English

 الكاتب:

علي صالح

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الهروب من الديمقراطية ....
القسم : عام

| |
علي صالح 2009-06-06 08:37:46


منذ أن أعلنت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون في شهر ديسمبر الماضي عن تعليق مفاوضاتها مع دول الاتحاد الأوربي حول إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين المجموعتين، وبعض الصحف الخليجية والمسئولين في هذه الدول يدعمون هذا الموقف “ الصائب” ويروجون أن الاتحاد الأوربي هو الذي أوصل المفاوضات إلى طريق مسدود، وانه الجهة الخاسرة وليس مجلس التعاون الذي بدأ سلسلة مفاوضات أخرى مع مجموعات ودول في آسيا وأوربا من اجل توقيع اتفاقيات تجارة حرة...
من جانبي تابعت ما ينشر وما يقال حول هذه المفاوضات التي بدأت عام 1988 وانتهت إلى اتفاق إطار عام بعد سنتين، وفي عام 1990 بدأت المفاوضات الجادة لتوقيع الاتفاقية، وعلى مدى السنوات الست التالية كنا نسمع الأخبار الايجابية التي تطمئن إلى قرب التوقيع على الاتفاقية حيث انه لم تبق إلا أمور قليلة وبسيطة ينتظر أن تحسم خلال الشهرين القادمين...
واستمر الحال هكذا حتى عام 1996 عندما بدأت الخلافات تعلن وتظهر على السطح، في البداية كانت ضريبة الكربون، ثم الضرائب الأوربية على المنتجات الخليجية من الالمينوم والبتروكيماويات، وبعد ذلك المشتريات الحكومية، والمنتجات الزراعية وتحرير الخدمات، وبعد ذلك بدأ الجانب الخليجي يتحدث عن عقبة اكبر واخطر- حسب رأيه – وهي إقحام السياسة في الاقتصاد أو ربط التوصل إلى اتفاقية التجارة الحرة بإقدام دول مجلس التعاون على تحقيق إصلاحات ديمقراطية وتحقيق حقوق الإنسان في هذه الدول وخاصة تلك المتعلقة بالمرأة وبالعمالة الأجنبية أو المهاجرة، ناهيك عن مكافحة الإرهاب والوقوف ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل...
دول التعاون اعتبرت الربط بين السياسة والاقتصاد خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها على شكل تنازلات، كما يقول الدكتور عبد العزيز العويشق الوزير المفوض في الأمانة العامة لمجلس التعاون ومدير إدارة التكامل الاقتصادي والدراسات، الذي أضاف “ أن دول التعاون قدمت صياغة بهذا الموقف يعبر فيها الطرفان عن إيمانهما والتزامهما بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية لكن ليس إلى درجة الربط بين الموضوعين السياسي والتجاري.”
وبالمقابل ترى رودي كراستا نائب رئيس البرلمان الأوربي “ أن هذه الاتفاقية ليست فقط للتجارة، بل يجب أن تشمل المجالات التجارية، السياسية، الاجتماعية، البيئية، إضافة إلى الجوانب الإنسانية، وأننا نشدد على أن تكون الاتفاقية بين المجموعتين تكاملية وليست فقط تبادل للبضائع والخدمات..” والغريب في الموضوع أن دول مجلس التعاون ومنذ أن بدأت المفاوضات حول هذه الاتفاقية وهي تعرف أن الاتحاد الأوربي يأخذ بالنظام المؤسساتي، حيث تنبثق قراراته واتفاقاته من مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي المبادئ التي تعتبر معايير أساسية في أي مفاوضات يجريها الاتحاد سواء من اجل انضمام عضو جديد إليه، أو إبرام اتفاقية مع دولة أو مجموعة دولية أخرى، وانه في تطبيقه لهذه المبادئ لا يفرق بين الاقتصاد والتجارة من ناحية وبين الديمقراطية وحقوق الإنسان من ناحية أخرى .. وانه على عكس ما يردده المسئولون في دول مجلس التعاون من أن الاتحاد الأوربي فاجأهم بمحاولة إدخال مطالب سياسية وحقوقية في اتفاقية اقتصادية وتجارية، فكل المفاوضات وكل الاتفاقيات التي يجريها ويتوصل إليها الاتحاد هي ذات نظرة تكاملية شاملة، ذلك أن الذي يتحكم في علاقات الاتحاد هو البرلمان الأوربي المكون من أعضاء منتخبين من برلمانات دولهم المنتخبة من شعوب تلك الدول، أي أن القاعدة هي التي تتحكم في الاتحاد الأوربي وليست القمة غير المنتخبة كما هو الحال في مجلس التعاون... وبناء عليه فان ما كان يفعله مجلس التعاون طوال العشرين سنة الماضية من المفاوضات هو الهروب إلى الأمام كما يقولون، معلقاً الآمال على رئاسة هذه الدولة الأوربية أو تلك للاتحاد في تقديم تنازلات والقبول بفك الارتباط بين السياسة والاقتصاد، وأنها – أي دول مجلس التعاون – كانت على استعداد دائما لإبداء مرونة في الجوانب التجارية والاقتصادية في سبيل أن يفعل الاتحاد الأوربي الشيء ذاته بالنسبة للجانبين السياسي والحقوقي، وعندما وجدوا أن محاولاتهم هذه لا طائل منها اتخذوا قرارهم في شهر ديسمبر الماضي بتعليق المفاوضات مع الاتحاد الأوربي... دول التعاون تعرف ايضا أن دول الاتحاد الأوربي هي الشريك التجاري الرئيسي لها، وان التبادل التجاري بين الطرفين قد حقق فائضا في عام 2007 بلغ 55 مليار دولار لصالح الاتحاد الأوربي، في حين بلغ حجم التبادل التجاري في العام ذاته نحو 133 مليار دولار، أكثر من ذلك فان دول التعاون تدرك حاجتها الماسة لدول الاتحاد الأوربي في تسويق صادراتها من البتروكيماويات و الالمينوم، علماً بان النفط ومشتقاته خارج إطار الاتفاقية المذكورة، وانه بدون تحرير التجارة بين الجانبين فان منتجات البتروكيماويات والالمينوم ستواجه صعوبات ضرائبية ومنافسة من المنتجات الأوربية.. ومع ذلك فقد آثرت دول الخليج التضحية بكل هذه المصالح والمكاسب الاقتصادية، مقابل عدم الموافقة على إجراء إصلاحات سياسية ديمقراطية وتطبيق حقوق الإنسان فعلياً وليس على الورق.. علماً بان ما يطالب به الأوربيون هو من اجل دول وشعوب مجلس التعاون أولا وأخيرا، وان المطالبة الأوربية نابعة من المبادئ التي تجسدها شعوب تلك الدول ويرعاها البرلمان الأوربي، والحال ذاته ينطبق على اتفاقيات التجارة الحرة التي كانت بعض دول الخليج تتفاوض بشأنها منفردة مع الولايات المتحدة وتوقفت كلها بعد أن اصطدمت مع مطالب أمريكية مماثلة للمطالب الأوربية.. فالي متى ستبقى دول التعاون هاربة إلى الأمام بعيداً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي باتت تعرف بغذاء وهواء الشعوب، وبأنها مطالب شعبية في هذه الدول قبل أن تكون مطالب أوربية أو أمريكية ؟ ...

البلاد - 6 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro