English

 الكاتب:

علي ربيعة

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الأزمة المالية من منظور مختلف
القسم : اقتصادي

| |
علي ربيعة 2008-12-06 14:42:03


لم تكن الأزمة المالية الحالية وليدة اليوم ولن تكون الأخيرة في مسلسل الأزمات المالية والاقتصادية التي طالما عصفت بالنظام الاقتصادي بين فترة وأخرى تبعا للدورات الاقتصادية. لكن ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها أنها أخذت أبعادا خطيرة جدا، وذلك بحكم تطور النظام الاقتصادي ودخوله مرحلة العولمة الاقتصادية .
من أجل التوصل إلى الوصف الدقيق للأزمة المالية ومسبباتها لا بد من الخوض في طبيعة النظام الرأسمالي المعولم وما نتج عنه من فوارق شاسعة في الدخل على مستوى دول العالم من جهة وعلى مستوى والشعوب داخل كل دولة. في كتابه المعنون باسم الثورة في القرن الحادي والعشرين، يقول كرس هارمن Chris Harman وهو من يسار حزب العمال البريطاني إنه من بين 350 بليونيرا في العالم هناك 200 منهم يملكون أكثر من تريليون دولار أي ألف بليون دولار في موجوداتهم. أما الثلاثة الأكثر غنى من بين هؤلاء فإنهم يملكون مجموع ما تملكه 48 دولة فقيرة في العالم. ويتحدث عن الشركات عابرة القارات فيقول إن هناك 200 شركة يساوي مردود دخلها ربع إنتاج العالم وأن 168 شركة من هذه الشركات تتواجد في خمس دول هي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا. وتذهب المقارنة إلى أبعد من ذلك فتقول إن هناك خمس شركات من هذه الشركات تدار من قبل أربعين فردا فقط لكن إنتاجها يزيد على مجموع إنتاج الشرق الأوسط وإفريقيا مجتمعين وهذا يمثل ضعفي إنتاج دول جنوب آسيا .
هؤلاء الأفراد القلائل حسب قول هارمن هم من يحكم عالم اليوم وهم من يقرر شكل الإنتاج وأين يتم إنتاجه ومن يحصل على الوظيفة ومن يسقط في براثن الفقر. إن نفوذهم الاقتصادي يعطيهم قوة سياسية هائلة في مواقع عملهم وهم يملكون وسائل الضغط على الدول لتنفيذ رغباتهم. إن الذي مكن للولايات المتحدة لبسط سيطرتها المالية في العالم هو نجاحها في إنتاج وشرعنة مبادئ عالمية تمكنها من خلق الأدوات الكافية من مثل دول السبع الكبار وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية وذلك لفرض أجندتها على الأسواق المالية الناشئة .
يكفي الرجوع إلى قانون المنظمة العالمية للتجارة الحرة لنكتشف مدى النفوذ الذي وفرته هذه الاتفاقية للرأسمال العالمي حيث نصت على 1) فتح جميع القطاعات الاقتصادية والموارد الطبيعية للملكية الخارجية. 2) التخلص من القيود الخاصة بنقل الرأسمال. 3) السماح للمنشآت الفردية برفع الدعاوى ضد الحكومات الأجنبية أمام هيئة محلفين دولية .
وفي حال ما فشلت مؤسسة النقد العالمي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية في إخضاع الدول الأخرى للسيطرة فإن البديل هو الوسائل العسكرية المباشرة. يعلق المفكر أنتونيو جرامشي على الوسائل التي تبتكرها الرأسمالية عبر تطورها التاريخي فيقول إن البورجوازية تملك القدرة على تكييف وظائفها الخاصة بحركتها التوسعية المستمرة، وإنها لا تتردد في فرض القوانين البورجوازية كما لو أن هناك طبقة واحدة ومجتمعا واحدا في العالم. هذه إذن الرأسمالية التي تخلق الإمبريالية عن طريق وضع السلطة المتحكمة في اقتصاد العالم في يد حفنة من الدول، ولا يمكن تفسير مرحلة استباحة أسواق العالم باسم العولمة إلا أنها أعلى مراحل الرأسمالية .
ما يميز الاقتصاد المعولم عن سابقه هو نمو سطوة المال وتجاوزه الاقتصاد الحقيقي المتمثل في الإنتاج والتجارة البينية. إن سطوة المال تكمن في صورة تلك التحويلات المالية الضخمة التي تجري في أسواق المال التي وصلت إلى ما يقدر بـ 1.5 تريليون دولار في اليوم. يتحدث هارمن كرس عن المفارقة بين هذين النوعين من الأنشطة الاقتصادية فيقول إنه إلى ما قبل 30 عاما كان الاقتصاد الحقيقي في التجارة والاستثمار طويل الأجل يمثل 90% من عمليات التبادل النقدي مقارنة باقتصاد اليوم الذي تمثل فيه التدفقات المالية قصيرة الأجل نسبة 90% منها 80% ذات علاقة بالمضاربات المالية التي لا تتجاوز مدتها أسبوع واحد. لا شك أن هذه الأرقام تعكس حجم الخلل في الهيكلية الاقتصادية ولذا فقد ربط بعض المفكرين والمحللين الاقتصاديين هذا التغيير الهيكلي بأزمة الرأسمالية على مستوى العالم وحدد بعضه مكامن الأزمة فقال إنها أزمة تراكم المالي الحاد capital .Over-accumulation of
جورج سورس الأميركي من أصل هنغاري الذي اتهم بتخريب أسواق جنوب آسيا يقول إنه بنى ثروته من المضاربات في العملات العالمية ومع ذلك يعلن أنه إنسان عالمي وأنه شخصيا ضد الرأسمالية والعولمة وضد اقتصاد السوق الحر الذي يحول البشر إلى آلات. ويذهب بعيدا فيقول إنه مع الشعب ومع الفقراء ومع الإنسانية وأنه شارك في حركة الاحتجاج المناهضة للعولمة بدءا من سياتل مرورا بجنوه .
جورج سورس هو أول من تنبأ بتكرار حدوث الأزمة المالية التي حدثت في جنوب آسيا العامين 1997 و1998 وأدت إلى تحطيم اقتصاديات تلك الدول التي كان يطلق عليها النمور الآسيوية. في وصفه الأزمة المالية الآسيوية يقول سورس إن ما يجعل هذه الأزمة لا تهدأ سياسا وتشكل خطرا على النظام الرأسمالي الكوني هو أن النظام نفسه هو سبب نشوئها. أي أن منابع الأزمة تكمن في الآلية التي توصف بروح النظام الرأسمالي المعولم وهي تتلخص في تنافس أسواق الرأسمال حيث يتحرك الرأسمال الخاص حول العالم من دون توقف بحثا عن أكبر الأرباح وعن أفضل أماكن الادخار والاستثمار. إنها تتمثل في قدرة بيوت المال والمضاربين على نقل أموالهم من مكان إلى آخر بضربة زر الحاسوب الآلي .
في ظل نظام العولمة باتت المؤسسات المالية تهيمن على الحكومات الليبرالية التي أضحت عاجزة عن الدفاع عن نفسها في وجه لاعبي المال الأقوياء. لقد تحولت الحكومات الغربية إلى خادم للرأسمال وليس أدل على ذلك من قيامها بضخ المليارات to bail out لدفع كلف خسائر وفشل الأسواق المالية بسبب المضاربات كما شاهدنا ذلك في الأيام القليلة الماضية .
وإذا كان إصلاح هذا النظام يتطلب إعادة النظر في مسائل المضاربات المالية ووضع القوانين المنظمة لحركة رأس المال فإن العامل الأهم هو إعادة النظر في النظام المالي الحالي الذي يعتمد الدولار كاحتياطي نقدي وضمان لعملات العالم والتجارة في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من عجوزات ضخمة في موازنتها الفيدرالية وتراكم مهول في مديونيتها الخارجية. وبسبب هذا فشل فإننا نرى كثرة الدراسات والبحوث حول احتمال عودة ما يشبه نظام برتن وودز الذي تم إلغاؤه في 15 أغسطس/ آب 71 من قبل الولايات المتحدة وبقرار أحادي الجانب، حيث يعمل الذهب كأداة لحماية اقتصاد العالم.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro