English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كيف واجهنا الموقف خلال الغزو البري لغزة؟
القسم : سياسي

| |
من العالمية 2009-07-06 09:04:51


نص محاضرة رئيس "فريق التنسيق الأميركي" أمام "معهد واشنطن" [2] - بقلم الجنرال كايث دايتون:  
قبل الغزو البري، حذّر زملائي في قوات الدفاع الإسرائيلية سراً من أن اضطرابات مدنية كبيرة ستقع في الضفة الغربية. حتى إن بعضهم توقّع حدوث انتفاضة ثالثة – الأمر الذي كانوا يهابونه كثيراً، لكنهم كانوا مستعدّين للمجازفة لوقف إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل. لكن تبيّن أن هذه التوقّعات ليست صحيحة. حصلت تظاهرات وبعض التجمعات الصاخبة، غير أن أيام الغضب الموعودة التي كانت
"حماس" تدعو إليها باستمرار لم تتحوّل واقعاً.
لماذا؟ حسناً، هناك سببان. الأول هو أن المهنية والكفاءة اللتين باتت تتمتّع بهما قوات الأمن الفلسطينية الجديدة وفّرتا مقاربة مدروسة ومنضبطة للتململ الشعبي. كانت التوجيهات التي تلقّوها من الرئيس ورئيس الوزراء واضحة: اسمحوا بحصول التظاهرات لكن لا تسمحوا لها بأن تجنح نحو العنف، وأبقوا المتظاهرين بعيدين عن الإسرائيليين.
هذه المرة، وخلافاً للمرات السابقة، كان الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء يملكان أدوات مناسبة لتنفيذ المهمة. وشعرت قوات الدفاع الإسرائيلية أيضاً – بعد الأسبوع الأول تقريباً – أن الفلسطينيين موجودون ويمكنها الوثوق بهم. في الواقع، توجّه جزء كبير من الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية إلى غزة – فكّروا في هذا للحظة – وتغيّب القائد لثمانية أيام متواصلة. وهذا دليل على الثقة التي باتوا يمحضونها لقوات الأمن الفلسطينية. في مختلف الأحوال، تعمّد الإسرائيليون الحد من ظهورهم، وظلوا بعيدين عن المتظاهرين، ونسّقوا نشاطاتهم اليومية مع الفلسطينيين حرصاً على عدم التواجد في المكان والزمان غير المناسبين من أجل تفادي صدام غير مقصود، أو ليبقوا بعيدين عن طريق التظاهرات. وهكذا كان القائد الفلسطيني يتصل بالقائد الإسرائيلي في المنطقة ويقول له "ثمة تظاهرة تتجه من النقطة ألف إلى النقطة باء. إنها قريبة جداً من نقطة تفتيش تابعة لكم هنا في بيت إيل. نكون ممتنّين لكم إذا غادرتم نقطة التفتيش لمدة ساعتين كي يمر المتظاهرون ويعودوا، ثم يمكنكم العودة".
وهذا بالضبط ما كانوا يفعلونه - وهو أمر مدهش. لا شك في أن تظاهرات واسعة حصلت ضد اجتياح غزة. لكنها كانت سلمية إلى حد كبير ولم تخرج قط عن السيطرة. طبّقت الشرطة وقوات الدرك التدريب الذي تلقّته في الأردن، وخلافاً لما كان يجري من قبل، لم يُقتَل فلسطيني واحد في الضفة الغربية خلال ثلاثة أسابيع من الوجود الإسرائيلي على الأرض في غزة. وهذا جيد جداً.
السبب الثاني الذي أعتقد أنه يحتاج إلى مزيد من الدراسة - وربما يستطيع "معهد واشنطن" مساعدتنا في هذا الإطار - هو ما لم أكن أتوقّعه. سمعت هذا الكلام في الشمال كما في الجنوب. كان الحديث الذي يتكرر باستمرار هو أنه على الرغم من أن سكان الضفة الغربية لا يدعمون اجتياح غزة - في الواقع، غضبوا كثيراً من إسرائيل لأنها قامت بذلك - إلا أنهم لم يعودوا يدعمون "حماس".
ما أقصده هو أنهم أظهروا دعمهم لسكان غزة عن طريق حملات للتبرع بالدم والملابس والأطعمة وما شابه. إلا أنهم لم يخرجوا للتظاهر دعماً لـ"حماس"، بل دعماً لسكان غزة. لكن من الواضح أن دعم "حماس" لم يكن الدافع وراء تظاهراتهم. لماذا؟ لأنهم اعتبروا أن "حماس" جلبت الفوضى والكارثة لغزة، ولم يعد الناس في الضفة الغربية يريدون ذلك بكل بساطة. كما أنه أصبحت لديهم قوات أمنية بدأوا يكنّون لها الاحترام. وأقول على طريقتي إن خيار النظام تفوّق على خيار الفوضى.
حسناً، كيف نكمل من هنا؟ إذا أجاز الكونغرس ذلك، فسوف يواصل فريق التنسيق الأمني الأميركي مبادراتنا مع وزارة الداخلية الفلسطينية لإحداث تحول في قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية وإعادة هيكلتها ومساعدتها على تحقيق المهنية، من خلال مزيد من التدريب والتجهيز وبناء الإمكانات والعمل المكثّف مع الاتحاد الأوروبي، ومزيد من البنى التحتية. ويجري حالياً إعداد خطط لتدريب ثلاثة ألوية إضافية في الأردن وتجهيزها - أي نحو 1500 عنصر جديد في قوات الأمن الفلسطينية، إلى جانب بناء قاعدتَي عمليات لإيوائهم. وننوي توسيع برنامج تدريب القادة الكبار ليشمل الضباط المتوسطي المستوى.
نحن ندرك أنه ثمة حاجة إلى هيكلية لوجستية وإدارية وظيفية تكون خاصة بالسلطة الفلسطينية، ونعمل بجهد مع وزارة الداخلية والرؤساء الأمنيين لوضع هيكلية ناجحة للفلسطينيين. كما نعمل عن كثب مع القادة العسكريين الإسرائيليين في الضفة الغربية لاستكشاف الخيارات التي تسمح بخفض الوجود الإسرائيلي أكثر فأكثر، مع تحسّن الإمكانات والقدرات الفلسطينية المثبتة. لقد أُحرِز تقدّم – أنا حريص على أن تكونوا على علم بالأمر – في ما يتعلق بالجهود التي تبذلها قوات الدفاع الإسرائيلية لخفض الوجود الأمني الإسرائيلي، ولا سيما في الشمال.
ومن خلال جهود فريقنا البريطاني في رام الله، عملنا أيضاً على إحياء منظمة الدفاع المدني الفلسطينية المهملة. لم يسمع معظمكم بها، لكنهم المتجاوبون الأوائل. إنهم المسعفون الطبيون وعناصر الإطفاء. لقد أخذناهم تحت جناحنا وإنهم على جدول موازنتنا الآن. سوف نساعدهم. وفي جعبتنا أيضاً مبادرة تُعرَف بالمبادرة التدريبية في الضفة الغربية التي ننوي بموجبها إعطاء سلسلة من الدروس في الضفة الغربية حول اللوجستيات والقيادة والإسعاف الأولي والصيانة واللغة الإنكليزية وتدريب عناصر الألوية، وتثقيف السائقين. يشرف عليها ضباطنا البريطانيون والأتراك مع السعي إلى نقل الإشراف إلى الفلسطينيين في نهاية المطاف.
 دعوني أعود إلى موضوع "السلام من خلال الأمن". هل يمكن أن يتحقق فعلاً؟ إنه سؤال صعب. هل علينا اجتياز طريق طويل؟ بالتأكيد، والتحدّيات التي تنتظرنا مخيفة. قد لا يكون الوقت لصالحنا. يجب بذل جهود جدية جداً في مسألة الإرهاب، وعلينا أن نستكشف بفاعلية الخيارات مع الفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين. إذا أردنا قيام دولة فلسطينية، ينتظرنا عمل جدي في مسألة إدارة الحدود والمعابر التي يشرف عليها الكنديون في فريقي. ثم هناك بالتأكيد غزة وفصائل "حماس" المسلّحة التي تشكّل تحدياً هائلاً لمستقبل الدولة الفلسطينية.
لكنني أود أن أقول لكم إن الأمل ليس مفقوداً. فالوجود المستمر في المنطقة لفريق صغير إنما متفانٍ من المسؤولين الأميركيين والكنديين والأتراك والبريطانيين الذين يعملون مع كل الأطراف ويعيشون هناك ويفهمون الأرض من الناحية العسكرية، بدأ يعود بثماره. نبني وقائع جديدة على الأرض من الأسفل إلى الأعلى، ولدينا شركاء حقيقيون في المملكة الأردنية والسلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل. لا يمكننا فعل كل شيء بالتأكيد. فعلى المفاوضين والسياسيين أن يقوموا بدورهم. لكننا نعتقد أننا نخلق ظروفاً، أو أساساً أمنياً إذا صح التعبير، سوف يجعل مهمتهم الصعبة جداً أسهل بقليل.
أنا متأثّر جداً بكلمات يرددها صديق لي هو قائد براغماتي صلب ورفيع المستوى في قوات الدفاع الإسرائيلية. كان ينتقد بشدة فريق التنسيق الأمني الأميركي من قبل. أما الآن فلا. يقول – وأنا أقتبس كلامه مباشرة عن مقال في إحدى الصحف – "يقوم فريق التنسيق الأمني الأميركي بعمل رائع، وكلما عمل الفلسطينيون أكثر، عملنا، نحن الإسرائيليين، أقل". أنا أعتبر بأن هذه الكلمات جديرة بأن تُعاش وتتحوّل واقعاً.
إذاً لنعد من جديد إلى موضوع هذه الكلمة: السلام من خلال الأمن. طريق السلام في هذه المنطقة صعب جداً. تعرفون ذلك جميعاً. فهو يمر عبر غابات من سوء التفاهم وغياب الثقة والجراح القديمة والضعف السياسي والمؤسسي، والمفسدين الذين يريدون أن يرونا جميعنا نفشل. لكن مقارنة بالأعوام السابقة، نحن نسير على ذلك الطريق ويمكننا أن نرسم الخطوات التي تقودنا إلى الوجهة أمامنا. نحن نسير قدماً. لم يعد السلام من خلال الأمن حلماً مستحيلاً. أظن أن هرتزل هو من قال "إذا أردت شيئاً، فلن يكون حلماً".
بصفتي ضابطاً عسكرياً محترفاً، أقدّر الحذر الإسرائيلي ونفاد الصبر الفلسطيني. لكن من المفيد أحياناً النظر إلى الخلف بينما ننظر إلى الأمام. لا يزال لقائي مع ضابط إسرائيلي متشدّد يضطلع بمسؤولية مباشرة عن الأمن في إسرائيل، حياً في ذاكرتي. كنا نتحدّث في مقره عما لم يحدث في الضفة الغربية في كانون الثاني وعن آفاق المستقبل. فأرجع ظهره في كرسيه وابتسم وقال "التغيير وسط الرجال الفلسطينيين الجدد في العام الماضي عجائبي. جيلي هو الجيل الذي نشأ مع الانتفاضات، والآن لدي أمل بأن أولادي لن يعيشوا الشيء نفسه". وتعهّد المجازفة بحذر لدفع الأمور نحو الأمام، وقد وفى بوعده. لا يزال حذراً إنما مفعماً بالأمل. وأنا مثله أيضاً.
حسناً، وعدتكم بأن أخبركم روايتين عن تشرشل. سوف أنهي بالرواية الثانية. أريدكم أن تفكّروا ملياً في الجملة الأخيرة في هذه القصة، لأنها تجسّد نظرتنا إلى أنفسنا في فريق التنسيق الأمني الأميركي في هذا الوقت بالذات، أي في أيار 2009. إنها من القصص المفضّلة لدي عن تشرشل. آمل ألا تسيء إلى أحد في الحضور. حصل ذلك في أواخر الحرب العالمية الثانية. كانت الأمور تسير بوضوح لصالح الحلفاء، وكانت سكرتيرة تشرشل تنظّم له مواعيد للقاء مجموعات اللوبي المدنية.
وفي ذلك اليوم بالتحديد، كانت السكرتيرة قد نظّمت له موعداً مع رئيسة الاعتدال المسيحي البريطاني. حسناً، أنا متأكد من أنكم بدأتم تدركون منحى القصة.
في الوقت المحدّد، دخلت سيدة عجوز صغيرة القامة تعتمر قبعة مكتب ونستون الكبير في وايتهول، وتقدّمت نحو مكتبه وبدأت تؤنّبه على الفور بسبب معاقرته الخمر. قالت "ونستون، احتسبنا كمية المشروبات السامة التي استهلكتها منذ بداية هذه الحرب، ووجدنا أنها تملأ نصف مكتبك من الأرض إلى السقف. عار عليك. كيف ستدافع عن نفسك؟"
يروى أن تشرشل الذي لا تنقصه سرعة البديهة نهض ووقف إلى جانب مكتبه ووضع يدَيه في جيبه ونظر إلى الأرض ثم رفع نظره إلى السقف وقال "أجل سيدتي، إنه إنجاز كبير، لكن ما زال يجب فعل الكثير لملء النصف الباقي".
          ترجمة نسرين ناضر
(المنسّق الأمني الأميركي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ألقى هذه المداخلة في ندوة "سوريف" التي نظّمها "معهد واشنطن" لسياسة الشرق الأدنى في 7 أيار الماضي.)
النهار – 6 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro