English

 الكاتب:

علي صالح

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أبعاد القرار
القسم : سياسي

| |
علي صالح 2009-06-27 09:38:48


قرار إيقاف أخبار الخليج عن الصدور كان خاطئاً، وله أبعاد ودلالات حقوقية وقانونية، فقد صدر ذلك القرار كما قيل كعقاب على تجاوز مادة من قانون الصحافة، لكنه بالتوقيت والأسلوب الذي صدر بهما قد تجاوز القانون كنص وكمنظومة وكالتزام وحماية وكسلطة أيضا...
فقرار إيقاف الجريدة جاء كردة فعل متسرعة على ما نشر فيها، ومن ثم فهو قرار سياسي استهدف امتصاص غضب عارم جاء من  الخارج، وغضب اشد منه كان يتوقع أو يتخوف من تفجره في الداخل، وان الذي اتخذ هذا القرار سواء كان فرداً أم جهة مثل وزارة الثقافة والإعلام كما جاء في بيان جمعية الصحفيين، وضع في اعتباره تدارك وإطفاء الغضب السياسي بأي طريقة وأسرعها، وان الجهات المعنية بالموضوع أو المقال في الخارج والداخل تعي هذا التحرك السريع وتقدره...
لكن هذا القرار على حسن نيته، وسلامة هدفه، وقصر مدته، تجاوز ركناً من أركان الدولة وهو القانون، وهو تجاوز يصل إلى مدى ضرب القانون بعرض الحائط، وهو إجراء أو تصرف لا يمكن تبريره بالنية الطيبة أو الهدف السياسي أو غيره من الاعتبارات على أهميتها وعلاقتها الوثيقة بتحقيق السلم الاجتماعي، أو مبدأ احترام الدول الأخرى وعدم التدخل في شئونها الداخلية...
لقد عشنا فترات ومراحل من الإيقاف الإداري للصحف عن الصدور، حدث ذلك من الخمسينيات حتى التسعينيات، أي على مدى نصف قرن، وكان إيقاف الصحيفة يحدث لأسباب مختلفة بعضها صغير وغير مقصود مثل نشر اسم أو صورة بالخطأ، وبعضها يتعلق بنشر بيان أو رأي يتعارض وسياسة أو توجهات الدولة، لكن ذلك الإيقاف كان معتاداً ومنسجماً مع نص القانون والسلطة المسئولة عن الإعلام والصحافة..
لكننا منذ دخلنا في مرحلة التحول الديمقراطي، وأعلنا عن قيام دولة المؤسسات والقانون، وسحب قانون الصحافة لعام 2002 من المسئولين في الدولة صلاحية إيقاف صدور الصحف بقرارات إدارية، واعتبرت القرارات الإدارية تتعارض تماماً مع دولة القانون  التي تفترض على الجميع، وفي كل الأحوال الاحتكام إلى القانون وحده في معالجة المخالفات وتوقيع الجزاءات والعقوبات، وعندما نحتكم إلى القانون فان هذا يلزمنا بالإحالة للقضاء، وبإعطاء السلطة القضائية تقرير وجود المخالفة وتحديد عقابها..
وهذا يعني أن الاستناد للقرار الإداري، وتجاوز القانون هو اعتداء على صلاحيات السلطة القضائية، وانتهاك لمبدأ فصل السلطات، وهو المبدأ الديمقراطي الذي يعد ركناً رئيسياً في الدولة الديمقراطية، وفي دولة المؤسسات القانون...
وفي الدولة  الديمقراطية، التي هي أيضا دولة المؤسسات والقانون، الشخص يذوب في المؤسسة التي تحكم تصرفاته وإجراءاته وقراراته،  وتقيدها وترجعها دائماً وأبدا للقانون، فالمواطن العادي لا يجب أن يخالف أو يتجاوز القانون، وإذا فعل ذلك فانه يخضع للمساءلة والمحاسبة القضائية، وكذلك المسئول في الدولة، أيا كان مركزه كبيراً أو صغيراً، هذا المسئول يطلب من المواطن دائماً، ويذكره باحترام القانون والالتزام به، ويعتبر ذلك حقاً من حقوق الدولة على المواطن، فكيف ينصح المسئول بأمر يقوم هو بتجاوزه..
وفي الدولة الديمقراطية يحتكم الناس إلى مبادئ يحترمونها ويتقيدون بها، وعلى رأس هذه المبادئ حرية الرأي والتعبير، فمن حق الإنسان أن يعبر عن رأيه بالكتابة أو القول والتجمع والتظاهر وغيرها من الوسائل السلمية، ومن واجب سلطات الدولة احترام هذا الحق أيا كانت وسيلته، وأيا كان المكان الذي جرى فيه التعبير عن الرأي..
وإذا ما شعر أي فرد أو أي جهة بان الرأي الذي قيل أو نشر قد اعتدى أو انتقص حق من حقوقه أو معتقداته أو شوه سمعته أو  أورد معلومات مغلوطة تؤثر في موقفه أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي، فان من حق هذا وذاك أن يرد على الرأي المكتوب مصححاً ومفنداً، وان يلزم الصحيفة بنشر رده أو تصحيحه طبقاً لما ينص عليه القانون، أو انه يلجأ  للقضاء من اجل الهدف نفسه..
وهذا يعني أن أي مسئول في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة الديمقراطية ليس من حقه أن يتخذ قراراً إداريا، وإذا ما فعل ذلك فهو يكون قد خالف القانون وخالف مبادئ الدولة الديمقراطية التي يتولى مسئولية فيها، وبات يتصرف ويتعامل مع الناس وكأنه في دولة أخرى هي دولة الأفراد والقرارات والأوامر والتوجيهات الفردية المدعومة بنفوذ صاحبها وقوته في الترهيب والترغيب...
قرار إيقاف جريدة أخبار الخليج، حتى لو كان ليوم واحد أو اقل، هذا القرار يضعنا أمام مفترق طرق: فإما أننا نعيش في الدولة الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون، وإما أننا لإنزال نعيش في دولة الأفراد التي تتحكم فيها الأوامر والتوجيهات، ويضرب بالقانون عرض الحائط.
في الحالة الأولى لا يجب أن يمر القرار الإداري مرور الكرام، وفي الحالة الثانية علينا أن نكف عن الادعاء أننا دولة قانون، ونكف عن المطالبة بتعديل قانون الصحافة، وبجعله قانوناً مستنيراً، فالدولة  التي لا تحترم قوانينها لا يجب أن تسن القوانين ولا تعمل على تعديلها وتطويرها، وهذا هو مغزى وخطورة قرار إيقاف أخبار الخليج....

البلاد 27 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro