English

 الكاتب:

باسمة القصاب

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بيت عبدالرحمن النعيمي.. حركة الحُب «الحلقة الثالثة»
القسم : عام

| |
باسمة القصاب 2009-04-08 16:42:35



'' عالماً بأكمله قد رحل، ومن حق الجيل الحالي الذي لا يعرف الكثير عن حقائق تلك المرحلة أن يعرفها، ومن واجبنا أن نسلط الأضواء عليها، وأن نعتبر الماضي ملكاً لنا جميعاً وليس ملكاً لهذه الجبهة أو تلك أو الجمعية السياسية أو غيرها، فالتحرر من سلبيات الماضي قد تساعد التيار الديمقراطي على التوحد في الوقت الحاضر، إذا لم تكبله أغلال المرحلة السابقة، ولم يعتبر نفسه أسير الماضي، بل مشروعاً للمستقبل ''.
*
عبدالرحمن النعيمي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
''
تأتون محملين بقناديلكم التواقة إلى اشتعال يوقظ ليل كوكب لم يعرف الظلام.. تريدون أن لا تصدقوا ما يجيء .. ظليم ذلك الكتاب وعصي هذا القنديل..قنديل أشعله ضوء عين بها نرى..ضوء لا يأتي من هذه العين ظلام آخر.. اسكبوا زيوت قناديلكم هنا.. فإنها تضيء ''
تجلس هذه الكلمات، على دفتر الزوار الذي وُضع للأصدقاء في بيت عبد الرحمن النعيمي. امتلأت دفاتر أربعة بزيوت القناديل المسكوبة، ولا تزال الدفاتر تشتعل ..
***
لا يمكنك استيعاب كيف لهذا البيت أن يكون مسكوناً بحركة الحب، وبقلوب الناس، ما لم تذهب هناك بنفسِك ونفَسِك. تدخل البيت البسيط، لكن الفسيح. ترى أنك لست وحدك من يدخل هذا البيت، فثمة دائماً، من يسبق حضورك، ومن سيحضر بعد دخولك بقليل، وسيبقى هناك من يحضر وسيحضر، حتى تغادر .
بيتاً مفتوناً بالناس: البسطاء من المعارف والجيران الشفيفين، نسوة الحي الشغوفات بعائلة الأمل، المثقفون والسياسيون والحقوقيون والدينيون والكتاب، يأتون جميعهم محمّلين بالحب. أصدقاء أبو أمل من داخل البحرين وخارجها، كلما حطت بأحدهم طائرة داخل البحرين، حط بقدمه وزيته عند بيت أبو أمل .
أُحب كثيراً حين يتوافق وجودي مع بعض رفقاء النضال. أولئك الممتلئين بذاكرة تشتعل بك تاريخاً جميلاً وحماساً أصيلاً. تجدهم ينسابون في رواية حكاياهم بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة. فكأنها طازجة الوقوع. كأنك تراها صوراً ثلاثية الأبعاد. تتحرك في أعينهم التي تلمع كلما حضرت الذاكرة. يقهقهون بصوت عال عند بعضها، يتألمون عند بعضها الآخر. يترحمون على من غادرهم باكراً. يسترسلون. لا يتوقفون. يدركني الوقت أحياناً فأغادر مضطرة، فيما هم لا يزالون يستحضرون تاريخاً لا يسكت .
يرفعون أصواتهم أحياناً. كأنهم يريدون أن يُسمعوه ذكرياتهم، ذلك المُنصت لهم من خلف باب زجاجي جرار. كأنهم يستحثون رقدته بيقظته فيهم. يستحثون قيامه بسرد ذلك التاريخ الذي اشتركوا في صناعته معاً. وكأنه من حيث صمته، يستحثهم لقول المزيد، بل لكتابة هذا التاريخ بكل ما فيه من قوة وضعف. يذكِّرهم بأن ''عالماً بأكمله قد رحل، ومن حق الجيل الحالي الذي لا يعرف الكثير عن حقائق تلك المرحلة أن يعرفها، ومن واجبنا أن نسلط الأضواء عليها، وأن نعتبر الماضي ملكاً لنا جميعاً وليس ملكاً لهذه الجبهة أو تلك أو الجمعية السياسية أو غيرها، فالتحرر من سلبيات الماضي قد تساعد التيار الديمقراطي على التوحد في الوقت الحاضر، إذا لم تكبله أغلال المرحلة السابقة، ولم يعتبر نفسه أسير الماضي، بل مشروعاً للمستقبل''. هكذا يقول الحكيم للمستقبل .
***
قلت، يفيض الجميع حين يدخلون هذا البيت. كأنك تجلس لتجمع مما يفيضون. كأنك حين تدخل هذا البيت تدخل ورشة تعلمك معنى آخر لحب الوطن. هذا المعنى الذي لا تستطيع مادة ''التربية المواطنة'' أن تعلمك إياه عبر مناهجها القديمة أو المستحدثة .
الحكايات التي تسمعها هناك، على نحو غير معد وغير متكلف وغير ممنهج، تريك كيف أن الوطن له الحركة في المحب. كيف أن حركة الحب لا تدرَّس بل تُعاش. حركة الحُب لا تُملى بل تملأ. الحب يأخذك إلى ما لا تعلم من غوايات الطرق والمنافي والغيابات الطويلة. الحب يسلبك طبيعة حياتك. كمونك وسكونك وراحتك ومصلحتك. نظامك وسلاسة عيشك. رفاهيتك أو بساطتك. هكذا فعل حب الوطن النعيمي، سلبه كل هذه الأشياء، سلبه حتى أن يعلم أهله أين يذهب ومن أين يصلوا إليه وكيف ومتى. لم تكن تصلهم غير رسائل تطمئنهم عليه بعبارة واحدة فقط: ''أنا بخير ''.
***
لا شيء يفصح عن نفسه بنفسه مثل الحب. ولا تفضح مثل حركة مشحونة بالحب. يضج كل شيء بحركة مغايرة حين يدخله الحب، فكيف إذا امتلأ به وفاض. يقول ابن عربي ''بالحب تحرك المتحرّك، وسكن الساكن، وبالحب تكلم المتكلم، وصمت الصامت ''.
كأنني في ذلك البيت أفتح كتاب الحب، وأجلس لأقرأ .
مثل قلب يفضح حبه متقصداً، يشرع ذلك البيت بابه. هل يفتح باب القلب غير الحُب؟ وهل يُشرع القلب بابه إلا مترقباً محبوباً يجيء؟
الباب المشرع دعوة مفتونة بالوِرد والوَرد. فكأنه ينتظر محبوباً يرده بوِرده. لا يعترف الباب المفتوح بالاستثناء. أما المغلق فإنه يختار ويستثني ويعتزل .
يغريك باب بيت ( أبو أمل) المفتوح بالحب بدخول حميم، كائناً من كنت. كن من أنت. لا يعبأ قلب هذا البيت بـ(كن) التي تأتي منها الآن (اللون والعرق والدين والطائفة والمعتقد والجماعة والحزب والتنظيم) ، بل بـ(كن) الأولى التي أتينا منها جميعاً. كن فيكون. كن الإنسان. تلك التي تجمعنا. أما الأخريات فطالما بددتنا في خوازيقها المنقبضة أبوابها. كأن باب هذا البيت المشرع يقول لك، كن أنت من أنت، وادخل باسم الحب. باسم الإنسان. البيت بيتك .
طالما جعل صاحب هذا البيت قلبه، باباً مشرعاً على مشروع وطن. أليس الوطن بيتك الكبير؟ كأن هذا الباب المفتوح يقول:هنا تجدون وطناً صغيراً يحتويكم جميعكم فادخلوه ..
***
''
وضعتُ عند باب البيت حِبَّاً، وغرست نخلتين. أًغسل الحِب كل صباح بيدي، أملأه بالماء، وأسقي النخلتين، أهيئهما للعابرين. الحِب حُبنا. والنخلة أصالتنا''. هكذا قالت مريم بصوتها الرخيم ذات زيارة. ومنذ ذلك اليوم، لا أملك في كل مرة أقصد ذلك البيت، إلا أن أستل رشفة من حِب مريم، قبل أن ألج الباب المفتوح، داخلة نحو حُب مريم .
الحِب سقاية مُحب لمحبوبه، سقاية تُشبه غَدَقٌ هذه الأرض القديم على إنسانها، حين كانت الأرض جنة ماء، عيوناً وآباراً، حين كان الماء فيضها الأعذب بالحب. لكن الماء الآن، لم يعد بئراً، ولم يعد عيناً، لذا جعلته مريم عند باب بيتها حِباً .
أما النخلة. الكائن الباسق كما إنسان هذه الأرض، فهي حكاية حب أخرى لا يفهمها إلا من عاش في كنف نخلة . إلا من يعرف كم كانت النخلة رمزاً لإنسان هذه الأرض. رمزاً لخصوبته وقوته وافتراعه وتحمله وصبره وعطائه. كم كانت النخلة أُمَّا، بإمعانها المفرط في نكران الذات، وإمعانها الباسق في عطاء إنسان هذه الأرض. كم كانت غذاءه ومأواه وملاذه، كم كانت شقيقة بوحه حين يستبد به القهر، ومستودع سرِّه حين يشتدّ به الظلم ويثقله ضيم الاستقواء. كم كانت النخلة أمن هذا الانسان من الفقر المدقع والعوز المستبد. كم كانت حركة حُب .
كأن مريم وهي تغرس بيديها نخلتيها، تغرس كل هذه المعاني. تحرَّك كل هذه الذاكرة، بل كل ذلك التاريخ الجميل للإنسان البحريني. كأن نخلتي مريم الأصيلتين، تذكراننا بأصالتنا، في وقت أخذت فيه المعاني الأصيلة تذوي شيئاً فشيئاً، تتحطم على يد صخور غير حكيمة وغير حصيفة. صخور راحت تتعارك مع إنسان هذا الأرض، كما تعاركت قبلها مع نخيل هذه الأرض، حتى أبادتها، ومع بحر هذه الأرض، حتى أعدمته .
اليوم، تعمل هذه الصخور القاسية على جعل إنسان هذه الأرض، يفقد يوماً بعد يوم، أجمل خصائصه التي أودعتها إياه تلك الطبيعة: طيبته ووداعته وسماحته وألفته وحبه ورحابته وحماسته وبساطته وانفتاحه. راحت هذه الصخور الجارفة، تهدد طبيعة الإنسان البحريني، كما فعلت قبلها بطبيعته الجغرافية (النخل والبحر) التي منحته هذه الخصائص. فهل ستنجح الصخور؟
كأن نخلتي مريم وحبّها تقول لمن سيدخل هذا البيت: لا تدع الصخور تنجح. كن نخلة. كن بحراً. ولا تسمح للصخرة أن تقتلعك أو تجرفك أو تردمك . لا تدعهم يفعلوا بك ما فعلوه بنخلة الوطن وبحر الوطن. إبق أنت كما أنت. كي لا يموت كل شيء. كي لا يموت الجمال الأخير في هذا الوطن !!
غداً.. قلب ''مريم ''

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro