English

 الكاتب:

باسمة القصاب

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بيت عبدالرحمن النعيمي.. حركة الحُب «الحلقة الأخيرة»
القسم : عام

| |
باسمة القصاب 2009-04-08 16:44:36


« كان من الطبيعي ان يفكر الوالد بالمجري الذي يريده لولده. وفي البداية لا بد من اكمال نصف دينه.. وحيث ان ابنة اخت الوالد قد نذرت ابنتها الوحيدة لولده، فقد حرص على جلب العائلة بأكملها من ساحل عمان لترتيب الزواج في الاول من يناير ,1959 وقد صادف يوم الخميس وبالتالي حصلنا على عطلة، ولم نأخذ اجازة زواج، فقد داومت يوم السبت واستغرب الجميع وعلى رأسهم مدرس الاحياء أنني تزوجت، واعتبروها مزحة من مزحات درس الاحياء ».
«
وقد حرصت في الشهور الاولى للدراسة ان ارسل بعض المبلغ الى الزوجة التي بقيت في البيت الكبير في الحد، لكن هذه العادة خفت بعد ذلك، فقد بدأت الالتزامات تكبر في بيروت لاحقاً، خاصة بعد الالتحاق بالجامعة ».
*
عبدالرحمن النعيمي
تبوح لأبنائها، فيما هي تهم بالعودة من المنفى إلى أرض الوطن في ,2001: ''أول ما أتمناه حين أحطّ على أرض الوطن، أن أحطّ عند أمهات شهداء هذا الوطن، أُقبِّل رؤوسهن واحدة واحدة. أنحني لهن. أحييهن على ما أنجبن من مفخرة لهذا الوطن!''. تقول مريم. التلميذة النجيبة التي تعلمت القراءة والكتابة على يد عبدالرحمن، تماماً كما تعلمت أبجديات المنفى والنضال والغربة والوحدة. كانت مريم حركة حبّ عبدالرحمن التي لم تسترح، منذ عقدت كلمة الحب بينها وبين معلمها الأصعب في كل شيء، والأشقى في كل شيء. ذلك المعلم الذي لا يكتفي بأن يلقي إليك العلم والمعرفة، بل يلقيك فيها رمياً .
ألقى عبدالرحمن رفيقته مريم في مسافة نضاله، جعل منها رفيقته في قلب النضال، لا في طرف النضال. البحرين وقطر ودبي واليمن وعمان ولبنان وسوريا، كلها أماكن شهدتها حياة مريم، أو لنقل كلها محطات نزلت عندها العائلة قليلاً أو كثيراً أو متقطعة. ومارست فيها دورها المشترك حسب مقتضيات المكان والوضع والساعة. كثيرة المحطات التي قضتها مريم وحدها وأطفالها. الاستقرار لم تعرفه قبل نزول العائلة (سوريا). هناك تلملمت العائلة وهدأت 23 عاماً حتى العودة الأخيرة في .2001 أما قبلها فكان الاستقرار حلم عائلة لا تسكن حقيبتها. عائلة تتقن مهارة التماهي مع تخوم الجغرافيا .
في 1969 تشد مريم حقيبتها من قطر نحو دبي، حيث عبدالرحمن في غمرة عمله السري، بين يديها أمل وخالد، وفي بطنها وليد في موعد خروجه القريب إلى الحياة. تريد مريم أن تلد قريباً من رفيقها. لكن من أين لرفيقها أن يأمن لحظته؟. تصل هي ليعتقل هو. فتتضاعف غربتها ولوعتها والفراق. ويزيد فوقها ألم الولادة. تضع ''وليد'' وعبدالرحمن لما يزل في سجن في أبوظبي. لا تجد مريم، لكي يرى عبدالرحمن ابنه وليد، غير أن تلتقط له صورة فوتوغرافية. يحملها معه والد عبدالرحمن الذي أتى من قطر، يأخذها له عند زيارته في السجن .
؟ ؟ ؟
كلما دخلت ذلك البيت في قرية قلالي بالمحرق، تستقبلك مريم بقلبها المترع، وصوتها الرخيم، ووقارها الخجول. تدير كل صغيرة وكبيرة في ذلك البيت بنفسها، تماماً كما كانت تفعل في سنوات منافيها وغربتها، بإمكانك أن ترى جيدا حضورها الممتد في كل شيء في ذلك البيت، في كل زاوية، في كل حركة، في كل التفاتة، وقبل ذلك، ترى حضورها في صورها المتعددة: أمل وخالد ووليد وعائشة وسلوى؛ ذلك الحضور الصارم حناناً، الضابط احتضاناً، الفارع نكراناً للذات، ترى هذا الحضور فيما وهبتهم إياه من قوتها وصلابتها وصلادتها وتحملها ووقارها وعاطفتها الرخيمة. تماماً كما يمكنك أن ترى عبدالرحمن النعيمي، يطل عليك من كل واحد فيهم، من شرفة أخرى: جديته ومرحه وخفة ظله ورحابته وسرعة بديهته وصلادته واعتداده بنفسه وتواضعه واتساع أفقه وسماحته .
في كل مرة أدخل الغرفة التي يرقد فيها أبو أمل، أظل ساهمة عند رأسه. أضع يدي فوق يده. وأظل صامتة. لا أفعل غير الإنصات لعينيه اللتين لا تكفان عن الحركة. ذاهبتان تحدقان بعيداً فيما لا يُرى. كأنهما مأخوذتان بعالم متحرك كثير الصور ومثيرها. لاتزال عيناه تراقبان كل شيء. لكن عن بعيد هذه المرة. لا بأس. للمراقبة عن بعد ميزتها. فهي تجعلك فوق الحدث لا داخله. أن تكون فوق الحدث يمنحك أفق الرؤية وبياض حكتمها. أما أن تكون داخل الحدث فيجعلك في جلبة الحدث وضوضائه. هل مل الحكيم من ضوضائنا التي نختنق فيها؟ فراح يطل علينا من شرفة حكمة علوية .
في هذه الغرفة، سترى حساسية مريم حد الرهافة، لأن يبقى حُبها راقداً بنظام ملائكي، مهيأ دوماً لاستقبالك في عناية شديدة، لا تسمح مريم للمرض أن يظهر على حبيبها ما يربك وقار رقدته الطويلة، لا تجعلك مريم تراه في غير صورته الناهضة البيضاء. حريصة على أن تجعلك تراه حكيماً حتى في نومه. كلما اشتد على مريم سكوته الطويل، دلفت عند سريره، تستفزه ليسمعها، ليغادر صمته ويحاكيها. كم هي بحاجة إلى دفوة تنتشلها بها من بردك الطويل. كلما تعرفت أم أمل إلى أناس جدد، داخلوا حياتها بعد محنتها بأبي أمل، راحت عند رأسه تروي له عنهم . تصفهم له. وكلما تكشف لها شيئ من بياض أحد منهم، ركضت إلى جوار سريره باكية: قم يا أبا أمل وانصت لهؤلاء الرائعين المُبهرين، ليت رقادك عرفك إياهم قبل أن يذهبك فيه . قم يا أبا أمل لترى معي ما يبدد تعبك ويزجي بياضك. قم فلايزال هذا الوطن به ما يمسح القلب. به إنسانه الأروع من كل شيء .
؟ ؟ ؟
تمتد حساسية مريم المفرطة في التعامل مع كل ما يخص عبدالرحمن النعيمي. صوره، كتبه، أدواته، أوراقه، وحتى قراطيسه. تحمل إليك بعض الأحيان شيئاً من ألبوم صور قديمة، تريك شخوصاً شابة صغيرة متجمعة، تسرد لك شيئاً من تاريخ كل واحد منها، ليس مثل مريم لديها القدرة على تحويل كل حديث معها عن ذاتها إلى حديث عن الآخرين. تهرب عن نفسها سريعاً نحوهم. تسهب في إظهار جمالياتهم، وكأنها لا ترى في الآخرين غير الجمال. وكأنها تعتذر، بينها وبين نفسها، عن رؤية ما هـــو غير ذلك .
وحين تحضر صورة عبدالرحمن، تحضر آهات مريم وتنهداتها. تصف صبا حبيبها عبدالرحمن، تصف هيئة جسده النحيل، كأنها تمسِّد صورته بكلماتها. تحمل إليك ألبوم الصور الصغير بكلتا يديها، كأنها تخشى أن ينسكب بعض ما فيه من ذاكرة ممتلئة. يمر ألبوم الصور على الجالسين وعيناها لا تغادره خشية أن يصيبه بعض ما في الأيدي من خشونة الخارج. ثم تعود به إلى الداخل. حيث مكتبة عبدالرحمن التي تحرص مريم على أن لا يشاغبها الغبار، تمسحها بيدها كتاباً كتاباً، وتبتعد بها عن الأيدي العابثة والأعين: ''هي أمانته عندي. أصونها له حتى يقوم لها''. هكذا تقول مريم. لم أجرؤ بعد أن أسأل الدخول إلى تلك المكتبة بعد. أعرف كيف هي حساسية مريم تجاه كل ورقة تخص عبدالرحمن .
تنجح أمل عندما نكون هناك نكون في تسريب بعض الكتب من الداخل. تلك التي تعلم أنها تهم فضولنا المعرفي، نتخطفها بلهفة ونضحك وننظر جهة مريم، تطالعنا مريم بابتسامة وديعة متغاضية: ''بس أهم شي ترجعوها''، لا نجرؤ على التأخر بالكتاب في الخارج أكثر من أيام، ندرك أن مريم لن ترتاح حتى تعود الأمانة مكانها .
؟ ؟ ؟
على رف صغير في جدار ذلك البيت، تستند صورة عبدالرحمن النعيمي تجاورها صورة لشجرة الحياة. الشجرة المتعالية على الموت منذ مئات السنين. الضاربة بعمق راسخ في أصل هذه الأرض. الهاشة إليك حين تأتيها. المادة أذرعها لك. كأنها الحب يتلقفك. يحار من لا يعرف سر صمودها النادر رغم الجفاف واليبوسة والحر والقساوة والزمن. يحار من لا يفهم أن الإصرار على البقاء أقوى من الإصرار على القلع. يحار من لا يفهم أن أصل هذه الشجرة هو أصل الإنسان البحريني المصر على البقاء، رغم تهددات القوة وتهديداتها .
في صورته الملاصقة لشجرة الحياة. ترى أبأ أمل كما عوَّدك أن تراه دائماً، ناهضاً بصدره كالحمام (كما يصفه حسين المحروس)، باسقاً في ابتسامته العريضة المعروفة، مستقبلاً الحياة والأمل، مصافحاً قلبك بصدره، ومتحدياً .
لا أعرف، هل عن قصد وضعت الصورتين على هذا الحد من التجاور أم لا. لكني رأيت الطلة ذاتها. الوقفة ذاتها. الانبثاق من العراء . الارتواء من العطش. التحدي الموغل في الحياة وسط أسباب الموت. رأيتهما صورة واحدة . رأيت كليهما تقول للصورة الأخرى: ''يا أنــا''. فتكمل إحداهما الأخرى
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro