English

 الكاتب:

علي ربيعة

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الأزمة المالية من منظور مختلف «2»
القسم : سياسي

| |
علي ربيعة 2008-12-12 02:25:22


. بعد الحديث عن الرأسمالية الليبرالية أو الاقتصاد الحر والعولمة في القارة الأوروبية والولايات المتحدة، نأتي الآن للحديث عن انعكاس هذا النظام الاقتصادي على النظام السياسي أو ما يطلق عليه الليبرالية السياسية الجديدة .
ساد الاعتقاد الواسع بأنه في النظام الرأسمالي تصبح السلطة بيد البرلمانات المنتخبة أو الرؤساء المنتخبين الذين طالما نسمع بفوزهم واستلامهم السلطة. لكن هذا الاعتقاد لم يعد صحيحا في ظل هيمنة الرأسمالية على النظام السياسي. في كتابه المعنون باسم الديمقراطية الرأسمالية في بريطانيا الصادر العام 1982 يقول رالف ميليبند Ralph Miliband أن تمسك السياسيين بالديمقراطية لا يعكس القناعة بممارساتها ومداولاتها، ولكنها محاولة لممارسة تأثيراتها .
ما تقبله الرأسمالية هي الإجراءات الديمقراطية المحدودة والمختارة بعناية فائقة وأنها في بعض الخواص مرغوب فيها أما يتجاوز هذه الحدود والخواص فهو ليس مقبول. معنى هذا أن النظام السياسي برمته أصبح مجير لصالح الطبقات المسيطرة على الاقتصاد .
في هذا النظام المعولم اكتشفت الأحزاب الليبرالية أن حكوماتها المنتخبة لم تعد تمثل مصالح الشعوب، وأنها بدلاً من أن تدير الرأسمالية أصبحت الرأسمالية هي التي تدير الأحزاب وتسيرها لخدمة مصالحها، وهذا ما أدى بطبيعة الحال إلى حدوث الكوارث الاجتماعية .
مع انتهاء الحرب الباردة وتحوّل العالم إلى نظام القطب الواحد بدأ العد التنازلي لمجتمع الرفاه Welfare State حيث بدأت الحكومات الغربية في تطبيق نظام الخصخصة فتم تحويل المؤسسات العامة والخدمية إلى مؤسسات رأسمالية ربحية. رافق ذلك ارتفاع نسبة العاطلين بسبب فتح الأسواق أمام تدفق العمالة الرخيصة من أوروبا الشرقية وغيرها وتحويل بعض الاستثمار إلى الأسواق الخارجية. وهذه الظاهرة هي ما أطلق عليها أنتونيو جرامشي إعادة ترتيب السلطة وعلاقتها بعامة الجماهير حيث يتم فرض نفوذ الطبقة المسيطرة باستخدام القوة او بإعادة اختراع الأدوات التي تعمل على استبعاد عامة الجماهير من ممارسة أي نفوذ على المؤسسات المالية والاقتصادية .
في مثل هذه العلاقة الجديدة للسلطة أضحى البرلمان (في أحلى صوره) مجرد غرفة للنقاش، حيث يقوم ممثلو مختلف الطبقات بالتعبير عن آرائهم الخاصة واستخدام أفكارهم بهدف رسم صورة لما سيكون عليه المجتمع. أنه بإمكان غرفة النقاش أن تعمل على توفير الوسائل أو الأدوات الكفيلة بحشد الناس ضد هذه الأنظمة، لكنها لا تمتلك القدرة على قلب هيكلية السلطة التي باتت متجسدة في النظام الرأسمالي .
تجري الانتخابات وتفوز الأحزاب، لكن يبقى النظام يحافظ على سيطرته من خلال امتلاكه إدارات الجيش والمحاكم ومؤسسات الأمن والاستخبارات والخدمة المدنية. فأصحاب الثروة والمحسوبين عليهم هم في أعلى السلطات الادارية ويحتلون وظائف الخدمة المدنية المهمة وقد تم تدريبهم على تلقي الأوامر من مسؤوليهم خارج الأحزاب وعليهم تطبيق وتنفيذ السياسات المرسومة بحذافيرها بعيداً عن تأثير النواب المنتخبين .
في هذا الوضع المالي والاقتصادي أصبحت المؤسسات الاقتصادية والمالية بعيدة عن المحاسبة الديمقراطية والتدقيق الشعبي في الوقت الذي تم فيه السماح للرأسمال بالدخول والخروج بحرية وبدون قيود. إلى ما قبل العام 1998 كنت من الذين يجهلون حقيقة وجود تلك الحكومات الخفية إلى أن فجرها لي النائب البريطاني ستان نيوونز Stan Newans أثناء لقاءاتنا معه في نفس هذا العام. لم يكتفِ النائب بالحديث عن وجود الحكومة الخفية بل أنه أذهلني بالقول أنهم كأعضاء في حزب العمال موضوعين بشكل دائم تحت رقابة الاستخبارات البريطانية (Scotland yard) حتى أثناء فوزهم وتشكيلهم الحكومة. لقد كانت هذه المعلومة بمثابة الصدمة بالنسبة لي وأنا الذي كنت أتصور أن ديمقراطية وستمنستر لا حدود لها في التغيير وفي اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، وأنها هي النموذج الذي يحتذى به في تطبيق سيادة الشعب على مقدراته الاقتصادية .
وما يصدق على بريطانيا يصدق على بقية دول العالم الرأسمالي حيث ان الانتخابات لا تستطيع تغيير طبيعة الدولة حتى ولو كان الرئيس يساريا وأغلبية النواب من اليسار. ذلك أن جنرالات الجيش ومؤسسات الشرطة والقضاة يبقون في أماكنهم لحماية أصحاب البنوك والشركات العملاقة ويظل المجتمع يسير وفق النهج النظام الرأسمالي. أن هذه البرلمانات لم تعد قادرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية المؤثرة من مثل رفع الرواتب ونوع الإنتاج الذي سيتم إنتاجه ومن الذي يحتل الوظائف الإدارية .
هذه النظرة التشاؤمية حيال ما يدور في عالم اليوم ليس هي دعوة للكفر بالبرلمانات ومقاطعها فالبرلمانات الغربية لا زالت تتمتع بحجم لا بأس به من الصلاحيات وهي ستظل النور الذي يضيء الطريق للشعوب لممارسة السياسة والتي عن طريقها يتم التعرف على توجهات المجتمع .
فالبرلمان في أوروبا سيظل المكان المناسب لمعالجة مشاكل الناس الاجتماعية وأنه سيبقى مقياسا للتعبير عن رغبة الشعوب في التعبير عن قضاياها. فجورج جالوي الذي تم انتخابه في البرلمان العام 2005 كممثل عن حزب احترام Respect اغتنم فرصة انتخابه لتوجيه النقد اللاذع للحرب الامبريالية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق ونجح في نقل هذه المعركة داخل مجلس الشيوخ .
مثال آخر هو النائبة من ايرلندا الشمالية بيرناديت دفلن Bernadette Devlin التي استخدمت انتخابها في ادانة القمع الممارس ضد الايرلنديين من قبل بريطانيا .
في مثل هذه الأزمات الاقتصادية يحتدم الصراع ويأخذ أشكالا مختلفة ومنها ما أطلق عليه أنتونيو جرامشي الصراع الطويل من أجل تغيير المواقع الاقتصادية. يقول جرامشي أنه في هذا الصراع تدخل الاتحادات العمالية في معاركها ضد خفض مشاريع الرعاية الاجتماعية وتقوم بتشكيل الحملات ضد العنصرية وتباشر في استخدام الاضرابات والحملات الانتخابية .
لكنه لو كان جرامشي حيا وعاش مرحلة العولمة الاقتصادية لشاهد صعوبة واستحالة خلق التنظيمات العمالية القوية القادرة على تحدي السلطة كما كان عليه الوضع قبل ثلاثين عاما .

المراجع :
*
الثورة في القرن الحادي والعشرين لكرس هارمن
*
سياسة الهيكلة المالية الدولية الجديدة لسوسان سودربرج

-
برلماني سابق وناشط سياسي

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro