English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العمل التطوعي ذلك العلاج الناجع
القسم : عام

| |
سبيكة النجار 2009-01-02 03:28:28


منذ سنوات عدة نشرت مجلة نسائية خليجية مشكلة لقارئة من المغرب وطلبت من القراء المساهمة في حلها . وتتلخص مشكلة القارئة في أن الله حباها بكل وسائل الحياة الهانئة والمريحة، فهي تتمتع بقدر كبير من الجمال وتزوجت من رجل ميسور يناسبها في السن والميول ويحبها لدرجة العبادة ولا يألو جهداً في توفير سبل الراحة والسعادة لها. ورغم كل ذلك كانت تلك السيدة تشكو من الملل القاتل في حياتها. وقد ناقشت الأمر مع زوجها فتوصلا إلى ضرورة أن تشغل نفسها بعمل ما. وبعد البحث والتقصي هداهما تفكيرهما إلى أن تدخل الزوجة في عالم الأعمال، فافتتحت محلاً لبيع الملابس النسائية. تقول إن المحل شهد ويشهد إقبالاً منقطع النظير من النساء إلا مللها كان يزداد لدرجة أصبح يهدد حياتها وعلاقتها بزوجها. تذكر تلك السيدة حادثة وقعت لها عندما تعطلت سيارتها الفاخرة أمام كوخ في أحد الأحياء العشوائية المنتشرة في المغرب. وهناك هب أفراد إحدى الأسر لمساعدتها؛ كما قاموا باستضافتها في منزلهم المتواضع وشاركوها في طعامهم الذي لا يكاد يكفيهم من دون أن يطلبوا مقابلاً على عملهم هذا، بل إن رب الأسرة رفض بشدة المبلغ الذي حاولت أن تعطيه إياه. وقد تعجبت السيدة من السعادة البادية على وجوه تلك الأسرة رغم الفقر المدقع الذي يعيشونه وقارنت حياتها بحياتهم فازدادت تعاسة على تعاستها. وها هي تطلب من قراء المجلة تخليصها مما تعانيه .
لطالما خطرت على بالي تلك الواقعة وأنا أسمع قصصاً مشابهة لنساء أعرفهن يعانين من الملل رغم ظروف معيشتهن المريحة. من بين تلك السيدات مدرسة تربطني بها علاقة عائلية بعيدة، فبعد سنوات من العمل اختارت أن تتقاعد وهي في أوج قوتها وعطائها. ويا ليتها لم تفعل حسب ما قالت، فهي الآن تشعر بالملل والعزلة فقد كبر الأبناء وكل واحد يعيش حياته أما هي فإنها تعيش بين الجدران الباردة للبيت وحالتها قد تودي بها إلى الكآبة إن لم تكن كذلك . موظفة أخرى حباها الله هي الأخرى بزوج عطوف ومخلص وأبناء متميزين وأسرة ممتدة ومترابطة إلا أنها تشعر بالملل والرتابة في الحياة؛ حيث تنحصر أيامها بين الوظيفة وممارسة مسؤولياتها كربة بيت وأم وزوجة ثم الزيارات العائلية الأسبوعية ما بين منزل أهل زوجها وأهلها. وتخشى تلك السيدة أن تؤثر الحالة التي تعيشها على أسرتها .
لقد أثارتني مشكلة السيدة المغربية ووجدت نفسي أكتب لها عن الحل الناجع حسبما كنت اعتقده آنذاك. قلت لها إن الملل يقود إلى مزيد من الملل، والكآبة تؤدي إلى مزيد من الكآبة التي قد توقع صاحبها في براثن مرض الاكتئاب. وأن الحل في يدها. وهذا ما سأوضحه في الأسطر التالية عل كلماتي تصل لأولئك الذين يعانون مثلها. تنحصر حياة تلك السيدة والسيدتين الأخريين وغيرهن الكثيرات في تركيزهن على ذاتهن. فرعاية الزوج والأبناء أو زيارات الآباء والإخوان كلها أمور تشبع ذاتية الفرد وتلبي حاجة أنانية في نفسه. وهي على أهميتها لا تكفي لأن يشعر الإنسان بالرضا عن النفس. وحتى متجر الملابس الذي افتتحته صاحبة القصة الأولى كان محاولة أنانية منها للخلاص من مللها . هؤلاء قوم لا يرتبطون بالمجتمع بالمعنى الواسع للكلمة. ولا يعني لهم ما يجري فيه من تغييرات إيجابية كانت أم سلبية. ولا يؤمنون بأية قضية ولا يحاولون المشاركة في حلها طالما كانوا هم وأسرهم بعيدين عن تأثيراتها. قد يقول قائل إن ذلك لا ينطبق على حالة المدرسة التي كانت تؤدي دوراً في خدمة المجتمع وهو تعليم الجيل المقبل وتربيته . وهذا صحيح إلى حد ما. فتلك المدرسة كانت تمتلك نافذة وحيدة تطل منها على المجتمع وعندما أغلقت تلك النافذة بتقاعدها وابتعادها عن الأجواء المدرسية انقطعت صلتها بمجريات الأحداث العامة فوقعت فريسة للملل .
أهمس في أذن كل سيدة ألا تستجيب لدعوات التقاعد المبكر التي يروج لها البعض. فهذه الدعوات مصيدة تهدف إلى عزل النساء. فالمرأة تحتاج وقتاً لرعاية أبنائها عندما يكون أبناؤها أطفالاً صغارا وفي حاجة إلى الرعاية المباشرة. وفي هذا العمر لا تجد مؤسسات تساعدها في مهمتها أو تتيح لها العمل الجزئي. وعندما يكبر الأبناء تقل الحاجة لرعايتهم المباشرة وبالتالي يكون التقاعد نافذة للعزلة إن لم يستعد له المرء ويخطط حياته المستقبلية على أساسه .
من هنا تحتاج المرأة خصوصاً قبل إقدامها واتخاذها قرار التقاعد المبكر أن تحدد أهدافاً لحياتها المقبلة وتعرف كيفية تحقيقها مع الحرص على أن ترتبط بالمجتمع من أوسع أبوابه؛ وذلك عبر الانضمام لصفوف المتطوعين؛ وما أكثر الجمعيات المنتشرة في بلداننا والتي تتطلع لانضمام أعضاء جدد في صفوفها. إن العمل التطوعي لا يعني نكران الذات كلياً ولا إهمال المسؤوليات الأسرية؛ ولكنه الدواء الناجع للإحساس بالرضا عن النفس وتقدير الذات؛ إلى جانب كونه وسيلة لاستمراء عطاء المرء ومساهمته في تنمية مجتمعه. فعطاء الإنسان بهذه الصورة لا ينقطع بالتقاعد بل يستمر مدى الحياة .

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro