English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ضحايا العدالة المنسيون
القسم : عام

| |
سبيكة النجار 2009-06-11 12:55:28


في رواية ''السجينة'' لمليكة أوفقير تذكر الكاتبة تجربة أخيها الصغير الذي دخل السجن مع أسرته وهو بعد لم يكمل الثانية أو الثالثة من عمره وأمضى هناك ما يزيد على الربع قرن، تنقلت الأسرة خلالها لأكثر من معتقل تفتقر كلها لأبسط شروط الإنسانية. ونتيجة لذلك فقد أصبحت تجربته الحياتية محدودة للغاية بسبب الحصار الذي فرضته السلطات على الأسرة بحيث لم يتمكن أي فرد منها من الاتصال بالعالم الخارجي. وعندما أتيحت للأبناء فرصة الهروب من السجن كان ذلك الصغير الذي وصل لمرحلة الشباب يعجب لرؤية العمارات الشاهقة أو الطرق المرصوفة والسيارات التي تسير عليها ولا يعرف ماهية هذه الأشياء. ليس أطفال أسرة أوفقير وحدها التي عانت من وجود أطفالها في المعتقل لسنوات طويلة فهناك قصص تحكى عن أطفال ولدوا وتربوا في السجن، والمنطقة العربية ليست استثناءً. تذكرت هذه القصة عندما زرت سجن النساء مع الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، وقد دفعني هذا الأمر للبحث في هذه المسألة في صفحات الإنترنت فوجدت كماً هائلاً من المواضيع المتعلقة بالأطفال الذين يعيشون خلف القضبان مع أمهاتهم.
كثيراً ما يوصف هؤلاء الأطفال بالضحايا المنسيون للعدالة الجنائية. ففي حال اتهام أحد الوالدين أو كلاهما ينصب اهتمام العدالة الجنائية على الجريمة وتتجاهل معاناة الأطفال سواء أثناء فترة التحقيق أو بعد صدور الحكم. وسواء أكان هؤلاء الأطفال داخل أو خارج أسوار السجن فإن آثار سجن أحد الوالدين يؤثر تأثيراً كبيراً على حياتهم وقد تلازمهم هذه التأثيرات مدى الحياة.
تدعو وثيقة حقوق الطفل إلى ضرورة مراعاة المصلحة الفضلى للطفل. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تتحقق هذه المصلحة بوضع الأطفال مع أمهاتهم السجينات؟ وإذا كان الجواب بالنفي فمن يعتني بالأطفال خلال وجود الأم في السجن؟ وهل فصل الطفل عن والدته وخصوصا في سنوات عمره الأولى يحقق المصلحة الفضلى له؟. في أغلب دول العالم يبقى الطفل مع أمه السجينة لسنوات عدة قد تمتد إلى سن المدرسة أو سن الرابعة أو الخامسة وقد يمتد بقاؤه أكثر من ذلك. وفي هذه الحال أيضاً يطرح السؤال ما هي مصالح الطفل الفضلى التي يجب مراعاتها أثناء إقامته في السجن؟.
تركز وثيقة حقوق الطفل على ضرورة العمل على تنمية الأطفال ونمائهم نفسياً وجسدياً وفكرياُ. وفي هذا الخصوص لا بد من تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق هذا المبدأ من حيث علاقة الطفل بالمجتمع، وتهيئة الظروف له للعب والتعلم حتى قبل سن المدرسة. ففي حال وجود الطفل مع أمه السجينة لا بد من إتاحة الفرصة له للاتصال بالعالم الخارجي عن طريق زيارة أقربائه، وتسهيل التحاقه بالحضانة أو رياض الأطفال، وتوفير الألعاب المناسبة، وكذلك توفير فضاء مناسب لحركته. وفي حال ارتفاع عدد أطفال السجينات من الواجب إنشاء حضانات ورياض أطفال ملحقة بالسجون. كما يجب عزل أولئك الأطفال عن مخالطة بقية السجينات وذلك لحمايتهم من اكتساب طبائع غير مرغوب فيها؛ إضافة إلى احتمال تعرضهم للأمراض المعدية. ومن أجل ذلك لا بد من أن تكون الغرف التي يعيش فيها هؤلاء مع أمهاتهم منفصلة عن بقية غرف السجينات الأخريات، وألا تكون مزدحمة وتتوافر فيها التهوية المناسبة. كما يشترط كذلك أن يعرف القائمون على السجن شيئاً عن رعاية الأطفال، وأن توفر إدارة السجون كافة مستلزمات الطفل من لباس وغيارات وتغذية صحية بحسب عمر ونمو كل طفل على حدة. كما يجب توافر الرعاية الصحية والاهتمام بالتطعيمات الدورية لهؤلاء الأطفال.
توجد سجون في العالم يبقى الأطفال مع أمهاتهم إلى بلوغهم الخامسة عشرة من العمر؛ وأخرى لا تقبل بقاءهم في السجون، في حين أن الكثير من سجون العالم وخصوصا في الدول الفقيرة لا توفر أية شروط ملائمة للأطفال فعلى سبيل المثال يشارك الطفل أمه في حصة الغذاء المخصصة لها فيؤثر ذلك سلباً على الأم والطفل معاً. بإضافة لذلك فإن وجود الطفل مع أمه قد يفوت عليها فرص الاستفادة من برامج التدريب المهني والتعليم التي قد يتيحها السجن بهدف تهيئة الظروف المناسبة لها للتكسب بعد خروجها من السجن فلا تقع في براثن الفقر الذي قد يدفعها مرة أخرى للجريمة. ومن ناحية ثانية قد يتعرض الطفل للإهمال والخطر إذا اضطرت الأم إلى تركه وحيداً من أجل الإيفاء بالتزامات العمل المتوجبة عليها في السجن.
قد تكون ظروف السجون في البحرين أفضل من غيرها من الدول النامية الأمر الذي ينعكس إيجابياً على الطفل المقيم مع أمه. لا أستطيع الجزم بذلك. فقد يكشف التقرير الذي ستصدره الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان صحة ذلك من عدمه. ولكن الذي أستطيع تأكيده أن سجن أحد الوالدين يؤثر تأثيراً كبيراً على حياة الطفل وقد يمتد إلى مستقبله إذا لم يجد الرعاية والتأهيل المناسبين. لذا أتوجه بدعوة وزارة التنمية الاجتماعية بصفتها مسؤولة عن الطفولة، كما أتوجه كذلك إلى جمعية تنمية الطفولة ومؤسسة كن حراً وغيرها من الجمعيات ذات العلاقة بالأطفال بضرورة الاهتمام بهذه المسألة.

الوقت - 11 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro