English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

صناعة الإعلام
القسم : عام

| |
عبدالله جناحي 2008-12-06 14:44:41


أعلن قبل اسابيع وفي عهد الوزير السابق للاعلام عن إستراتيجية الإعلام التي ظهرت فجأة وقبل بلورة الرؤى المجتمعية بشأنها ، والإستراتيجية الإعلامية حسب مفهومي المتواضع من المفترض أن تشتمل السياسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والأمنية والتنموية والسياسية وغيرها، ولابد لأية إستراتيجية ناجحة أن تشتمل كل هذه المحاور التي بحاجة إلى مختصين يصيغون برامج خاصة لكل سياسة وآليات واقعية وعملية للتنفيذ من جهة (ما هو كائن) وآليات ضرورية ولازمة (ما ينبغي أن يكون).
هذه نقطة توضيحية ضرورية قبل التطرق للإستراتيجية الإعلامية المطلوبة على صعيد التوجه أو الانكشاف على الخارج حيث يركز هذا المقال عليه.
وبحكم اهتمامي المتواضع للبعد الاقتصادي والتنموي في إستراتيجية الإعلام الخارجي فإنني سأحاول المشاركة بالرأي في هذا المجال.
فمن المعلوم أن الإعلام والاتصال أصبحا اليوم في عدد من المجتمعات الصناعية المتقدمة النشاط الرئيسي الذي يمثل الجانب الأكبر من الناتج القومي، وإن صناعات الاتصال والإعلام تكتسب الآن في بعض البلدان وزناً اقتصادياً يصل إلى حد أن تصبح الصناعات الغالبة وأن تحل محل الصناعات الثقيلة والتحويلية، حتى أن البعض يرى إن اقتصاد القرن الحالي سيكون اقتصاداً قائماً أساساً على المعلومات، وأن المعلومات في سبيلها إلى أن تصبح المورد الرئيسي الذي ينتظر أن يؤدي دورا أكثر حسماً من دور المواد الأولية التي يوجد معظمها في الدول النامية، وهو مورد يختلف عن البترول مثلاً من حيث كونه مصدراً لا ينضب.
هذا هو البعد الأول الذي لابد أن نضعه أمامنا ونحن نناقش هذه الإستراتيجية، وهو البعد الذي يقول لأصحاب الشأن ما هي المتطلبات والمستلزمات والإستراتيجيات المطلوبة للتوجه نحو هذا الهدف، وهل مؤشراتنا الاقتصادية تشير إلى تحول ما صوب المعلوماتية والاتصالات كصناعة مستقبلية أم إننا سنتعامل معها كتعاملنا مع النفط في بدايات القرن الماضي، مجرد منطقة تفتح أحضانها للشركات النفطية وتأخذ ريع ثروتها الطبيعية ولعقود من الزمن، وإذا كانت الظروف الموضوعية القهرية (الاستعمار والتخلف) هي المعوقات التي منعت من السيطرة الوطنية على الثروة النفطية آنذاك فإن هذه الظروف انتفت ـ ولو ظاهرياً ـ في هذه المرحلة وبالتالي فمن المفروض أن تمتلك المنطقة إرادتها وتتسلح برؤيتها الخاصة اتجاه هذا البعد...
ومتطلبات هذا البعد تبدأ بالتفكير في تأسيس وبناء “القاعدة المولدة للتقدم”، وهناك تجارب عالمية عديدة من الممكن الاستفادة منها لتطبيق هذه المقولة كتجربة الهند، فهذه الدولة وبعد محاولات عديدة من الفشل والنجاح وصلت إلى مرحلة الإسهام في مجال الصناعات الفضائية الثلاثة، تصميم الأقمار وتصنيعها وإطلاقها، ومهما كانت هذه الأقمار صغيرة وطاقتها محدودة قياساً لأقمار الدول الكبرى، إلا أنها بدأت من قاعدة علمية ولدت وستولد التقدم الإعلامي مستقبلاً.
أما البعد الأخر المرتبط بمرحلة التأسيس قبل التفكير في التوجه الإعلامي الخارجي هو وجود بنية معلوماتية مبنية على أسس علمية، فمن المعلوم إن اقتصاد المعلومات يعتمد على نظام هائل ومعقد قائم على الأقمار الصناعية وشبكات الكابلات والألياف الضوئية والحاسبات الالكترونية ومحطات إرسال الراديو والتلفزيون، وطاقة هذا النظام تكمن في القدرة على جمع المعلومات والبيانات وتصنيفها وتخزينها واسترجاعها وبثها بأكبر كميات ممكنة، وأكثر سرعات ممكنة وعبر أبعد مسافات ممكنة وبين أضخم عدد ممكن من المستهلكين، وهذه العمليات الضخمة والمعقدة تؤدي إلى أن المتعاملين مع بعض أطرافها فقط لا يعلمون كننها تماماً ولا يدركون كيف تعمل ولا من الذي يمسك بخيوطها، وفي الواقع فإن هذه الخيوط تتجمع في أيدٍ قليلة هي تلك الأيدي التي صنعت هذه الشبكات والتي تشرف على تشغيلها وهي التي تحالفت وارتبطت بالسلطة فأصبحت المعرفة والسلطة في علاقة توثيقية قوية.
إن هذا البعد الخفي لابد من استيعابه حتى تكون أهداف الإستراتيجية المطلوبة على بينة من مغزى وأهداف المعلومات المرسلة من تلك الشبكات وتأثيراتها الفكرية والسلوكية والسياسية، ومن جانب آخر استيعاب أهمية التأثير والتأثر، أو التقليد والإبداع عندما يتم تنفيذ الإستراتيجية، تقليد ما هو موجود وخاصة الناجحة منها بدون فحص ودراسة واستيعاب لمغازيها وأسرارها أو إبداع ما هو مفروض أو مطلوب إنتاجه للعالم.
بالطبع فإن كل ذلك يحتاج إلى توفير ما نفتقدها في الوقت الراهن من ضرورات أهمها:
1 – الإمكانيات البحثية والقوى البشرية القادرة على التعامل مع تكنولوجيا الاتصال الحديثة، فمن الواضح إن الاعتمادات المخصصة للبحث لازالت في حدها الأدنى أن لم تكن مختفية من موازنات البلاد.
2 – تثوير التعليم الذي مازال تعليماً عاماً وأهمية أن تكون مخرجاته مؤهلة للعصر الجديد.
3 – التفكير وبجدية للانتقال من مرحلة الشراء إلى إنتاج بعض الصناعات كأجهزة الاستقبال للتلفزيون مثلاً، إقامة صناعات للأفلام الخامة ـ الشرائط الصوتية ولا نقول المرئية ـ الأحبار للمطابع، صناعة الورق.
4 – إعطاء الأفراد دوراً أكبر، كمجموع أو تحويلهم من مستقبلين ومستهلكين إلى شركاء حقيقيين في صنع القرار التنموي أو غير التنموي ومنها الإعلامي، فمن المعروف إن دول عربية قد أخذت شكل الدولة الشمولية بغض النظر عن طابع نظامها السياسي، وفي الدولة الشمولية يعدم دور الأفراد في صنع القرار، ولأنها تستخدم الإعلام ووسائله كأحد الأدوات التي تضاف إلى ترساناتها من أسلحة السيطرة، لذلك فإنها تحتكر القرار بشأن صناعة وسائل الاتصال والإعلام وملكيتها وأنماطها وحتى توزيعها، وهذا ما يؤدي إلى انتفاء المنافسة والتحدي والتجديد والإبداع، والنتيجة أو المحصلة هي جمود نمط الإنتاج الإعلامي وتخلف التنظيم والتدريب وفقدان الثقة بالإنتاج المحلي.
5 – التقاط ما أسميه (بالفرص الضائعة) فكثير من المشاريع عرضت وقدمت دون أن نفكر في استغلالها لبناء القاعدة المولدة للتقدم، وهناك مثالان بارزان أولهما مشروع التلفزيون الملون الذي دخل البلدان العربية في بداية السبعينات، فلقد عرضت شركة طومسون الفرنسية إقامة مصنع لأجهزة الاستقبال من طراز سيكام، على أن تقدم دول الخليج التمويل وتقدم مصر الأيدي العاملة وتقدم شركة طومسون الخبرة الفنية، إلا أن المشروع توقف لغياب القرار السياسي. وثانيهما مشروع إقامة أول شبكة فضائية في العالم العربي، فلقد كان الهدف منه ليس فقط إطلاق أقمار (عربسات) في الفضاء وإنما أيضاً قيام صناعة فضائية عربية ومساعدة الدول العربية فنياً ومادياً على إنشاء الصناعات اللازمة لتجهيز القطاعين الفضائي والأرضي، إنها فرص ضائعة لخلق القاعدة المطلوبة للتقدم.
واضح من كل هذه المتطلبات بأنها أكبر من إمكانيات البحرين أو أية دولة عربية لوحدها، وكنت متعمداً في ذلك، فهذا العصر وهذا العلم وهذا التحدي الحضاري لا يمكن اقتحامه بالعقلية القديمة والسيادة الراهنة. فالمطلوب عقل جديد لعالم جديد أو إرادة حرة قوية للانتقال من مرحلة تضخم الذات القطرية إلى مرحلة التكامل والاندماج العربي ـ على الأقل في هذه الإستراتيجيات التي بحاجة إلى تكتلات ـ فخلال العقود الماضية ترسخت هياكل الدولة القطرية واستكملت أطرها ومقوماتها ولعبت وسائل الإعلام وخاصة الرسمية دوراً خطيراً جداً في تعظيم شأنها وإبرازها كأمة أو شبه أمة، وحتى التدفقات المالية من الدول النفطية إلى غير النفطية لم تعزز العمل العربي المشترك، فقد أخذت شكل مساعدة دولة قطرية لدولة قطرية ثانية، فعملت على تسريع عملية استكمال ما لم يستكمل من هياكل الدول القطرية، ولذلك فإن إستراتيجية التكامل العربي بحاجة إلى إعادة نظر جديدة تهدف إلى تكريس عوامل الوحدة بدلاً من التجزئة.اعتقد بأن هذه هي الأبعاد التنموية الضرورية لأية إستراتيجية إعلامية خارجية، بعدها يمكن الانطلاق بثقة مع مراعاة ودراسة وتنفيذ السياسات الأخرى، وقبلها اعتقد بأن الانطلاقة تكون تقليدية بعيدة عن الإبداعية.
الرؤية الاقتصادية للبحرين كما الرؤى الاقتصادية المعلنة لبعض الدول الخليجية كقطر ودبي لا تنطلق تماما من التكامل القومي أو كأضعف الإيمان التكامل الخليجي رغم أن نجاحها لن يتحقق إلا بذلك بحكم الإمكانات الضخمة المطلوبة وبحكم أن منطقتنا تحتاج فعلا إلى تكتل عربي يشارك العالم بتكتلاته العملاقة العابرة القارات.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro