English

 الكاتب:

لميس ضيف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

استراحة الخميس ـ فقط.. لا تشخصْ بعيداً..
القسم : عام

| |
لميس ضيف 2009-03-22 15:26:08


اعتصم بركن من السجن واستغرق في نحيب من لا يرجو الرحمة.. مرَ عليه السجان مراراً ورثى لحال السجين الشاب الذي سيساق إلى المقصلة في صباح اليوم التالي.. لم يكن هو السجين الوحيد الذي سيعدم مع انبلاج الفجر؛ ولكن السجان تعاطف معه لصغر سنه ولعلمه ببراءته.. ففتح الباب عليه ونظر في عينيه وخاطبه بهيبة وسطوة من يملك المفاتيح :
اسمع يا هذا - قال له- هذه هي آخر لياليك على الأرض، وسأقدم لك عرضاً كريماً.. صعلوك من المساجين توفي الليلة.. إن استطعت الهرب قبل الفجر فسأبدله بك؛ وأقول إن الروع قد سبق المقصلة في خطف روحك ..!!
رفع الشاب عينيه مشدوهاً وعقدت الصدمة لسانه فلم ينبس.. أما السجان فقد التف وصفق الباب وراءه بعنف - خجلاَ- مما أظهره من رقة وعطف ..!!
حينها.. تزحزحت صخرة الأحزان الجاثمة على روح الشاب فركض إلى شباك السجن الفولاذي يهزه بقوة من ينازع للحياة.. فلما يئس من خلع القضبان طفق يحاول تحريك لبنات الحائط العتيق، ولكنه وجدها أقوى من أن تزلزل بساعديه النحيلين.. فكر في حفر نفق إلى خارج السجن ونبش التراب بكفيه فملأ السجن غباراً ..!!
فلما تسللت خيوط الشمس لعتمة الليل دخل السجانون ليسوقوا المحكومين إلى مصيرهم المحتوم؛ فلما فتح السجان الزنزانة على الشاب وجده وقد دفن رأسه بين ساعديه في هدوء المستسلم.. لم يصدق السجان عينيه ''لِمَ لمْ تهرب'' قال له السجان.. فرد الشاب وهو يهز رأسه بذُّلٍّ وهوان: جربت كل شيء.. حاولت كل شيء.. لم أفلح !!
فصرخ به السجان غضبان أسفاً: كيف لم تهرب؟! لقد تركت لك الباب مفتوحاً !!!
لا أذكر متى ومِمَّن سمعت هذه القصة.. ولكنها حفرت في ذاكرتي كالوشم الذي لا يزول.. فقد وجدت فيها عبرة ولا أعظم وأبلغ.. ففي هذه الحياة كثيراً ما نُشقي النفس بالبحث عن حلول منهجية ومخارج منطقية لمعضلاتنا ومشاكلنا.. بلا وعي أو إرادة نبحث عن أصعب الحلول ونتغافل عن أقصرها.. وأبسطها ..
كثيراً ما نشتكي للناس.. من مشاكلنا مع مسؤول.. قريب.. أخ.. صديق.. ابن أو شريك.. ونستبعد خيار أن نذهب إليه لنشكوه من نفسه.. نعبر للآخرين - غير المعنيين- عن عمق الضيق والجرح الغائر الذي سببه لنا هذا أو ذاك بحروبه المعلنة والباردة أو بإهماله أو باستخفافه بمشاعرنا، ولكنا لا نواجه - المعني- بالأمر وإن فعلنا فلا نواجهه بالصراحة والوضوح ذاته ..
يحب الواحد فلا يجرؤ على مواجهة من يحب بعواطفه.. يفضل الصمت.. انتظار لحظة مناسبة -قد- تأتي وقد لا تأتي.. ينكفئ على نفسه خاشياً الرفض.. رغم أن ألم الرفض كنزع الضمادة بينما ألم الترقب ولوعة الانتظار هي أقسى وأكبر ..!!
ولا عجب في ذلك.. فتكويننا العاطفي والانفعالي خديج ومعوق.. يجعلنا نتفحص الحلول الممتدة على مدّ النظر؛ ولا نرى ما هو ماثل بين أيدينا ..!!
رحيق الكلام: لا تعّجل بالابتعاد.. تلفَّتْ حولك.. فقد يكون الحل أبسط مما تتوقع.. أقرب مما تتمنى.. أسهل مما تتخيل ..
فقط .. لا تشخص بناظريك بعيداً

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro