English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ورطة الحوار في غياب المصالحة
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-04-07 14:19:54


أثناء زيارتي الأخيرة للبحرين، تداولتُ مع بعض الأصحاب عن الدعوات المطروحة للحوار الوطني والتي تكاثرت منذ أن طرح المنبر التقدمي في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي مبادرته لحوارٍ وطني شامل. وبطبيعة الحال، لم يخالف موقفي موقف الآخرين في ترحيبهم بالحوار. فهو مطلوب في كل وقت وبشأن أي موضوع ومع أيٍ كان وبأي شكل كان. فما بالك حين تتسارع الأوضاع انحداراً في غبٍّ سياسي وأمني لا قعر له .
ما قد يثير الاستغراب أن المبادرات الأخيرة أتت بعد أقل من تسعة أشهر على انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الثاني تحت شعار «الثوابت الوطنية فوق الانتماءات الطائفية» وبرعاية رسمية عبر معهد التنمية السياسية نفسه. ومعلومٌ أن ما يقارب خمسمئة من الناشطين والناشطات في الحقل العام وفيهم نواب وشوريون حاليون وسابقون شاركوا في ذلك المؤتمر علاوة على وزيرين ورئيس مجلس الشورى. ومع ذلك لم يتمكن المتحاورون من وقف التراجع الملحوظ ولا منع تفاقم الأزمة السياسة الأمنية. فما فائدة مؤتمرات الحوار إذا كان أقصى المطلوب منها هو تسجيل الحضور وتوثيق المواقف؟ نعم، من الواجب تشجيع التواصل بين الناس، إلا أن البحث عن حلول مؤقتة أو دائمة للأزمة الراهنة يتطلب أن تتفاوض الأطراف الفاعلة التي تملك قرارها. وعلى الأطراف الهامشية مهما كانت ميولها السياسية وارتباطاتها المصلحية أن تشجع تلك الأطراف الفاعلة في السلطة والمعارضة على الدخول في مفاوضات تعيد البلاد إلى مرَّبع المصالحة الذي كانت البلاد فيه غداة التصويت على ميثاق العمل الوطني .
لنفترض أن معجزة حدثت وصدرت موافقة رسمية على عقد مؤتمر ثالث للحوار الوطني، فهل يتوقع أحدٌ أن يتمكن من تحقيق ما عجز عنه مؤتمر الحوار الوطني الثاني في أبريل/ نيسان 2008؟ ليس هناك ما يشير إلى ذلك. فمن جهة لم تتغير معطيات ميزان القوى في البلاد. ومن جهة ثانية مازال الطرفان الفاعلان يرَيان أنهما قادران على مواجهة الآخر على حافة الهاوية من دون السقوط فيها .
لا أستهين بالنوايا الطيبة وراء هذه المبادرات رغم أنها تكاثرت لدرجة أننا صرنا في حاجة إلى مبادرة للتنسيق بين المبادرات. وبالمثل لا أعير انتباهاً إلى ما يقال إن هذه المبادرة أو تلك هي محاولة للحصول عن دور سياسي مفقود أو حتى حضور إعلامي خارج الهامش المقرر لهذه الجمعية أو تلك الجماعة. فليس مستغرباً أن تشِّب الجمعية عن الطوق، وأن تطالب بدورٍ أكبر مما ارتضته لنفسها حتى الآن. ثم من قال إن الضجيج الإعلامي ليس عملاً سياسياً مقبولاً حين تُسْتصعَب الخيارات الأخرى؟ من دون الانتقاص من القيمة السياسية والإعلامية لأيٍ من دعوات الحوار، فلقد اعتبرتُ المبادرة المنبرية أكثرها حظاً في النجاح لأسباب عدة ليس أقلها ما نعرفه عن حظوة تتمتع بها قيادة المنبر لدى طرفٍ في السلطة. ولعل في هذه الحظوة ما أسهم في إعطاء مبادرة المنبر زخماً إعلامياً امتد إلى أكثر من شهرين. أي إلى حين تداولت الناس أخباراً عن تراجع معهد التنمية السياسية عن فكرة المساهمة في «تفعيل مبادرة المنبر». وبهذا اتضح الموقف الرسمي وتبيَّن معنى صمت الجهات الحكومية وعدم ردها على الدعوات الموجهة إليها من قيادة المنبر للالتقاء بشأن مبادرة الحوار. لم يكن الموقف الرسمي مفاجأة للمتابعين. فمن المعلوم أن السلطة تعتبر أنها أسست منذ العام 2002 قنوات رسمية وغير رسمية للتواصل مع المجتمع وقادة الرأي فيه. وتشمل القنوات الرسمية المجلس الوطني بغرفتيه، علاوة على أجهزة السلطة القضائية بما فيها النيابة العامة والمحكمة الدستورية. وتشمل القنوات غير الرسمية ما يعرف بالمجالس المفتوحة والزيارات التفقدية. فإلى هذه القنوات المعتمدة الرسمية وغير الرسمية يحال جميع الراغبين في الحوار مع السلطة . ولم يشذ عن هذا النهج الثابت السنوات طوال العشر الماضية سوى جلسات الاستماع التي عقدها قبل خمس سنوات وزير العمل مجيد العلوي مع الجمعيات المقاطعة الأربع. إلا أن تلك الجلسات لم تكن جلسات حوار ولم يكن الوزير مخولاً بالتفاوض، ناهيك عن الاتفاق مع محادثيه. أقصى ما كان في استطاعة الوزير أن يقدمه كان بضع ساعات من وقته الرسمي أهدرها مستمعاً لشكاوى قادة المعارضة وهمومهم. نعم، لقد علَّقت المعارضة أمالاً كبيرة على تلك الجلسات، إلا أنها خرجت منها وهي أضعف مما كانت عليه قبلها .
لا أشك أن القيادات المتزاحمة على باب الدعوة إلى الحوار الوطني يعرفون تفاصيل الوضع الداخلي أكثر مما أعرف. وفوق ذلك فهم في قلب الميْدان يحفرون الصخر بصبرٍ وجلَد . ولهذا لا أفهم استغراب أخينا حسن مدن من الموقف الرسمي من دعوته الخيِّرة. صمتٌ في البداية ثم استنكاف. بل لا أفهم علامَ يعوّل حين ينتظر أن يتغير الموقف الرسمي بعد أن يتبين المُتطيِّرون بحسب قوله «أن الإصلاح، شأنه شأن أي شيء آخر، بحاجة إلى ترميم للحفاظ عليه». فلا يغيب على أحدٍ ما يروجه بعض الإعلام الذي لو صدقناه لقلنا إننا نخوض حرباً أهلية. والعياذ بالله. بل هناك من لا يصدق أن وراء أعمال الاحتجاج مطالب محددة وتظلمات. لن يغيِّر الانتظار مواقف المتشددين وقد سدَّوا آذانهم منذ عشرات السنين عن سماع مطالب الناس. ومن بين هذه المطالب ما تضمنته مداخلة أخينا عباس عواجي في ندوة العدالة الانتقالية أخيراً .
ومعلومٌ أن أبا بدر هو أحد أول خمسة مناضلين طبقت السلطة عليهم قانون أمن الدولة في أكتوبر/ تشرين الأول .1974 ورغم مرور خمس وثلاثين سنة مازال عواجي وأمثاله يبحثون عن الإنصاف فلا يجدونه . وتبقى الجروح غائرة في الأنفس. لا يحتاج أخونا عواجي ولا المحتجون في الشوارع والأزقة إلى جلسات حوار يتمخطر فيها هذا الوجيه أو ذاك القيادي. بل هم يحتاجون، كما يحتاج الوطن، إلى مصالحة حقيقية بين السلطة والناس توفر الإنصاف وتضمن المساواة وتكفل الحقوق .

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro