English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هكذا نساعد السلطة الوطنية على إدارة الأمن في الضفة
القسم : سياسي

| |
من العالمية 2009-07-05 09:02:26


نص محاضرة رئيس "فريق التنسيق الأميركي" أمام "معهد واشنطن" - الجنرال كايث دايتون:    
إنه لشرف كبير لي أن أحظى بفرصة التحدّث أمام هذا الجمهور الموقّر. اسمي كايث دايتون، وأتولّى رئاسة فريق صغير من الأميركيين والبريطانيين والكنديين، يضم أيضاً ضابطاً تركياً، وقد أُرسِل هذا الفريق إلى الشرق الأوسط للمساعدة على إدخال بعض التنظيم إلى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. تُعرَف مجموعتنا بفريق التنسيق الأمني الأميركي – اختصاراً USCC – لكنها عبارة عن مجهود دولي بكل معنى الكلمة. نتحدّث جميعنا الإنكليزية، إنما بلهجات كثيرة. وأنا أتطلّع إلى مشاركتكم أفكاري حول "السلام من خلال الأمن: دور أميركا في بناء قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية". لكن تذكروا، بينما أواصل كلامي، أن الولايات المتحدة لا تعمل وحدها على هذه المهمة، بل معها أيضاً كندا والمملكة المتحدة وتركيا.
ثمة أشخاص كثر هنا يستمعون إلي أتحدث عن الفريق، ولا شك في أن ذلك يعود إلى العمل القيّم جداً الذي يقوم به باحثو "معهد واشنطن”. يذكّرني هذا بقصة سمعتها عن ونستون تشرشل. أحب القصص التي تتحدّث عن تشرشل. وأنبّهكم إلى أنني سأروي قصّتين عن تشرشل في هذه الكلمة. تقول القصة إن شابة تقدّمت ذات مرة من تشرشل وقالت له بصوت مرتفع "سيدي رئيس الوزراء، ألا يثيرك أن تعلم أنه كلما ألقيت خطاباً، تمتلئ القاعة وتفيض بالحضور؟" فبادرها تشرشل – السريع البديهة دائماً – بالإجابة "بلى سيدتي، هذا إطراء كبير لي. لكن كلما ساورني هذا الشعور، أتذكر دائماً أنني لو كنت على حبل المشنقة بدلاً من إلقاء خطاب، لكان الحضور مضاعفاً مرتين". حسناً، سأكون صريحاً معكم، بما يتلاءم مع جندي خدم بلاده زهاء تسعة وثلاثين عاماً. سأخبركم ما الذي يميّز فريقنا، ما الذي نفعله وماذا نأمل أن ننجز في المستقبل. سأتحدّث عن الفرص وأقارب التحدّيات. وسأترك علم السياسة والسياسات لمن هم أكثر أهلية مني في هذا المجال. أرسلت البلدان المعنية بهذا المشروع ضباطاً ليكونوا جزءاً من هذه البعثة، فكما يقول باحث مرموق في "معهد واشنطن"، لم يعد بالإمكان تطبيق قوانين لاس فيغاس في الشرق الأوسط. قد يكون صحيحاً أن ما يحصل في لاس فيغاس يبقى في لاس فيغاس، لكن لم يعد صحيحاً أن ما يحصل في الشرق الأوسط يبقى في الشرق الأوسط. ونتشارك جميعنا في فريق التنسيق الأمني الاقتناع بأن تسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني تصب في المصلحة الوطنية لدولنا، وتالياً للعالم أجمع. دعوني أحدّد في البداية بعض المبادئ الأساسية التي توجّهني في عملي.
أولاً، وكما قلت للتو، أنا أؤمن بقوة بأن المساعدة على تسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني تصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة.
ثانياً، أنا من أشد المؤمنين بحل الدولتين: إن إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام وأمن إلى جانب دولة إسرائيل هي الحل الوحيد الذي سيلبّي كل الحاجات الطويلة الأمد لإسرائيل وتطلّعات الشعب الفلسطيني. لطالما كانت هذه سياسة قيادتنا الوطنية، وأنا أؤيّدها.
ثالثاً، دعوني أحدّد بوضوح شديد اقتناعي الراسخ – الذي أكرّره على مسامع أصدقائي الإسرائيليين طوال الوقت – وهو أنه كما قال الرئيس أوباما العام الفائت، الرابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابل للانفصام لا اليوم ولا غداً، وسيبقى كذلك إلى الأبد.
قبل أن أبدأ، أريد أن يعلم الجميع في هذه القاعة أنني أعتبر "معهد واشنطن" – وكلامي صادق فعلاً – مركز الأبحاث الأول حول مسائل الشرق الأوسط، لا في واشنطن وحسب بل في العالم بأسره. أقرأ تقارير المعهد، وأتحدث مع الزملاء والموظفين فيه عن المسائل الأساسية. يقدّم الأشخاص هنا في "معهد واشنطن" نصائح تحليلية وغير منحازة. أعتمد عليها، وأشعر أحياناً أنني تائه من دونها. فضلاً عن ذلك – وربما لا يعلم بعضكم الأمر – يتميز موظفو "معهد واشنطن" ببذل الذات. اللفتنت كولونيل مايك أيزنشتات من احتياطي الجيش الأميركي، وهو زميل رفيع المستوى هنا في "معهد واشنطن"، وقد أنجز للتو جولة بصفة ضابط تخطيط مع طاقمي في القدس. أؤكّد لكم أن معارف مايك وحكمته ساهمتا إلى حد كبير في خططنا واستراتيجيتنا المستقبلية، ومايك، يجب أن أقول لك إنني فخور بك، وهذا المعهد فخور بك أيضاً، وشكراً على خدمتك.
حسناً، لنبدأ. وصلت إلى المنطقة في كانون الأول 2005 قادماً من البنتاغون في واشنطن حيث كنت أعمل نائب مدير قسم السياسة والتخطيط الاستراتيجي في هيئة الأركان. وقبل ذلك، كنت في العراق حيث أنشأت مجموعة المعاينة العراقية وتوليت إدارتها، وكانت مسؤولة عن البحث عن أسلحة الدمار الشامل. وقد تساءل البعض عما إذا كان تكليفي هذه المهمة في الشرق الأوسط هو مكافأة للجهود التي بذلتها في العراق أو هو طريقة للانتقام مني. سيدي الوزير وولفوفيتز، لن أسألك أياً من الاحتمالَين هو الصحيح.
عملت ملحقاً دفاعياً للولايات المتحدة في روسيا، لكنني جندي مدفعية في أعماقي. لأن جنود المدفعية يتدربون على مفهوم "ضبط النيران". تطلق طلقتك الأولى للاقتراب قدر الإمكان من الهدف مستخدماً كل المعلومات المحلية المتوافرة لك، ثم تطبّق تلك المعارف المحلية على الطلقات اللاحقة، وتضبط طلقاتك إلى أن تصيب الهدف.
هذا ما نفعله أنا والفريق إلى حد كبير في الشرق الأوسط. أصبحنا متعمّقين في فهم سياق النزاع ودينامياته من وجهة نظر الطرفَين من خلال التفاعل اليومي على الأرض، ونضبط النيران على هذا الأساس. لقد أنشئ مكتب التنسيق الأمني الأميركي في آذار 2005 في إطار مجهود لمساعدة الفلسطينيين على إصلاح أجهزتهم الأمنية. لم تتمكن قوات الأمن الفلسطينية في ظل ياسر عرفات من تحقيق التماسك الداخلي، ولم تكن مدرَّبة ولا مجهَّزة كما يجب، ولم تكن لديها مهمة أمنية واضحة أو فاعلة. كان الهدف من تشكيل فريق التنسيق الأمني الأميركي إنشاء كيان للتنسيق بين المانحين الدوليين المختلفين في ظل خطة عمل واحدة من شأنها وضع حد لازدواجية الجهود. كان الهدف حشد موارد إضافية وتهدئة المخاوف الإسرائيلية بشأن طبيعة قوات الأمن الفلسطينية وإمكاناتها. وقد كُلِّف الفريق مساعدة السلطة الفلسطينية على تحديد الحجم الصحيح لقواتها وتقديم الإرشادات إليها في ما يتعلق بإعادة الهيكلة والتدريب الضروريين لتحسين قدرات هذه القوات وتطبيق سيادة القانون وجعلها خاضعة للمساءلة أمام قيادة الشعب الفلسطيني الذي تخدمه.
لماذا اختير ضابط أميركي كبير لقيادة هذا الفريق؟ حسناً، هناك ثلاثة أسباب. أولاً، شعر صانعو السياسات الرفيعو المستوى أنه من شأن ضابط كبير أن يكون محط ثقة واحترام من الإسرائيليين. وهذا صحيح. ثانياً، من شأن هيبة الضابط الكبير أن تشكّل رافعة للتعاون من جانب الفلسطينيين والعرب الآخرين. ويمكن اعتبار هذا صحيحاً أيضاً. والفكرة الثالثة هي أنه من شان ضابط كبير أن يمارس تأثيراً أكبر على آلية العمل بين الوكالات الحكومية الأميركية. حسناً، ليس أمران صحيحان من أصل ثلاثة بالأمر السيئ.
حسناً، إذاً أين نحن الآن، ومن نحن، وما هو موقعنا في السياق الإقليمي؟ إنها أسئلة مهمة.  كما قلت آنفاً، نحن فريق متعدد الجنسية. وهذا مهم. ثمة قيود مفروضة على سفر الأميركيين عندما يعملون في الضفة الغربية. لكن لا قيود على سفر البريطانيين والكنديين.
في الواقع، يعيش معظم البريطانيين في فريقي – ثمانية أشخاص – في رام الله. ومن هم مطّلعون بينكم على المهمات في الخارج يعرفون أن الولايات المتحدة تدرك أن العيش وسط الأشخاص الذين نعمل معهم أمر قيّم جداً. والكنديون الذين يبلغ عددهم نحو 18، منظَّمون في فرق نسمّيها محاربي الطريق، وهم يتنقّلون في الضفة الغربية يومياً فيزورون قادة أمنيين فلسطينيين ويعاينون الظروف المحلية ويعملون مع الفلسطينيين لتحسّس المزاج على الأرض.
تؤمّن كندا للفريق مترجمين عرباً-كنديين محترفين جداً يتحاورون مباشرة مع الناس. الكنديون والبريطانيون هم عيوني وآذاني. وعندما ألتقي قادة أمنيين فلسطينيين وقادة عسكريين إسرائيليين، أصطحب الكنديين والبريطانيين معي. تعدّد الجنسيات هو نقطة قوة كبيرة.
نقطة القوة الأخرى هي أننا حصلنا على الإذن منذ البداية للعمل مع كل الأطراف في هذا النزاع ما عدا الإرهابيين. يعني هذا أننا نعمل بصورة يومية مع الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء – وصدّقوا أو لا تصدّقوا، هذا أمر فريد في المنطقة. يمكن أن ألتقي في يوم معيّن في رام الله بوزير الداخلية أو قائد قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الصباح، ثم ألتقي مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية في العصر.
نزور أنا وفريقي الأردن ومصر باستمرار، حتى إننا حصلنا على الإذن للتنسيق مع دول الخليج. شعارنا هو التقدّم بحذر، بالتنسيق الكامل مع الأطراف كافة. وسأشرح لكم كيف يتم هذا. نحن أيضاً على اتصال بكل البعثات الأخرى في المنطقة التي تهتم بالنزاع العربي-الإسرائيلي. أنا وفريقي على اتصال يومي بمجموعة تُعرَف بـEUPOL COPPS. إنه فريق من عناصر الشرطة الأوروبيين الذين يعيشون هناك، وهم مكلَّفون إصلاح الشرطة المدنية الفلسطينية. ونعمل أيضاً معهم عن كثب من أجل إصلاح النظام القضائي الفلسطيني. كما أننا على ارتباط وثيق بالجهود التي يبذلها ممثّل اللجنة الرباعية الخاص، طوني بلير، وفريقه. ونتعاون مع زميل لي في هيئة الأركان، اللفتنت جنرال بول سيلفا من قوات الجو الأميركية، الذي يراقب خريطة الطريق ويرفع تقاريره مباشرة إلى وزيرة الخارجية كلينتون.
ونلتقي مجموعة من الفاعلين الدوليين الآخرين في المنطقة في سياق التنسيق الذي نقوم به، بدءاً من البلدان والمنظمات غير الحكومية وصولاً إلى المسؤولين في الأمم المتحدة. لكن لعل العنصر الأهم في تحديد هويتنا هو أننا نعيش في المنطقة. لا نهبط بالمظلة لبضعة أيام ثم نعود إلى ديارنا. نمكث هناك. ففي منطقة حيث يشكّل فهم الواقع الميداني وبناء علاقات مع الأطراف، حجر الزاوية لإنجاز أمور على الأرض، يجب استثمار الوقت، وهذا ما فعلناه.
بقيت بعيداً عن دياري، كما علمتم، طوال ثلاث سنوات ونصف السنة تقريباً. يمدّد أعضاء فريقي مناوباتهم باستمرار، وأمضى بعضهم فترة هناك أطول من تلك التي أمضيتها أنا. إذا مرّ أحدهم قرب القنصلية الأميركية في القدس في وقت متأخر من الليل أو في عطلة نهاية الأسبوع، يرى بعض الأنوار المضاءة في المبنى. وفي معظم الأحيان، إنهم أعضاء فريقي. أظن أن دزرائيلي هو من قال "سر النجاح هو الثبات والإصرار على الهدف".
إذاً دعوني أخبركم قليلاً عن التاريخ وأقول لكم أين أصبحنا منذ آذار 2005. كان الجنرال كيب وارد أول من تولّى قيادة فريق التنسيق الأمني الأميركي، وكانت مهمته تقتضي المباشرة بتدريب قوات الأمن الفلسطينية وتجهيزها. غير أن مهمته تعطّلت، صراحةً، بسبب فك الارتباط الإسرائيلي في قطاع غزة عام 2005، ولم يتمكّن من إنجازها.
عندما سلّمني القيادة في كانون الأول 2005، قال لي "حظاً سعيداً". ولم أدرك آنذاك مقدار الحظ الذي أحتاج إليه، لأنه بعد شهر، فازت "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وتغيّرت مهمتي بين ليلة وضحاها. في الأشهر الثمانية عشر الأولى من وجودي هناك، واجهنا الوضع الآتي: إما حكومة تتشكّل من حركة "حماس" في الأراضي الفلسطينية، وإما حكومة وحدة يقودها رئيس وزراء من "حماس”.
نتيجة ذلك، ركّزنا على تنسيق الجهود الدولية من أجل المساعدة على النهوض باقتصاد غزة، ولا سيما من خلال تنسيق جهود إسرائيل ومصر والفلسطينيين عند المعابر الحدودية الرئيسة في غزة في مكان يُعرَف برفح وكارني. ونسّقنا أيضاً المساعدة التدريبية التي قدّمها البريطانيون والكنديون للحرس الرئاسي الفلسطيني الذي كان يدير تلك المعابر الحدودية. وبما أن الحرس الرئاسي كان مسؤولاً مباشرة أمام الرئيس عباس ولم يكن يتأثر بحركة "حماس"، اعتُبِر جزءاً من اللعبة. غير أن كل قوات الأمن الأخرى عانت إلى حد كبير من إهمال "حماس" وعدم دفع الأجور والاضطهاد، في حين أنشأت "حماس" قوات أمنها الخاصة بدعم سخي من إيران وسوريا. في حزيران 2007، نفّذت "حماس"، كما يعلم معظمكم، انقلاباً في قطاع غزة ضد قوات الأمن الشرعية التابعة للسلطة الفلسطينية هناك. وأطاح ميليشياويو "حماس" المجهّزون والمموَّلون والمسلّحون جيداً بتمويل إيراني وسوري، قوات الأمن الشرعية التابعة للسلطة الفلسطينية، مع العلم بأن هذه القوات لم تكن تحصل على رواتب منذ ستة عشر شهراً، وكانت تعاني من سوء التجهيز والتدريب. تذكّروا هذا الأمر. ومع ذلك، حاربت قوات الأمن الفلسطينية طوال خمسة أيام وخسرت المئات بين قتيل وجريح. لكن في نهاية المطاف، فازت "حماس"، وتغيّرت مهمتي من جديد، وبصورة دراماتيكية جداً.
بعدما عيّن الرئيس محمود عباس سلام فياض رئيساً لحكومة تكنوقراط في حزيران 2007، تغيّرت وجهة تركيزنا من جديد من غزة إلى الضفة الغربية. في تموز، أعلن الرئيس بوش عن الطلب إلى الكونغرس تخصيص 86 مليون دولار لتمويل برنامج مساعدات أمنية لقوات الأمن الفلسطينية، وقد وافق الكونغرس على الفور. وهكذا عدنا إلى اللعبة من جديد.
ما لم يقله الرئيس بوش هو أن ميزانيتنا التشغيلية في الأشهر الثمانية عشر الأولى كانت صفراً – لم نكن نملك مالاً. كنت أنسّق جهود الآخرين. لكن هذه المرة، أصبح لدينا مال في جيبنا، ومهمة يجب إنجازها. ومنذ ذلك الوقت، سلكنا مساراً ثابتاً في دعم الحكومة المعتدلة بقيادة الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض في الضفة الغربية.
وفّرت الإدارة الأميركية والكونغرس 61 مليون دولار إضافي العام الفائت، مما رفع المبلغ إلى 161 مليون دولار، استطاع فريق التنسيق الأمني الأميركي استثمارها في مستقبل السلام بين إسرائيل والفلسطينيين عن طريق تحسين الأمن. إذاً ماذا فعلنا؟ لا أريد أن أسبّب لكم الملل، لذلك أقول إننا عملنا في أربعة مجالات أساسية.
 أولاً، التدريب والتجهيز. على الرغم من أننا نعمل عن كثب مع الحرس الرئاسي حتى في الوقت الحالي، ركّزنا على تحويل قوات الأمن الوطنية الفلسطينية جندرمة فلسطينية – أي قوة شرطة أو وحدات شرطة منظَّمة – من أجل تعزيز العمل الذي تقوم به الشرطة المدنية التي تتلقّى الإرشادات من الاتحاد الأوروبي.
التدريب عبارة عن برنامج لمدة أربعة أشهر في مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن – نسمّيه JIPTC اختصاراً – خارج عمان. ويقوم على كادر أميركي - أردني متخصص بتدريب الشرطة، وعلى منهاج وضعته الولايات المتحدة يرتكز على حقوق الإنسان والاستعمال المناسب للقوة وضبط الشغب وطريقة معالجة الاضطرابات المدنية. ويتركّز التدريب أيضاً على تماسك الوحدة وقيادتها. قد تسألون، لماذا الأردن؟ الجواب بسيط جداً. أراد الفلسطينيون التدرب في المنطقة، لكنهم أرادوا أن يكونوا بعيدين من العشيرة والعائلة والتأثيرات السياسية. يثق الإسرائيليون بالأردنيين، وكان الأردنيون توّاقين للمساعدة. التجهيزات التي نؤمّنها ليست فتّاكة، وننسّقها بالكامل مع الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء. افهموا هذا جيداً. لا نزوّد الفلسطينيين شيئاً إلا بعد التنسيق الوافي مع دولة إسرائيل والحصول على موافقتها. أحياناً تفقدني هذه الآلية صوابي – كان شعري أكثر كثافة بكثير عندما انطلقت في هذه المهمة – ومع ذلك، نعمل على إنجاحها. لا نعطي بنادق أو رصاصات، بل تتراوح تجهيزاتنا من الآليات إلى الجوارب. كما أننا خرّجنا منذ وقت قصير ثلاثة ألوية – بمعدّل خمسمئة عنصر لكل منها – من مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن، وهناك لواء آخر قيد التدرب حالياً. وتتلمذ الخرّيجون أيضاً بكثافة على يد الأردنيين الذين أظهروا فعلاً أنهم على قدر المهمة، وذلك بدافع الولاء للعلم الفلسطيني والشعب الفلسطيني. لقد صنعنا – وأقولها باتّضاع – رجالاً جدداً. متوسط عمر الخريجين هو عشرون إلى اثنين وعشرين عاماً، وعندما يتخرّج هؤلاء الشبان، يعتبرون إلى جانب المسؤولين عنهم أن مهمتهم هي بناء دولة فلسطينية. ولذلك من لا يحب فكرة إنشاء دولة فلسطينية، لن يروقه باقي الحديث. لكن إذا كنتم تحبون فكرة الدولة الفلسطينية، أصغوا إلى ما سأقوله.
دعوني أنقل إليكم مقتطفاً مما قاله مسؤول فلسطيني رفيع المستوى في حفل التخرج في الأردن الشهر الفائت. قال "أنتم يا رجال فلسطين تعلّمتم هنا كيف توفّرون السلامة والأمن للشعب الفلسطيني. لديكم مسؤولية حيالهم وحيال أنفسكم. لم تُرسَلوا إلى هنا لتتعلّموا كيف تحاربون إسرائيل بل لتتعلّموا كيف تحافظون على القانون والنظام، وتحترمون حقوق كل مواطنينا، وتطبّقون سيادة القانون كي نتمكّن من العيش بأمن وسلام مع إسرائيل".
لدى عودة هؤلاء الرجال الجدد إلى فلسطين، أظهروا أنهم يتحلّون بالاندفاع والانضباط والمهنية، وأحدثوا فارقاً كبيراً – ولست أخترع هذه الرواية – إلى درجة أن قادة كباراً في جيش الدفاع الإسرائيلي يسألونني باستمرار "كم يمكنكم أن تصنعوا بعد من هؤلاء الفلسطينيين الجدد، وبأية سرعة؟ لأنهم سبيلنا للخروج من الضفة الغربية".
المجال الثاني الذي ركّزنا عليه هو بناء القدرات في وزارة الداخلية. قد تبدو مهمة عادية، لكنها حيوية جداً لأننا نحاول تشكيل حكومة طبيعية. في السلطة الفلسطينية، وزير الداخلية مسؤول أمام الرئيس ورئيس الوزراء عن كل قوات الأمن. وعندما سقطت غزة، سقطت وزارة الداخلية معها. وهذا لم يكن بالأمر السيئ لأن الوزارة كانت تخضع لسيطرة "حماس" وتركّز على بناء ما يُعرَف بالقوة التنفيذية التي تشكّل البديل الذي استنبطته "حماس" عن قوات الأمن الشرعية. وكان سقوط الوزارة أحد الأمور الجيدة التي حصلت في حزيران 2007. حسناً، لم يكن لدى الوزير الجديد الذي عيّنه فياض أحد ليعمل معه عندما تسلّم منصبه، وقد اشتكى لي بأنه لا يملك حتى آلة كاتبة. فكّروا في هذا. من يحتاج إلى آلة كاتبة الآن؟ لكن لم تكن لديه آلة كاتبة حتى. في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، استثمرنا مبالغ كبيرة والكثير من الأشخاص لجعل الوزارة ذراعاً قيادياً في الحكومة الفلسطينية مع قدرة على تحديد موازنة خاصة بها وعلى التفكير استراتيجياً والتخطيط عملانياً. كما أسلفت القول، إنه المفتاح لاستتباب الوضع الطبيعي في فلسطين. لم يعد رجل واحد يتخذ القرارات الأمنية في فلسطين في منتصف الليل. وقد قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الإطار.
تشكّل البنى التحتية مجال العمل الثالث. من الصعب أن نصف الحالة المزرية التي وجدنا بها المنشآت الأمنية الفلسطينية – فهي لم تكن مناسبة للإقامة البشرية فيها. في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، عملنا مع متعاقدين فلسطينيين لبناء كلية متطورة جداً لتدريب الحرس الرئاسي في أريحا وكذلك قاعدة عملانية جديدة سوف تضم – لا بل تضم منذ الآن – ألف عنصر من قوات الأمن الفلسطينية العائدين من الأردن على قمة تلة خارج مدينة أريحا.
ننوي بناء قاعدة عملانية أخرى في جنين بموافقة كاملة من الجيش الإسرائيلي. كما أننا بصدد إعادة بناء مركز كبير لتدريب الشرطة الفلسطينية، في مدينة أريحا أيضاً. ولا بد من أن أقول لكم إن الأميركيين والحلفاء الذين يزورون هذه المواقع، وبينهم وفود متواصلة من الكونغرس، يلاحظون باستمرار الاعتزاز والثقة اللذين يشعر بهما المستفيدون من هذه الأعمال. أعتقد لأول مرة أنه من العدل القول بأن قوات الأمن الفلسطينية تشعر أنها في فريق فائز.
والمجال الرابع الذي ركّزنا عليه هو تدريب القادة الكبار. قد يبدو هذا غبياً بعض الشيء – إنه في الواقع برنامج صغير – لكن في نظري، قد تكون واحدة من أعظم القيم التي تدوم. لقد خرّجنا صفَّين من العناصر برتبة رائد ومقدّم وعقيد بعد دروس شبيهة بندوة العمل امتدت لثمانية أسابيع وشارك فيها 36 عنصراً من الأجهزة الأمنية كافة. ويتعلّمون في هذه الدروس كيف ينظرون إلى المشكلات الراهنة وكيف يعملون معاً في إطار التقيّد بالمعايير الدولية. إنه العمل الأكثر شعبية الذي نقوم به.
حضرت حفلَي تخرّج وشعرت أنني في تخرج جامعي. يصطحبون عائلاتهم؛ ويكون كل قادتهم موجودين؛ ويرتدي الجميع ثياباً أنيقة. إنه أمر يستحق المشاهدة فهم يشعرون أنهم ينضمون الآن إلى مجتمع الأمم لأنهم يُعامَلون كقادة كبار لشعب ربما حان الوقت ليدير حياته وشؤونه كدولة. نجري امتحاناً نهائياً في هذه الدروس. عليهم الإجابة عن سؤال يتم اختياره من بين عشرة أسئلة. وقد يفاجئكم أن الموضوع الأكثر شعبية – يختاره أكثر من 50 في المئة باستمرار – هو السؤال الآتي "لماذا حقوق الإنسان مهمة في فلسطين؟" من كان ليتوقّع ذلك؟ وهل تعلمون؟ أن خريجي الدروس المخصصة للقادة الكبار حصلوا على ترقيات وتسلّموا مناصب أكثر مسؤولية. قائد اللواء الجديد الذي يتدرّب في الأردن والذي قمت بزيارته الأسبوع الماضي، تخرّج منذ وقت قصير من دروس القادة الكبار، وهو فخور للغاية لأنه يطبّق ما تعلّمه هناك في قيادة وحدته الجديدة المؤلّفة من خمسمئة عنصر والتي سوف تعود إلى الضفة الغربية.
حسناً ما الذي حقّقناه نحن والفلسطينيون، أو بالأحرى، ما الذي حقّقه الفلسطينيون؟ فأنا أوفّر القوة، أساعدهم، وهم يفعلون جزءاً كبيراً من الأمور بأنفسهم. فلنتحدّث عن الوقائع على الأرض. أصبحت الشراكة الأمنية بين فريق التنسيق الأمني الأميركي والفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين في شهرها الثامن عشر. تفوق النتائج توقعاتنا الأكثر تفاؤلاً، وهي على صلة مباشرة بعنوان هذه المهمة "السلام من خلال الأمن". تغيرات الوقائع الميدانية، وسوف تستمر في التغير.
لا أدري إذا كنتم مطّلعين على الأمر، لكن منذ عام ونصف العام، ينفّذ الفلسطينيون سلسلة من الهجمات الأمنية، كما يسمّونها، في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وينسّقونها بطريقة جيدة - وهذا مفاجئ - مع الجيش الإسرائيلي. وذلك في إطار مجهود جدي ودؤوب لإرساء سيادة القانون من جديد في الضفة الغربية وإعادة بناء السلطة الفلسطينية. فبدءاً من نابلس فجنين والخليل وصولاً إلى بيت لحم، لفتوا انتباه مؤسسة الدفاع الإسرائيلية بتفانيهم وانضباطهم واندفاعهم والنتائج التي حقّقوها. وأؤكّد لكم أن العناصر المدربين في الأردن هم المفتاح. دعوني أتوقّف عند الخليل قليلاً، لأن من يعرف بينكم عن الخليل يدرك أنها مكان صعب جداً. إنها المدينة الأكبر في الضفة الغربية، وفيها عدد كبير من المستوطنين العدوانيين، وهي مكان مقدّس جداً لليهود والعرب. قبل عام، رفضت قوات الدفاع الإسرائيلية أي اقتراح بوجوب السماح للسلطة الفلسطينية بتعزيز موقعها العسكري في الخليل، والذي كان عبارة عن قوة صغيرة من نحو 400 شرطي ودركي، مع أنها أكبر مدينة في الضفة الغربية. وأردنا أن نعزّز هذه القوة عبر الاستعانة ببعض خرّيجي مركز التدريب في الأردن. غير أن إسرائيل رفضت. لكن أداء هؤلاء الخرّيجين في جنين حيث نفّذوا انتشارهم الأول كان مدهشاً جداً إلى درجة أنه بعد ستة أشهر، لم تسمح قوات الدفاع الإسرائيلية بتعزيز القوة في الخليل وحسب، بل قادت هذا التعزيز وسهّلته ووسّعت نطاقه. ولا يزال العمل جارياً على ذلك. وكانت نتائج هذا التعزيز مذهلة للغاية. كانت هناك قرى في الخليل لم ترَ شرطياً فلسطينياً بالزي الرسمي منذ عام 1967. فكّروا في ذلك. لقد تغيّر الوضع في هذه المدينة حيث كان القانون القبلي والشريعة يسودان مكان القانون العلماني للسلطة الفلسطينية. دعوني أعطيكم مثلاً عن أمر اعتبرته مدهشاً جداً. أخبرني محافظ الخليل أن قوات الأمن اعتقلت قبل نحو ثلاثة أشهر أربعة أشخاص أدينوا بالانتماء إلى حلقة إجرامية ما، ووضعتهم في السجن. في الصباح التالي، قصد المحافظ مكتبه ووجد أربعة شيوخ يجلسون خارج مكتبه، فعرف على الفور ما الذي ينتظره. كانوا ينتمون إلى العشيرة الأقوى في الخليل، ولديه تجربة مع أمثالهم في السابق حيث يقولون له دائماً "أعيدوا إلينا رجالنا، لا يمكنكم أن تحتفظوا بهم. نحن نعرف كيف نتعامل معهم". لكن الأمور اختلفت في ذلك اليوم. فقد دخلوا بينما كان جالساً في مكتبه وقال الشيخ الذي يتقدّمهم "نعرف أنكم قبضتم على أربعة من رجالنا الليلة الماضية. ونحن نشاهد ما تفعلونه هنا في الشهرين الأخيرين. نريد أن نقول لك إننا نؤمن بكم ويمكنكم الاحتفاظ بهم. لا نعرف كيف نتعامل معهم، إنهم لكم، لقد عادت السلطة، لنذهب". حسناً، كنت في الخليل الأسبوع الماضي حيث تعمل فرقة – نحو 125 رجلاً – من اللواء الخاص الثاني لقوات الأمن الوطنية الذي تدرّب في الأردن، تحت إمرة قائد المنطقة الفلسطينية، فتساند الشرطة وتؤّمن وجوداً لقوات الدرك في ما أسماه اتفاق أوسلو بالمنطقة ألف، وكذلك في المنطقة باء التي وضعها اتفاق أوسلو تحت السلطة الإسرائيلية. لماذا يتواجدون في المنطقة باء؟ لأن قائد الجيش الإسرائيلي في المنطقة يقول "أحتاج إلى مساعدتهم وأستطيع الوثوق بهم – لم يعودوا يكذبون علي". وهذا تحوّل مهم أيضاً. وأؤكّد لكم، انطلاقاً مما شاهدته ومن التقارير التي أحصل عليها من الكنديين والبريطانيين في فريقي الذين يتنقّلون أكثر مني، أن التحول في المدينة الأصعب سياسياً في الأراضي الفلسطينية كان عميقاً. وفي خضم هذا كله، لم تقع أي صدامات بين قوات الأمن الفلسطينية وقوات الدفاع الإسرائيلية أو بين القوات الفلسطينية والمستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في المنطقة. هذا مدهش جداً، ويشكّل مدعاة سرور كبير لنا.
شملت هذه الحملات الأمنية في مختلف أنحاء الضفة الغربية ضرب العصابات المسلّحة بيد من حديد وسط وجود واضح للشرطة، وتفكيك الميليشيات غير الشرعية، والتصدّي لنشاطات "حماس" غير المشروعة، والتركيز على سلامة الفلسطينيين وأمنهم. لقد تراجعت الجريمة. تستطيع المراهقات في جنين أن يزرن أصدقاءهن بعد هبوط الظلام من دون الخوف من التعرض لاعتداء. وتفتح المتاجر الفلسطينية الآن أبوابها بعد حلول الظلام – الأمر الذي لم يكن يحصل من قبل. وتقترب الحياة من حالتها الطبيعية في عدد كبير من هذه المناطق.
 في تقرير صدر في أواخر شباط، كتب صندوق النقد الدولي الذي ينتقد الجميع دائماً "خلال عام 2008، أحرزت السلطة الفلسطينية تقدّماً ملحوظاً في إرساء الأمن في العديد من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية عبر نشر الشرطة وقوات الأمن. وقد سمح ذلك بتحقيق درجة عالية من الأمن والثقة بالبيزنس، وكان عام 2008 الأكثر ربحية للسلطة الفلسطينية في العقد الماضي".
خلال لقاءاتي مع القادة الفلسطينيين الأسبوع الماضي من طول كرم ونابلس في الشمال إلى الخليل وبيت لحم في الجنوب، لمست ثقة عميقة بإمكاناتهم وسمعت تعليقات إيجابية عن تعاونهم مع الجيش الإسرائيلي في المنطقة. وقد فوجئت عندما سمعت قائد المنطقة في بيت لحم يقول باعتزاز إنه توصّل مع قائد اللواء الإسرائيلي المحلي إلى اتفاق ينص على أن منع التجوال الذي تطبّقه إسرائيل في الضفة الغربية منذ عام 2002 لم يعد ينطبق على بيت لحم، وعلى أنه أصبح بإمكان الفلسطينيين أن يديروا حواجز تفتيش بأنفسهم لضبط التهريب سبعة أيام في الأسبوع وعلى مدار الساعة.
قد يكون الوضع هشاً؛ وهناك تحدّيات كثيرة في الأفق. لكنه تقدّم حقيقي في تغيير الوقائع على الأرض. غير أن التحدي الكبير – وهو التحدي الذي أريده أن ينطبع في شكل خاص في ذهنكم الليلة – كان في كانون الثاني 2009. فكما كان الضباط الإنكليز في فريقي ليقولوا "الإثبات عن مذاق الحلوى هو في أكلها". وفي العام الماضي، لم يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية تحدياً أمنياً موازياً لذاك الذي تعرّضوا له عندما كان عليهم أن يحافظوا على القانون والنظام خلال عملية "الرصاص المسكوب"، أي الغزو البري الإسرائيلي لقطاع غزة في كانون الثاني.
               ترجمة نسرين ناضر
               حلقة أخيرة غداً: كيف واجهنا الموقف خلال الغزو البرّي لغزّة؟
* الجنرال كايث دايتون (المنسّق الأمني الأميركي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ألقى هذه المداخلة في ندوة "سوريف" التي نظّمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" في 7 أيار الماضي)
النهار – 5 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro