English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ما دون الدولة
القسم : عام

| |
عبدالهادي خلف 2009-06-16 08:29:29


أحالني أخونا علي الديري مشكوراً إلى مقالات كتبها قبل سنتيْن[1] وتعرَّض فيها إلى إشكالية حاولتُ مقاربتها في مقالاتي «القانونية» أخيراً. ولتلك الإشكالية جوانب عدة متداخلة ما تثيرها أسئلة تتعلق من جهة بالأساليب التي تنتهجها السلطة سياسية لإقناع الناس بطاعة قوانينها. ومن الجهة الأخرى بأساليب تبرير الناس لطاعتهم لقوانين رغم عدم اقتناعهم بشرعية السلطة السياسة التي أصدرت تلك القوانين. ورغم تعدد الإجابات على هذه الأسئلة وما يتفرع عنها فإنني أميل إلى تلك الإجابات التي تشدد على دور التوافق الاجتماعي. أسارع للتذكير بأن الوصول إلى هذا التوافق في الظروف الاعتيادية مشروطٌ بقدرة السلطة السياسية على إقناع الناس بأن طاعتهم لقوانينها يسهم في إنجاز بناء الدولة. وحين تفشل السلطة في هذا فإن الناس سيهتدون، بحسب تعبير الديري، إلى بيوت أخرى هي دون الدولة وفي الغالب خارجها - بموازاتها أحياناً وبديلاً عنها في أحيانٍ أخرى. ولا حاجة لمحاولة حصر كل الأشكال التي يمكن أن تتخذها تلك «البيوت الأخرى». فهي قد تكبر لتؤوي ائتلافاً قبلياً أو تجمعاً طائفياً أو هي قد تصغر فلا تضم أكثر من أفراد عائلة. يتحول الكيان السياسي إلى ما حالة أقل من دولة عبر المرور في واحدٍ من طريقيْن. أولهما تختص به السلطة السياسية نفسها حين تقايض شرعيتها بطاعتها. أي حين يكون أقصى ما تريده تلك السلطة من الناس هو طاعة ما تصدره من قوانين تحدد لهم أوامرها ونواهيها. وعندما لا تجد غضاضة في رفض الناس لشرعيتها ماداموا يطيعون القوانين السارية. فهي لا تريد ولاءهم ولا تهتم بإشاعة حبها بينهم، بل تريد منهم أن يعبّروا بمختلف السبل عن طاعتهم لها وهم صاغرون. ولقد رأينا أن السلطات السياسية تتبنى للوصول إلى هذه الغاية واحدة أو أكثر من استراتيجيات أثبتت نجاعتها في السابق. ومن بين تلك الاستراتيجيات ما عرضته فيما كتبته عن «التشطير العمودي» للمجتمع. وخصوصاً ذلك النمط من التشطير الذي يعزز الانقسام في المجتمع عبر تشجيع نمو تعاضديات متوازية مفصولة عن بعضها بعضاً وعبر إدامة التنافس فيما بينها في الوقت نفسه. أما الطريق الثاني فهو متعدد المسارات ولكنها مسارات تختص الرعية بها. وعبر هذه المسارات يتم تثبيت الكيان السياسي في حالة «أقل من دولة» حين لا تعترض النخب السياسية والاجتماعية على اعتماد السلطة السياسية على استراتجيات التشطير وعزل التعاضديات القائمة عن بعضها الآخر. وتتعزز هذه النتيجة حين لا تواجه النخب السياسية والاجتماعية الجهود المبذولة لإعاقة عملية الاندماج الوطني وإعاقة إنتاج القيم المشتركة ومراكمتها لتأسيس هوية جامعة تهمش الهويات الإثنية والطائفية والقبلية. أخيراً يتحول الكيان السياسي إلى ما دون الدولة حين لا تجد النخب السياسية والاجتماعية غضاضة في استنكاف السلطة السياسية عن السعي إلى تكريس شرعيتها عن طريق قبول الناس بها.
أقولُ، يتسارع تفاقم الأمور حين يسير الطرفان، كلٌ في اتجاهه، حتى يتلاقيان عند نقطة تجمعهما ويجمعان عليها، أي إبقاء الكيان السياسي في حالة دون الدولة. وحين يتراضى الطرفان على قبول حالة ما دون الدولة فلن يكون بإمكان طرفٍ منهما لوحده وقف الانحدار. بل ربما استدعت الأمور تدخلاً حاسماً من أطراف خارجية. وأكتفي هنا بالإشارة إلى ما نشهده من أمثلة مأساوية في أفغانستان والعراق والصومال وليبيريا. فرغم اختلاف حدة المآسي الحالية والمستقبلية التي تواجهها هذه المجتمعات فلا يجد الناسُ فيها خيارات واقعية غير تكثير البيوت الأخرى البديلة لبيت «الدولة» أو الموازية له.
أقولُ تشجع السلطة السياسية بوعي منها أو بغفلة نشوء حالة ما دون الدولة حين تقايض شرعيتها بطاعتها. وبالمثل تشارك النخب السياسية والاجتماعية في تلك الجهود حين لا تصر على مساءلة شرعية السلطة السياسية. عندها يتحول مشروع بناء «الدولة» إلى مجرد حلم يحتكره المهتمون بالتحديث والتنمية المتكافئة وحقوق الفرد. وعندها أيضاً تبقى «الدولة» مهمة غير منجزة حتى ولو أقسم باحثون يمتلكون أدلة دامغة على إتمام تلك المهمة. أو كما بلغ الحماس بأحدهم حين قرر أن يفضح غفلتي حتى كاد أن يقول إنه شاهدها، أي الدولة المنجزة، تتجول في الطرقات. أقولُ، لا يمكن ادعاء الشروع في بناء الدولة ناهيك عن إنجاز ذلك البناء حين لا ترتقي جهود السلطة السياسية إلى أكثر مما يتطلبه حماية حدود مزرعة وإدارتها وتوزيع ريْعها.
أقولُ مع الديري «إن الدولة يخترعها الناس، وليس واحداً من الناس، أو واحداً خارج الناس. الإنسان الواحد لا يخترع دولة، مهما كان يملك في الناس ومن الناس». فلا يمكن القول إن دولة ما قد نشأت وتكرّست حين نرى أن الحال قد ساءت إلى درجة أن شرائح كبيرة من الناس تعتبر السلطة «سلطة أمر واقع» ليس عليهم طاعة قوانينها إلا حين يعجزون عن عصيانها. ومعلومٌ أن طاعة سلطة الأمر الواقع أو عصيانها مشروطان بأمور تخص ميزان القوى بين الناس وتلك السلطة. أسارع إلى التذكير بأن من الممكن تفسير تزامن الطاعة والعصيان والمراوحة بينهما بالإشارة إلى أمريْن مترابطيْن. أولهما أن طاعة الناس لقانونٍ لا تعني قبولهم بشرعية السلطة التي أصدرت ذلك القانون. والثاني أن قبول الناس بشرعية السلطة هو ما يضمن طاعتهم للقوانين التي تصدرها. لا علاقة لهذه المراوحة بسجالٍ أكثر تعقيداً بين المهتمين بشأن ماهية العدالة والحق. فطاعة القانون أو عصيانه هو سلوكٌ فردي يجد الفردُ تبريره في التوافق الاجتماعي على موقفٍ محدد تجاه قانون ما. ولا تختلف حاجة الفرد إلى محاذاة ما يقرره التوافق الاجتماعي لتبرير سلوكه، طاعة وعصياناً، في المجتمعات الخاضعة لأنظمة حكم دكتاتورية عن حاجته لها في المجتمعات الخاضعة لسلطة احتلال أجنبي. فحتى في ظل أسوأ أمثلة الاحتلال التي يعاني منها أهلنا في فلسطين، فإننا نرى تزامن الطاعة والعصيان. فرغم أن الناس لا يعترفون بأية شرعية لسلطات الاحتلال إلا أنهم يطيعون بعض قوانينها ويعصون أخرى. ولا يخفى أن لهذه المراوحة والتزامن في ظل الاحتلال عقلنة غَرَضِية وقِيَمِية مختلفة جوهرياً عما أشرتُ إليه في مقالٍ سابق عرضتُ فيه بعض تداعيات القبول بالأمر الواقع وتبريراته في الخطاب السياسي لدى نخبنا السياسية. 

[1] انظر، علي أحمد الديري، «دولة الناس». الوقت، 20 مايو/ أيار .2007

- كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة «لوند» - السويد

الوقت - 16 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro