English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مايكل والآله الرأسمالية الطاحنة
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2009-07-04 09:22:48


ونحن صغار في المرحلة الأبتدائية، كنا نعشق الكرتون أو الرسوم المتحركة، وخاصة ميكي ماوس وسكوبي دو، ونطلق عليهم )الجنانوا( كما كانت تسميهم جارتنا “حفوظ”، وقد ظل ذلك الشغف حتى نهاية الستينات، عندما بدأ عرض كارتون فرقة مايكل جاكسون، فتعرفنا عليه وتابعنا مسيرته.  فتننا مايكل الفنان، كما أذهلنا مايكل الإنسان، فرغم غرابة أطواره ولباسه وكل ما يحيط بتصرفاته، إلا ان مايكل كان يدهشنا بإنسانيته، وكنا نقارن بينه وبين الفنانين العرب الذين يضعون سدودا وأسوارا بينهم وبين مشاكل مجتماعتهم، ويحبسونها في الاهتمام السياسي في احسن الاحوال، فلم نسمع بفنان عربي بنى مستشفى للأطفال كما فعل مايكل، ولم نر فنانا قدم حفلا لجمع تبرعات بلغت أكثر من 50 مليون دولار لضحايا الحروب والمجاعة في أفريقيا كما فعل مايكل. لم يقدم اي فنان عربي أغاني تطالب العالم بالسلام وكف أيديهم عن تدمير الأرض. كما انشأ مؤسسة خيرية خاصة به، تدعم مايربو على تسعة وثلاثين مؤسسة خيرية. كان مايكل الإنسان قبل الفنان مثالا رائعا للعطاء الإنساني والإخلاقي.
إن صناعة فنان من صبي مجهول من الأحياء الفقيرة، ليس بالصعب على كارتيلات الموسيقي، فهذا عملهم ومصدرثرواتهم. إلا ان خروج هذا الفنان عن وصايتهم هو الأمر الجلل، ويدخل في خانة غير مسموح به وممنوعة. إن نجاح أي فنان وبروز عمل فني للنور، مهما كبر الفنان كمايكل، يتحكم به عالم خفي، عالم هو المحرك لكل الخيوط. ولعلنا نرى شركات الإنتاج العربية وتنافسها الشديد رغم عدم وجود سوق حقيقية أو مؤسسة بمعنى المنتجة و المهيمنة، إلا انهم يسعون لربطهم الفنانين بعقود احتكارية تكبلهم لسنوات، وتجعلهم تحت رحمة هذه الشركات، تصل لمرحلة اختيار الكلمات ومن يلحنها، وهو مثال على مانقول رغم بساطته.
كان مايكل اكبر من التوقعات بمسافات، اصبح صبي الأمس أسطورة القرن، أسطورة استطاعت أن تخلق مملكتها الخاصة، نجح مايكل حتى اصبح اسمه ماركة تجارية عالمية مسجلة. استطاع أن يخرج من تحت عباءة الشركات واحتكاراتها. وأصبح اسمه الورقة التجارية الرابحة.  ليس هذا وحسب بل تجاوز كل ذلك، لمنافسة محتكري هذه الصناعة. ان نجاح مايكل لم يعجب الكثيرين ممن احتكروا صناعة الموسيقي لسنوات، كما لم تعجب من صنع هذه الأسطورة وافلتت من يده ، ليس هذا وحسب بل اصبح رقما منافسا لايمكن تجاوزه. لقد تعدى مايكل الخطوط الحمر، لمن لازالوا يحملون في داخلهم بقايا العنصرية الكريهة ضد الأمريكان من اصول افريقية، والتي كانت متمثله في محاربة الفن الأفروأمريكي وفنانيه. فما بالك بمن استطاع أن يحطم الحواجز ويستطيع أن يجعل العالم يعجب بفنه وليس أمريكا وحدها، ويتحول لإسطورة عصره. فكانت الهجمة الشرسة التي بلغت مرحلة اتهامه بعلاقات جنسية مع الأطفال، واتهامه بالإساءة لأطفاله وتشويه صورته أمام العالم، مما أثر على فنه وعطائه وصحته.
لم يكن مايكل فنانا ناجحا فقط، ولكنه كان أيضا منافسا كبيرا في عالم المال والسلطة، عالم صناعة الفن والموسيقى، ذلك العالم الخفي. فإن تكون كبيرا لايعني أن يقبل بك الكبار، فالفنان مهما علا شأنه، عليه ان يكون دائما بقرة حلوب للآخر، وعليه أن يقبل كونه بقرة لا طاووس. لكن مايكل كما يبدو كان طاووس التمرد، فدفع حياته ثمنا لحريته وحرية كل من يعشق ان يكون هو وحده المسؤول عن مصيره.
 ونتساءل أخيرا هل يمثل مايكل في صعوده كعلامة تجارية مميزة عمق الفردانية التي تتكلم عنها العولمة، بينما تمثل المؤسسة الأداة الجوهرية للرأسمالية كحالة مضادة للفردانية، فتقع في تناقض مبهم لحاجتها المستمرة للتغير الذي يحث على الاستهلاك والربح.
البلاد - 4 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro