على اعتراف الأسرة الدولية الشكلي بها. بل رأينا كيف تتزايد مستلزمات ذلك الاعتراف الدولي كما تتزايد الالتزامات التي يتطلبها استمرار ذلك الاعتراف في العقديْن الماضييْن. ولهذا رأينا الجميع يسارع لإعلان قبوله الدعوة للإصلاح السياسي والاقتصادي والقانوني. ولم يشذ عن هذا في السنوات العشرين الماضية حتى أكثر الأنظمة قمعاً وانتهاكا لحقوق الناس. فلم تعد الشرعية الدولية مضمونة لمجرد انضواء البلد المعني تحت راية إحدى الدولتيْن العظمييْن كما كان الحال في ظل الحرب الباردة. ولم يعد ممكناً لحاكمٍ أن يكرر ما فعله الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري الذي ضمن ''شرعية'' نظامه مرة برفعه الراية السوفياتية ومرة أخرى بالراية الأميركية.
تصدى واضعو التقرير لمهمة معقدة منهجياً تتمثل أولاً في صعوبة قياس الأعراض الأربعة التي اعتبروا توافرها مجتمعة في دولة من الدول أساساً للقول بأنها دولة فاشلة. ولمواجهة هذه الإشكالية المنهجية اعتمد واضعو التقرير على اثني عشر مؤشراً تحت ثلاثة عناوين. أولها هي المؤشرات الاجتماعية التي تشمل التغيرات الديمغرافية وما يتولد عنها بما في ذلك النزاعات المجتمعية جراء الإحساس بالظلم والإحباط بسبب سيطرة أقلية على أغلبية. وثانيها المؤشرات الاقتصادية التي تشمل غياب التنمية الاقتصادية وانخفاض معدلات الاستثمار مقابل ارتفاع معدلات الفساد علاوة على انتشار عدم المساواة في فرص التعليم والعمل. وثالثاً المؤشرات السياسية التي تشمل فساد النخبة الحاكمة وتنامي الانشقاقات داخلها وتدخل دول أخرى أو عناصر خارجية في شؤونها. علاوة على عدم تطبيق القانون واستمرار انتهاكات حقوق الانسان بكافة أشكالها.
كذلك واجه واضعو التقرير إشكالية منهجية أخرى تمثلها بديهية أن تلك الأعراض الأربعة لا تظهر مجتمعة إلا في عدد قليل من الدول. فبعضها يعاني من عرضٍ أو عرضيْن لفترة تطول أو تقصر. ومعلومٌ أن مفكراً في مستوى نعوم تشومسكي[3] اعتبر بلاده الولايات المتحدة الأميركية دولة فاشلة لانطباق عدد من معايير الدولة الفاشلة عليها ولأنها تعاني من بعض الأعراض التي يستخدمها الباحثون عند تصنيف الدول. بل إنه أضاف أن فشل الدولة الأميركية يزداد وضوحاً باتساع الهوة بين الرأي العام الأميركي وبين السياسات التي تنتهجها الحكومة الأميركية طوال عهود ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن. ونستطيع أن نتعاطف أكثر مع تشومسكي حين نتذكر ما حدث في انتخابات فلوريدا أو معاناة الفقراء من ضحايا إعصار كاترينا أو ما يعانيه الأميركيون المهمشون في أميركا وحرمانهم من أبسط الخدمات التعليمية والصحية.
في محاولة لحل هذه الإشكالية المنهجية صنف التقرير دول العالم إلى أربعة أصناف استناداً إلى تقييم لما تعانيه كل دولة من هذه الأعراض ودرجة حدِّتها. وهذه الأصناف هي: دول فاشلة ودول في مرحلة الخطر ودول تحت الرقابة ودول مستقرة ومستدامة. تتصدر قائمة الدول الفاشلة خمس دولٍ عربية هي الصومال والسودان والعراق واليمن ولبنان. وتتصدر كلٌ من سوريا ومصر الصنف الثاني، أي قائمة الدول في مرحلة الخطر والتي تضم أيضاً الأردن والسعودية والجزائر وجيبوتي وجزر القمر والمغرب وليبيا وتونس والكويت. وتضم قائمة الدول تحت الرقابة بقية الدول العربية أي عمان تليها دولة الإمارات وقطر والبحرين. ولا توجد دولة من دول العالم الثالث ضمن الدول المستقرة والمستدامة.
ثمة حاجة للتوقف عند ملاحظتين وردتا في هوامش التقرير. الأولى هي أن التصنيف المعلن لا يعني أن دولة ضمن دائرة الخطر مثل سوريا أو مصر، ستواجه حتماً نزاعات عنيفة أو أنها ستنهار في المستقبل المنظور لا سمح الله. لكن المؤشرات التي جعلت هاتيْن الدولتيْن في هذا الموقع تعني وجود نُذُر جدية لابد من الاهتمام بها لمنع النزاعات العنفية وانهيار الدولة. والملاحظة الثانية أن لدى جميع الدول المصنفة في قائمتيْ ''الدول في مرحلة الخطر'' أو ''الدول تحت الرقابة'' عوامل قوة وضعف تجعلها تتقدم إلى صنف أفضل أو تتدهور إلى صنف أسوأ. ولهذا تختلف الدول في قدرتها على تسريع تقدمها أو تدهورها. وبطبيعة الحال فإن أهم تلك العوامل وعي حكامها ونخبها السياسية بما تواجهه بلدانهم من مشكلات. وهذا يعني أن أمام الحكام والنخب فرصة للتأمل في مسؤولياتهم ولانتهاج سياسات تضمن تحسين الأحوال في بلدانهم أو تمنعها في الحد الأدنى من التدهور. 
__________________________________________
[1] انظر نص التقرير في موقع مؤسسة «صندوق للسلام» على الرابط:
http://www.fundforpeace.org/web/index.php?option=com_content&task=view&id=391&Itemid=549
[2] Jean-Germain Gros , Towards a Taxonomy of Failed States in the New World Order: Decaying Somalia, Liberia, Rwanda and Haiti', Third World Quarterly, vol. 17,no.3,1996.
[3] انظر نص الحوار مع نعوم تشومسكي في موقع «الديمقراطية الآن» على الرابط
الوقت - 7 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro