English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التحريض وحدود حرية التعبير
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-01-13 21:01:09


نشرت صحفٌ محلية مقالاً بدون توقيع بعنوان ''التحريض'' ضمن سلسلة مقالات لإدارة الثقافة الأمنية في وزارة الداخلية[1]. يستحق المقال الاهتمام لعدة أسباب ليس أقلها تزامنه مع أخبار القضية المثارة حول اتهام أخينا عبدالهادي الخواجة بالتحريض على كراهية النظام. يبدأ المقال بتعريف فعل ''التحريض'' كما يفهمه الأمنيون. وهو تعريف تعميمي و فضفاض لا يتوافق مع فهم اجتماعي وسياسي لفعل التحريض[2]. بل أشك في إنه يصمد في مناقشة متكافئة مع قانونيين. رغم اختلافي مع ما جاء فيه فإنني أرى المقالَ مهماً لأنه يفصح عن نهج شائع بين طرف مهم من أطراف مجتمعنا. يعرِّف المقال ''التحريض'' بأنه ''خلق فكرة الجريمة وخلق التصميم عليها في نفس الجاني بأي وسيلة كانت''. مثل كل التعاريف غير العلمية فهو تعريف فضفاض وتعميمي يمكن أن يحوِّل عدداً من أنشطتنا اليومية الاعتيادية إلى جرائم رغم أننا نقوم بها بحسن نية. لنفترض أن صحفيةً كتبت مقالاً فضحت فيه فساد مسؤول في مؤسسة عامة أو دائرة حكومية. ولنفترض أن شخصاً مجهولاً قرأ ذلك المقال فانتابه الغضب أو الضيق فقام بكسر نافذة بيت ذلك المسؤول ولنفترض أن الشخص نفسه أو شخصاً آخرا أرسل إلى ذلك المسؤول رسالة يشتمه فيها. عندها ستكون الصحفية حسب قانون العقوبات البحريني شريكة في الجريمتيْن باعتبارها محرضة رغم أنها لم تقم إلا بواجبها المهني. بل إن قانون العقوبات البحريني يتشدد في تجريمها كمحرضة حتى ولوْ لم يترتب ما كتبته أي أثر. أي حتى لوْ لم يقم أحدٌ بكسر نافذة في بيت ذلك المسؤول أو بشتمه. وفوق ذلك كله ينبهنا المقال إلى أن قانون العقوبات البحريني لا ينص على تحديد وسائل التحريض بل تركها لتقدير المحكمة. فقد يكون التحريض كلاماً وقد يكون عن طريق النكتة وقد يكون بالإيماء.
يستحق المقال الأمني الانتباه لتبعاته خاصة في ضوء ما نشرته الصحافة حول استدعاء النيابة العامة لعبدالهادي الخواجة بسبب ما نسب إليه من أقوال. فرغم ما نعرفه من الصحافة أيضاً حول أن الخواجة رفض جميع التهم التي وجهت إليه وأكد رأيه حول ''ضرورة العمل السلمي ونبذ العنف''. ورغم أن أثراً لم يترتب على ما جاء في خطبته موضوع الدعوى فإن في مواد قانون العقوبات درجة من المطاطية تجعل من السهل إدانته بتهمٍ عدة بما فيها ''التحريض''.
أقول لولا مطاطية المواد القانونية التي تستند إليها وزارة الداخلية لما ترددتُ في مديح قيامها بإحالة القضية إلى النيابة العامة. ولولا هذه المطاطية لكان ممكناً اعتبار إحالة القضية إلى القضاء تطوراً إيجابياً. فمن الأمور الاعتيادية التي تحصل حتى في مملكة مثل السويد، مثلاً، أن يقول إنسان رأياً يعتبره آخرون متحاملاً أو مهيناً فيرفعون شكوى إلى الجهاز القضائي عبر النيابة مطالبين برفع الضرر أو جبره. فتقوم النيابة العامة بالتحقق من وجاهة الشكوى والتحقيق فيها. فإن أطمأنت إلى تلك الوجاهة واطمأنت إلى أن الرأي المُشتكى منه لا يندرج تحت حرية الرأي المقدسة والمكفولة بأحكام الدستور وبشرعة حقوق الإنسان أحالت الأمر كله إلى القضاء. بعد ذلك يتولى القضاء على اختلاف مستوياته النظر في القضية. وتأخذ إجراءات العدالة مجراها حتى تصل إذا ما أصّرت الأطراف المعنية إلى المحكمة الدستورية أو ما يوازيها. بل وقد يصل التقاضي كما هو الحال في الإتحاد الأوروبي إلى ما هو أعلى من ذلك.
دعونا من كلمة ''التحريض'' الآن. ولننظر للموضوع من زاوية أخرى. فأمام النيابة العامة والقضاء البحريني أن يجيبا على سؤال محدد هو: ما هي حدود حرية التعبير عن الرأي في البحرين؟ فهذا هو جوهر القضية. فلا يوجد حسب علمي توافق حول جواب هذا السؤال الحيوي. نعم نعرف جواباً سائداً مما ينشره هذه الأيام الإعلام الرسمي والقريب منه. لكننا نعرف أيضاً أن هذا الجواب السائد يستند إلى أعراف وممارسات تمأسَسَت في حقبة أمن الدولة. ما سنراه في الفترة القادمة هو إجابة النيابة العامة ثم إجابة القضاء بمختلف مستوياته على ذلك السؤال الرئيس.
على مستوىً آخر يحتاج الفاعلون في المجتمع المدني إلى التعاطي مع أسئلة رديفة. أليس من حق صاحب الرأي المخالف أن يعلن رأيه؟ أليس من حقنا أن نعلن اختلافنا أو اتفاقنا مع ذلك الرأي؟ أليس من حق المتضرر أن يشتكي إذا ما تضمن الرأي قذفاً أو كذباً صُراحا؟ على هذه الأسئلة أيضاً سمعنا أجوبة متعددة ومتباينة في السنوات الثماني الماضية. فلعل الوقت قد حان لإعادة النظر فيها.
ما قرأتُه حتى الآن يشير إلى أن النيابة ما تزال في مرحلة استكمال تحرياتها وإعداد ملف القضية. إلا أن الوقت لن يطول قبل إحالته إلى القضاء. وليس في هذا من ضرر في الدول الدستورية التي تضمن دساتيرها استقلال القضاء فيها. إلا أنه لا بد من ملاحظة عددٍ من السلبيات. فرغم إن النيابة لم تستكمل تحقيقاتها فلقد شهدنا للأسف حملة تجريم من خارج القضاء ضد عبدالهادي الخواجة. بل إن صحفاً لا تجد حرجاً مهنياً أو أخلاقياً في نشر أخبار عن الرجل دون الرجوع إليه للتعليق عليها نفياً أو إثباتاً. وللأسف الشديد يشارك في هذه الحملة إعلاميون من مختلف المستويات ونواب بل ورؤساء جمعيات سياسية[3]. ما يثير الحزن أننا لا نعرف الآن هل يكتبون ما يكتبون بصفاتهم المدنية أم بصفاتهم الوظيفية الرسمية؟
ما شهدناه منذ العاشر من محرم هو حملة تجريم جماعية خارج إطار القانون لصاحب رأي مخالف لمجرد أن بعضنا لا يتفق معه. استند بعض التجريم لما قيل عن رغبة الخواجة في تقمص دور البطل أو اتهامه بأن له أجندة خاصة بافتراض أن الأجندة الخاصة جريمة في حد ذاتها. بدلاً من استمرار حملة السباب والشتائم أليس من الأفضل أن يقوم عقلاء القوم بترشيد صغارهم وإقناعهم بأهمية انتظار معرفة الحدود التي سيرسمها القضاء لحرية الرأي في البحرين ما بعد الميثاق؟

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro