English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الطائفة الثالثة في البحرين
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2008-12-27 02:47:09


التاريخ يعيد نفسه..الموالي في دول الخليج:   السياسات التي مورست في عهد الدولة الأموية تجاه المسلمين الجدد من الأصول غير العربية في عمومها كانت شبيهة بالتي مورست في دول الخليج العربية التي تحكمها القبائل العربية تجاه النازحين من الساحل الفارسي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولذلك من المفيد استعراض تاريخ الموالي بشكل من التفصيل معتمدين على رؤية المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي". لقد كان اسم "الموالي" يطلق في العصر الأموي على جميع الذين أسلموا من غير العرب. ولما كانت القبائل العربية قد تفرقت في البلدان كجند للفتح فإن ما بقي منها في المدينة و في الكوفة والبصرة كانوا إما مجندين أو "متقاعدين" في حكم المجندين، فكانوا يعيشون جميعا في إطار "القبيلة" من الغنيمة عطاء وخراجا، وهكذا تضافر عنصر الثروة مع مخيال "القبيلة" ليكون الناتج سلوكا أرستقراطيا- قبليا قوامه النظر باستعلاء إلى هؤلاء "الموالي" الذين (( جاءهم العرب بالسلام لينقذهم من الظلمات ويخرجهم إلى النور)). ويؤكد الجابري بان هؤلاء الموالي من الناحية العملية والشرعية كانوا أحرارا، ولكنهم من الناحية العملية الفعلية الواقعية، لم يكونوا يعتبرون في مرتبة واحدة مع العرب، لقد كان هناك تمييز اجتماعي وحواجز سياسية، لدرجة أن الجابري يشبه الوضع بالخدم في المنازل اليوم!! خاصة الخدم "الآسيويين" في الخليج. -  لقد كان رجال الأرستقراطية القبلية لم يكونوا يزوجون بناتهم للموالي، تماما مثلما الحادث اليوم وفي الألفية الثالثة ! -  السلطة الأموية لم تكن تعينهم في مناصب القضاة – إلا نادراً – فما بالك في المناصب السياسية. -  سادت أنواع من السلوك الأرستقراطي الذي دفع بالموالي إلى مرتبة دنيا على مستوى المعاملات الاجتماعية، يكشف ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" (( إذا مرت جنازة قال: من هذا ؟ فان قالوا: قرشي، قال: واقوماه. وإذا قالوا:عربي, قال: وابلدتاه. وإذا قالوا: مولى، قال: هو مال الله يأخذ ما يشاء ويدع ما شاء)) -  كانت الأرستقراطية القبلية زمن الأمويين - كما هو شأنها دومــا-       (( تحتقر الصناعات والمهن اليدوية وتعدها من عمـــــل الموالي وحدهم. )).(( نعم، إنهم يكسحون طرقنا ويخرزون خفاقنا ويحوكون ثيابنا))" المصدر السابق". وهو ما نشاهده في الأسواق الخليجية حيث هيمنة الهولة والعجم على المهن اليدوية كالخياطة والمخابز والبيع بالتجزئة، وذلك قبل إغراق السوق بالعمالة الأجنبية الوافدة من شرق آسيا وقبل تأسيس القطاعات المصرفية والخدمية الجديدة. -  كانت القبائل العربية ترى بان العلم والتفقه في الدين ليس مما يليق بالقرشي وهو من "أشراف" القبيلة، كانوا يقولون " ليس ينبغي لقرشي أن يستغرق في شيء من العلم إلا علم الأخبار" أي أخبار العرب وأيامهم وحكاياتهم، وهذه السمة ما زالت منتشرة في صفوف العرب والمستعربين حيث يسيطر عليهم البحث عن جذورهم وأنسابهم لدرجة أن البعض يوصل جذره العائلي إلى النبي آدم!!. -  بينما كانت أرستقراطية "القبيلة" تعيش من "الغنيمة" وتجمع من الفيء والعطاء ثروات هائلة وتحيا حياة بذخ وترف كان الموالي محرومين من أي نصيب في "الغنيمة" حتى ولو شاركوا في الفتح جنوداً، لقد كانوا يعيشون على العمل في المهن والبيوت والفلاحة والتعليم.( وهي نفس الحالة إبان الطفرة النفطية واستفادة القبائل العربية المتحالفة مع الأسر الحاكمة في الخليج وكذلك بعض العوائل الكبيرة من الريع النفطي- مع استثناءات لبعض العوائل الهولية والعجمية التي تعاونت مع هذه الأسر ومع الاستعمار البريطاني في القرنين الماضيين!!) -  ويبدو أن الموالي أدركوا منذ وقت مبكر أن المجال الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يكسبوا منه مرتبة اجتماعية محترمة وبالتالي نوعا خاصا من "السلطة" هو ميدان " العلم " وهكذا انكب كثير منهم على الفقه في الدين وجمع أخبار النبي وأحاديثه، ولم يمر وقت حتى أصبح هؤلاء بارزين في العلم خصوصا بعد انقضاء جيل الصحابة، يذكر ياقوت الحموي في معجمه " انه لما مات العبادلة: عبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي" واخذ يستعرض فقهاء مكة واليمن واليمامة والبصرة والكوفة والشام وخراسان فوجدهم جميعا من الموالي، إلا المدينة التي كانت ما يزال فقيهها عربيا وهو سعيد بن المسيب. وما حدث في ميدان الفقه حدث في ميدان اللغة والأخبار والمغازي والتاريخ حيث كان الموالي هم مبدعي هذه التخصصات. -  إن هذا التطور النوعي في صفوف الموالي رافقه تطور كمي هائل مما جعلهم يصبحون قوة اجتماعية تضايق الأرستقراطية القبلية وتهددها، لذلك فكر بعض الزعماء العرب كمعاوية بن أبي سفيان بقتل بعضهم حيث قال " إني رأيت هذه الحمراء (الموالي) قد كثرت واراها قد طعنت على السلف، وكأني انظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رأيت أن اقتل شطرا وادع شطرا لإقامة الأسواق وعمارة الطريق"(ابن عبد ربه، نفس المرجع). -  لقد شارك الموالي في جميع الثورات وحركات المعارضة في عهد الأمويين كحركة الخوارج وثورة ابن الأشعث، لذلك مارس الأمويين سياسة "ليبرالية" اتجاههم خاصة لمن كان يعارضهم فقط بالقول دون حمل السلاح. -  أمام ازدياد دور الموالي في الحياة العامة واصلوا اختراق "القبيلة" إما بالتحالف والموالاة طلبا للمكانة الاجتماعية وإما بواسطة دورهم كـ"خبراء" في التجارة والصيرفة والأعمال الحرة، كما برز منهم نخبة في مجال الفكر والدين والسياسة، والتحق كثير منهم ببلاط الخليفة وحاشية الأمراء وسلك الموظفين، وحاولوا التأثير في سياسة الدولة. -  لقد أصبح بالتالي " انتلجنسيا" العصر آنذاك هم من الموالي الذين جعلوا من علم "الكلام" وسيلة لممارسة السياسة بواسطة "العقيدة" ضداً على " القبيلة" وأيديولوجيتها، فقادوا بذلك حركة تنويرية عكست بوضوح ذلك الصراع الذي خاضته القوى الاجتماعية الصاعدة المضطهدة ولكن الطموحة والتي كانت تتألف أساسا من الموالي، حركة تنويرية استطاعت بالفعل أن تخترق سياج القبيلة وتؤثر في جانب من أرستقراطيتها وتستقطب بعض زعماء القبائل من داخل التحالف القبلي الأموي ذاته، بل أنها استطاعت أكثر من ذلك أن تفسح المجال لقيام تنظيمات ثورية بعضها فشلت وبعضها حققت نجاحا منها ذلك الفصيل الذي قاد باسم "العقيدة" ثورة عارمة على "القبيلة" ونظام حكمها: الثورة العباسية. -  ومع كل ذلك لا بد من القول إذا كان هذا المجال السياسي مجالا مورس فيه نوع من الضغط السياسي فانه لم يكن في يوم من الأيام مجالا يصنع فيه القرار. لقد بقيت "القبيلة" وهي صاحبة "الأمر" والدولة طوال العصر كله، غير أن القبيلة في ذلك العصر كما في العصور الأخرى ليست سوى إطار تنظيمي و"طبيعي" لا يقوم بدوره كمحدد في الممارسة السياسية والعقل السياسي إلا بتحريك من " الغنيمة" وبحضور نوع من" العقيدة"!!( للمزيد من التعمق والتحليل انظر: كتاب الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، حيث تم اقتباس الفقرات السابقة منه وبتصرف) ويتوضح من هذا التشخيص المفصل للسياسة الأموية تجاه المسلمين من غير الأصول العربية بان كثيراً من هذه الممارسات والسياسات قد مورست في دول الخليج العربية بحذافيرها!! تجاه الهولة والعجم. فعلى الصعيد الثقافي والأدبي والفكري وكذلك على الصعيد التجاري والاقتصادي برزت هذه الفئة وأبدعت وكان تأثيرها ملموسا على أصحاب القرار الرسمي بجانب تأثيراتها على الصعيد الشعبي. وضمن هذا السياق التاريخي كان الهولة ينتقلون في دوائر الهوية الجمعية للبحرين، فمنهم من ارتبط بالقبيلة ضمن الدائرة الثانية ومنهم من انخرط في الدائرة الوطنية مع القوى الوطنية التي كانت تناضل من أجل كسر واضعاف الدائرة الثانية لصالح الدائرة الثالثة الوطنية وأحيانا كثيرة القومية.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro