English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هندسة الجينات, صناعة المستقبل
القسم : عام

| |
عبدالله جناحي 2008-11-23 15:22:11


تواصلا في إثراء الرؤية الاقتصادية للبلاد أصبحت الحاجة للتفكير الجدي في إقامة البنية التحتية المطلوبة للصناعات المستقبلية بحيث تكون البلاد مستعدة للمرحلة العولمية القادمة من جهة، وان يتم التجسيد الفعلي لأطروحة تنوع مصادر الدخل الوطني من جهة ثانية، وتجسيد لأهمية الابتكار كمحور مشار إليه في الرؤية من جهة ثالثة. أقامت جامعة الخليج العربي حفلاً قبل شهور أعلنت فيه عن اكتشاف جديد في علم الجينات قام به فريق من العلماء والمختصين في الجامعة, حيث كشف لنا الجهد العلمي للجامعة وتسجيل الإكتشاف عالمياً. ورغم إنني لست مختصاً في هذا العلم إلا إنني من المتابعين لنتائجة الاجتماعية والقيمية والفكرية منذ الثمانينات القرن الماضي حيث ظهرت سلسلة من الكتب التي تستعرض الإكتشافات الخطيرة لهندسة الجينات, خاصة عندما تم الإعلان عن خلق ضفادع من تلقيح نواة من أنسجة أمعاء ضفدعة أنثى في البويضة, الأمر الذي أثار ضجة أخلاقية كبيرة حيث أنتهى دور الضفدع الذكر في الإنجاب وما يعني ذلك من تداعيات قيمية وأخلاقية ودينية إذا ما تم تطبيق هذه التقنية على الثدييات ومنها الإنسان. ومنذ ذلك التاريخ قفزت هندسة الجينات قفزات هائلة نحو الأمام ليس فقط في قدرتها على أكتشاف معظم شجرة الجينات في الإنسان بل وتمكنها من إدخال ثورة ملموسة في الزراعة والثروة الحيوانية, هذا إضافة إلى الاختبارات التي أثمرت إنتاج حيوانات دون تلقيح كالنعجة (دوللي), فضلاً عن اختبارات سرية لا يعرف العالم نتائجها لغاية الآن. الدول المتقدمة خصصت الملايين من الدولارات لمختبراتها وتجاربها المتعلقة بهندسة الجينات وذلك من منطلق بأن هذا العلم هو علم المستقبل الذي سيقتحم ليس فقط مجال الخلق وإنتاج السلع الزراعية والحيوانية, بل وحتى في علوم التقنية والتي بدأت تمزج بين المادة الجامدة والمواد العضوية الحية لإدخال المشاعر والتفكير فيها. هندسة الجينات وقد تحولت إلى صناعة وفي قادم السنوات قد تتحول إلى قطاع اقتصادي جديد تماماً كما إنخلق مع تطور البشرية والاقتصاد القطاع الصناعي ومن ثم قطاع الخدمات والقطاع المالي والمصرفي بعد ان كانت المجتمعات تعيش فقط على القطاع الزراعي والصيد. صناعة الجينات تدر حالياً ملايين الدولارات من الأرباح على تلك الدول التي بدأت مبكرة في خلق بنيه مختبرية وعلمية ومؤسساتية وقاعدة معلومات وكوادر واجهزة والأهم حسمت الصراعات القيمية والأخلاقية والفكرية الناتجة عن هذا العلم الجديد وقررت الدخول في هذه الصناعة المستقبلية بصمامات أمان وضمانات تشريعية وأخلاقية حتى لا تنفلت هذه الصناعة صوب خلق كائنات جديدة رغم أن هذه الضمانات لن تقف في وجه طموحات وأحلام العلماء الذين يبحثون عن الجديد دوماً. المتأمل لحال دولنا العربية من المحيط إلى الخليج في اهتمامها ورعايتها لهذا العلم الجديد والصناعة الجينية يصيب المرء ليس فقط بالاحباط واليأس من أنظمة سياسية وعقول متخلفة, بل بخوف شديد على مستقبل هذه الأمة, فلا جامعاتنا لديها ذلك الاهتمام والدعم لفتح كليات لهذا العلم الجديد، وان فتحت أقسام فهي تركز على جزئيات وراثية وزراعية وحيوانية محددة, ولا الحكومات وضعت إستراتيجيات واضحة المعالم وخصصت لها الاعتمادات المالية الضخمة لتأسيس البنية والقاعدة الأساسية لهذه الصناعة. والأهم لم تبادر هذه الحكومات العربية بفتح المجال لحوارات فكرية حول إفرازات هذا العلم الجيني الاجتماعية والقيمية والأخلاقية, حيث غياب تام لثقافة هندسة الجينات وآثارها الإيجابية والسلبية. مئات من العقول العربية المبدعة في هذا الحقل تهاجر وهاجرت صوب الغرب الأوروبي والامريكي، والكيان الصهيوني يعمل ليل نهار لإستقطاب بعض من هؤلاء واغرائهم لتقديم محاضرات أو أوراق عمل في الورش المتخصصة لإلتقاط الجديد من الأفكار والإبداعات, وإذا يأس من ترويض أحد العلماء العرب المهاجرين فأن احتمال تصفيته وارد. فقر شديد في تعزيز ثقافة الجينات وضعف أشد في تمويل مراكز االبحوث والدراسات العلمية وخوف اكثر شدة من إقتحام هذا العلم رعبا من تداعياته ومراضاة للفتاوى الدينية الصادرة عن رجال دين يخشون من كل جديد علمي مايلبثون بعد أن يصبح الجديد أمراً واقعاً ومطلباً للناس ومصالحهم وصحتهم ومستقبلهم أن يتراجعوا عن فتاويهم القديمة ليعلنوا عن فتاوى أخرى تضع قيوداً وشروطاً جديدة ما تلبث وان تنهار أيضاً تدريجياً أمام ضرورات الحياة, وخير مثال على ذلك أطفال الأنابيب حيث المتتبع للفتاوى الرافضة التي خرجت منذ بداية اطفال الانابيب إلى أن أنتهت بفتوى قبولها ودخول هذا العلم لجميع المستشفيات العربية. ورغم أن هذه الفتاوى ومن يقف ورائها لم تتعلم من الحياة وأن عليها التأني وترك هذا الحقل العلمي لأصحابه, إلا أن وجود مثل هذا القيد الشرعي المستمر هو أحد أسباب تأخر أمتنا في اقتحام العوالم الجديدة الجريئة والخطيرة أحياناً, وبالطبع الأسباب الرئيسية الأخرى تتمثل في عدم وجود أنظمة عربية مؤمنة بالعلوم والحداثة والتجديد وغير مستعدة أن تقدم جزء من الثروة الوطنية للاستثمار طويل المدى حيث إنها كأية طفيليات تريد الأرباح السريعة والتكاليف القليلة, فلا رؤية مستقبلية ولا إيمان بعلم المستقبليات. بيد أن الفرصة ما زالت متوفرة للحكومات التي تؤمن بالتقاط الفرص, فمثلما ضيعت هذه الأمة فرصة التصنيع عندما كان في بداياته والتقطتة دول شرق أسيا بعد الاستقلالات السياسية, ومثلما ضيعت الأمة فرصة بناء قاعدة لعلم الحاسوب ومدخلاته ومخرجاته والتقطتة الهند والصين، (علما بان طرحت ذات الفكرة حديثا بتحويل جزر حوار إلى حاضنة للصناعات الالكترونية), فأن أمام هذه الأمة خيارين الأول الاستمرار في غيبوبتها العلمية واللهاث وراء البورصات والأموال المليارية الطيارة وبناء الأبراج والجزر السياحية والمصارف والعقارات والتي تدر المليارات من الأرباح اليومية ولكنها لن تخلق تراكماً مادياً وصناعياً وعلميا و فكرياً ولا إنسانا منتجاً, أو خيار التفكير في بناء قواعد لصناعة الجينات, كعلم مستقبلي سوف يفرض نفسة على الاقتصاد العالمي قريباً, ان لم يكن قد فرض نفسة فعلاً، وكذلك الصناعات المعرفية الجديدة الأخرى.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro