English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مؤتمر بين مدينتين
القسم : عام

| |
سبيكة النجار 2009-04-17 02:53:43


بعد تنقلنا بين موانئ إفريقية متعددة حطت بنا الطائرة في نقطة سحيقة من العالم لم أكن أحلم بزيارتها في يوم من الأيام. كل ما أعرفه عن تلك البقعة من العالم لم يتعدَ قراءات في مسائل الفصل العنصري الذي عانت منه هذه البلاد كثيراً من بينها رواية رائعة بعنوان ''إبكِ يا بلدي الحبيب''. وازدادت معرفتي به أثناء إقامتي في باريس حيث التقيت بعدد من المنفيين أو الهاربين من جحيم معاناة شعب بكامله فارتموا في أحضان مدينة تعبق بنسمات الحرية التي حرموا منها. في تلك الأثناء شاركت في حملة مقاطعة منتجات جنوب إفريقيا، إذ شكلت المقاطعة في تلك الفترة جزءاً من الضغط على نظام الفصل العنصري الذي انتهى برفع الراية البيضاء. هناك في أحضان السين شاركت الجماهير فرحتها بخروج نلسون مانديلا من السجن واعتلائه لسدة الحكم. وفي غمرة كل ذلك كنت أحلم ولازلت بنهاية نظام الفصل العنصري الإسرائيلي .
رحلتي لدربان في جنوب إفريقيا لم تكن الرحلة الأولى لإفريقيا السوداء فقد سبقتها زيارة عمل لنيروبي العام .1987 ذهبنا نحن الوفود غير الحكومية العربية لحضور مؤتمر ''مناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وجميع أشكال التمييز'' الذي عقد في الفترة من 31 أغسطس/ آب إلى 7 سبتمبر/ أيلول 2001 بهدف إقناع العالم بإدانة النظام العنصري الإسرائيلي والدعوة إلى إحياء قرار الأمم المتحدة 3379 الذي يعترف بالصهيونية كأحد أشكال الفصل العنصري. وبالفعل نجحنا في ذلك إلى حد بعيد، واستطعنا عزل الوفد الإسرائيلي وحلفائه في زاوية ضيقة للغاية بحيث لم يكن يسمع لهم أي صوت. وقد وقفت مع القضية الفلسطينية منظمات غير حكومية إفريقية وآسيوية عدة. تحالفنا معها في الاجتماعات التحضيرية وفي أثناء المؤتمر. كنا نشد أزر بعضنا البعض. لم تكن علاقتنا معهم على غرار ''خذ وهات''، بل كانت علاقات نابعة من إيماننا بأن الحقوق الإنسانية هي للبشر جميعاً مهما اختلفت جنسياتهم وألوانهم ومشاربهم. وقفنا مع الأفارقة في مطالباتهم بالتعويض عن فترة الرق التي عانت منها القارة جنوب الصحراء، كما وقفنا مع حقوق المنبوذين في الهند، وحقوق الأقليات العرقية الأخرى. ونجحنا في إذابة الجليد بيننا وبين الوفود الآسيوية التي تحاملت علينا بسبب ما يعانيه مواطنوها العمال في بلداننا .
في دربان رأيت لأول مرة يهود يقفون ضد النظام الصهيوني، وتكلمنا مع بعض الحاخامات الذين يؤمنون بخطأ أو خطيئة قيام دولة إسرائيلية. وهناك أيضاً التقيت بالرئيس أحمد بن بيللا وشددت على يده في تحية لنضال وتضحيات الشعب الجزائري الذي عاني هو الآخر من الاستعمار ومن عنصريته البغيضة، وبكيت وأنا أرى والد الشهيد محمد الدرة يحمل جراحه ويأتي إلى دربان كشاهد على نظام الفصل العنصري الصهيوني. إلا أن أروع ما حدث في المؤتمر كان المظاهرة الجماهيرية المليونية التي جابت شوارع دربان وصولاً إلى مقر عقد المؤتمر الحكومي لتسليم وثيقة المؤتمر غير الحكومي الذي أعلن للعالم أجمع عن رفض الشعوب للقهر والذل ووقوفها ضد الظلم وضد آخر أنظمة الفصل العنصري في فلسطين المحتلة .
عدنا إلى بلداننا ونحن على ثقة من مواصلة الدرب إلا أن ما حصل بعد ثلاثة أيام من نهاية المؤتمر أي في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 أضاع بوصلة دربان، وانشغل العالم بمحاربة الإرهاب كما انشغلت منظمات المجتمع المدني وخصوصا الحقوقية منها بحماية نفسها ونشطائها من إرهاب دولها وتراجعت بالتالي مسيرة حقوق الإنسان في العالم .
والآن، وبعد أيام قلائل سيعقد في جنيف مؤتمر ''مراجعة مناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وجميع أشكال التمييز'' أو ما أطلق عليه ''دربان .''2 ولعل اختيار هذه المدينة لعقد المؤتمر يحمل رسالة مضمونها أن المكاسب المعنوية التي حصلت عليها المنظمات والشعوب في مؤتمر دربان - وعلى رأسها إدانة النظام الإسرائيلي - لن يسمح لها بأن تتكرر في جنيف رغم أن شواهد الإبادة والكره والعنصرية وخصوصا جرائم الإبادة في غزة لازالت تحفر في الذاكرة وتؤرق الضمير العالمي .
والآن، وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً على إلغاء القرار الشهير رقم ,3379 وفي الوقت الذي تشد فيه الوفود غير الحكومية والحكومية الرحال إلى الشمال، بينما تعيش الأنظمة العربية أسوأ مراحل ضعفها وتتسابق لخطب ود الدول الكبرى ورضا إسرائيل، نتساءل عن إمكان تحقيق مكاسب للقضية العربية تتمثل في إدانة إسرائيل بوصفها نظام فصل عنصري. لا أريد أن أستبق الأحداث، ولكن الإناء بما فيه ينضح .

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro