English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المجلس الأعلى للأجور، ضرورة اقتصادية واجتماعية
القسم : اقتصادي

| |
عبدالله جناحي 2008-11-14 15:45:49


تواصلاً في إثراء الرؤية الاقتصادية المطروحة يأتي موضوع تأسيس المجلس الأعلى للأجور لتعزيز المبدأ الثالث من الرؤية والمتمثل بتحقيق العدالة، ولتفعيل محاور الرؤية المتعلقة بدعم الأجور والرواتب وصولاً إلى تحسين مستويات المعيشة.
ابتداءً لابد من الإشارة والتذكير بأن مجلس التنمية الاقتصادية قد طرح مشروعات الإصلاح الاقتصادي وسوق العمل والتعليم والتدريب، واسترشد كثيراً بالتجارب الناجحة على هذه الصعد، ومنها التجربة السنغافورية التي أخذت منها جملة من النماذج المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي ومعاهد التدريب ومناهج التعليم.
وحيث إن التجربة السنغافورية غنية وناجحة في هذه المجالات، وحيث إنها قريبة في سياستها الاقتصادية المعتمدة على الاقتصاد الحر!! من جهة، وعلى وجود احتكار حكومي وتدخل الدولة وتأسيس شركات قابضة وصناديق سيادية حكومية، فإن للتجربة السنغافورية نماذج ناجحة أيضاً في إصلاح سوق العمل ومنها وجود المجلس الوطني للأجور الذي يعتبر من أنجح المجالس ثلاثية أطراف التمثيل فيها من الشركاء الاجتماعيين (الحكومة ـ أصحاب الأعمال ـ العمال).
سوق العمل السنغافوري في ملامحها العامة تقترب من بعض خصوصيات أسواق العمل الخليجية، فحسب ورقة بحثية لوزير القوى العاملة (نغ إنغ هين) ألقاها في مؤتمر العمالة التعاقدية الذي عقد في أبوظبي في يناير الماضي، يشير أن في عام 2006 قد تم توفير نحو 180.000 ألف وظيفة (مئة وثمانين ألف) نصفها ذهبت للأجانب، وحسب الموقع الالكتروني للحكومة السنغافورية فإن30 % من القوة العاملة السنغافورية هي من العمال المهاجرين. ولذلك فإن التبريرات التي يطرحها أصحاب الأعمال بأن وجود نظام الحد الأدنى للأجور سوف يؤدي إلى انهيار مؤسسات القطاع الخاص في ظل اعتمادها على عمالة أجنبية رخيصة هي تبريرات أثبتت التجربة السنغافورية عدم موضوعيتها.
وحيث إن السياسة الاقتصادية والاجتماعية السنغافورية متكاملة في قطاعاتها وكل قطاع يدعم برامج القطاع الآخر. فالتعليم والتدريب في انسجام نسبي مع سوق العمل التي هي في تفاهم مع المؤشرات الاقتصادية ومن ثم في تناغم مع تأثيرات التضخم وارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاجية وعلاقتها بدعم الأجور ورفعها دورياً.
فإن المطلوب من منفذي الرؤية الاقتصادية البحرينية خلق مثل هذا الانسجام والتناغم خاصة وإن كثرة من مشروعاتها مسترشدة بالتجربة السنغافورية.
المنطلق الثاني الذي يعزز أهمية وجود المجلس الأعلى للأجور ويفرض على الرؤية الاقتصادية للبلاد بأن تغير بعض مسارها بالابتعاد نسبياً عن الاقتصاد الحر الذي يتبنى برنامج (إجماع واشنطن) والذي كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة عن مقدار الوهم الكبير في وجود اقتصاد لا تتدخل فيه الحكومات، خاصة أن بعض فقرات الرؤية تفوح منها رائحة برامج صندوق النقد الدولي التي فشلت فشلا ذريعا في معظم دول العالم.
إن التدخل الحكومي الضخم في الأزمة الاقتصادية الراهنة عبر ضخ مئات المليارات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب ومن خزانة الدولة (المال العام) لصالح إنقاذ المصارف والشركات الخاصة والقيام بإجراءات التأميم الجزئي في الدول الرأسمالية يكشف ليس فقط عن المسؤولية الكبيرة للحكومات في إنقاذ المؤسسات المالية والمصرفية وحتى الصناعية الخاصة، بل يكشف على أهمية التدخل بالتالي في تصحيح الأجور والرواتب للعاملين في هذه المؤسسات الخاصة و القطاع الحكومي، فالحكومة كما هي مطالبة بضخ المليارات من الدولارات لإنقاذ القطاع الخاص هي مطالبة بالتالي بدعم دخول المنتجين من المواطنين، خاصة بأن الأغلبية الساحقة تعتبر الأجور والرواتب هي مصدر دخلهم الوحيد.
ومن هنا تأتي أهمية وجود المجلس الأعلى للأجور كآلية تشاركية للمراجعة الدورية لمستويات الأجور.
وعليه وأمام مؤشرات عالية بعودة الاعتبار لما سمي بالاقتصاد الذي يقاد عبر رأسمالية الدولة وليس عبر آليات السوق الحرة فإن الرؤية الاقتصادية تحتاج إلى تعديل بعض مسارها وفلسفتها وضرورة إيجاد سياسات اقتصادية تؤمن بالربط بين عمليتي النمو والفقر، وإن القضاء على الفقر لابد من ربطه بسياسات تدخل مباشرة موجهة للفقراء وذوي الدخل المحدود وحتى متوسطي الدخل كطبقة اجتماعية بدأت تتلاشى.
الاطلاع على التجارب العربية والعالمية الناجحة منها والفاشلة في مجال سياسات دعم الأجور عبر المجالس القومية هو ضرورة منهجية، وحيث إن هذا المقال أعطى للتجربة السنغافورية الثقل الأكبر فإنه من المفيد استعراض الآليات التي يسير عليها المجلس الوطني للأجور في سنغافورة.
فقد انطلق هذا المجلس من رؤية اقتصادية حيث أعلن أولاً عن (سياسة تصحيح الأجور) التي صممت لزيادة القوة الإنتاجية وخاصة للمهن والقطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى، وبهدف تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية الرخيصة وغير الماهرة، وكان من نتائج هذه السياسة أن تضاعف بند الأجور في صندوق الادخار، وفي مرحلة لاحقة (1988) تم تصحيح الرؤية بحيث تم تنفيذ (سياسة المرونة في الأجور) حيث ظل الأجر الأساسي مستقراً نسبياً في ظل الركود الاقتصادي مع تعديلات جيدة في المكافآات السنوية ومع استمرار توافق أصحاب الأعمال والنقابات العمالية في تقاسم الأرباح والحوافز الإنتاجية.
المنطلق الثالث الذي يعزز وجود المجلس الأعلى للأجور يتمثل في أن هذه الآلية المؤسساتية ستخلق قاعدة معلومات اقتصادية متوافق عليها وشفافة ودقيقة نسبياً، فالجميع سيكونون مشاركين في تحديد الأداء الاقتصادي والنمو الاقتصادي ومعرفة لنسب القوى العاملة وفرص العمل الجديدة ومعدلات البطالة وتوقعات نمو العمالة والتضخم ودراسة نسب ارتفاع الأجور وإنتاجية العمل والتكاليف والقدرة التنافسية، حيث يصل الشركاء الاجتماعيين الثلاثة في نهاية المطاف إلى رؤية مشتركة وقبول لتنفيذ التوصيات، وعلى سبيل المثال فإن الحكومة السنغافورية قد أعلنت فور صدور ميزانية عام 2008م بأنها ستلتزم بتوصيات المجلس ومنها تجميد الرسوم والنفقات في ظل (عدم اليقين الاقتصادي) الذي لابد من مراعاته أمام مستقبل الاقتصاد العالمي وانعكاساته على الاقتصاد الوطني.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro