English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

القانون هو القانون
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-11-11 23:25:19


بدأتُ مسودة هذا المقال تحت عنوان ''القانون حُمَار''. إلا أنني سرعان ما غيرته خشية أن يساء فهم العبارة المتداولة في اللغة الإنجليزية، وخصوصاً بين المهتمين بمتابعة القوانين البالية أو تفسيراتها النصية أو تطبيقاتها المتعسفة. وهي العبارة التي تقال في كل مرة تستخدم السلطة قانوناً بالياً مضى زمنه وتردد أن القانون هو القانون وعليكم احترامه. أو حين تفسر السلطة قانوناً من القوانين تفسيراً حَرْفياً جامداً، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار، بديهية إن هدف دولة القانون هو تحقيق العدالة وإقامة الحق، وليس الدفاع عن النصوص. أو حين تطبق السلطة قانوناً بتعسف مفرطٍ لا يليق بسلطة ترغب في تكريس شرعيتها، عن طريق اقتناع الناس بتلك الشرعية ورضاهم بها لا، عن طريق خوفهم منها .
تعود عبارة ''القانون حُمَار'' إلى الروائي تشارلس ديكنز الذي كان أحد أهم أدباء اللغة الإنجليزية في القرن التاسع عشر. ففي روايته المشهورة ''أوليفر تويست''، نقرأ العبارة على لسان بامبل بعد سماعه أن القانون يفترض أن ''تصرفات زوجته تتم بإشرافه'' أي أن القانون يفترض وصاية الرجل على تصرفات زوجته وبالتالي مسؤوليته عن تلك التصرفات. وكان رد بامبل هو ''إذا افترض القانون ذلك، فالقانون حمارٌ وغبي[1]''. لم يكن ديكنز يتحدث عن قانون مُتَخَّيل، بل عن قانونٍ كان سارياً وتتشابه بعض تبعاته مع تبعات ''قوامة الرجل'' حسب تفسيراتها المتشددة في تراثنا .
لستُ هنا في وارد إعطاء درس في الأدب الإنجليزي أو في القانون أو تاريخ القوانين، فليس لي في الحقول الثلاثة ما أفاخر به. إلا أن في عبارة ديكينز المتداولة ما يترجم مشاعر الكثيرين، الذين تتعرض مصالحهم وسمعتهم وحتى حياتهم لأحكام قوانين بالية، أو لتفسيرات حَرْفية، أو تطبيقات متعسفة لقوانين، لا تأخذ بعين الاعتبار ما يشهده المجتمع من حراك، وما تتطلبه التغييرات في الزمان والمكان والناس من مراجعة وتنقيح للقوانين. أعادني البيان الصادر عن وزارة الداخلية في صورة تصريح للوزير نشرته الصحف كافة كما جاءها. (ولعل في هذا ما يستحق التأمل عن طبيعة علاقة صحفنا بالجهات الرسمية. إلا أن هذا موضوع آخر). جاءت صياغة البيان لتوعية الناس وتنبيه الغافلين منهم وتذكيرهم بمادة في قانون العقوبات تنص على عقوبة ''بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبالغرامة التي لا تقل عن مئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مواطن، أياً كانت صفته، حضر بغير ترخيص من الحكومة أي مؤتمر أو اجتماع عام أو ندوة عامة عقدت في الخارج، أو شارك بأية صورة في أعمالها بغرض بحث الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية في دولة البحرين أو في غيرها من الدول، وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بدولة البحرين، أو النيل من هيبتها، أو اعتبارها أو الإساءة إلى العلاقات السياسية بينها وبين تلك الدول ...''.
حرَّك تصريحُ الوزير أطرافاً كان بعضها غافلاً، وكان بعضها الآخر متغافلاً عن حقيقة أن أغلب القوانين السارية صدرت في عهد الحماية البريطانية ولأغراضها أو صيغت في حقبة أمن الدولة لتكريسها. وبسبب غفلتها أو تغافلها، إلتهت تلك الأطراف، سواء أكانت في داخل المجلس الوطني أو خارجه، بأمور شتىً ليس بينها مراجعة مجموعة القوانين والأنظمة والتشريعات والمراسيم. لم تتم هذه المراجعة، تنقيحاً واستبدالاً وإلغاءً، رغم الحاجة إليها لمواكبة العصر ولتأكيد نوايا إصلاح النظام السياسي وتأمين متطلباته، ناهيك عن توفير ضمانات استمراره .
لم تفاجئني شخصياً ردود الفعل على بيان وزير الداخلية[2]. فلقد عكست حجم الانقسام السياسي في بلادنا الذي يصل إلى حد مطالبة نواب بحل المجلس الوطني، عقاباً لما قاله هذا النائبُ أو ذاك[3]. إلا أن ما فاجأني حقاً وأحزنني هو أن نوابنا وقادة جمعياتنا السياسية كانوا في حاجة لقيام وزير الداخلية بتذكيرهم بأن ''حالتنا حالة''. فلو سأل هؤلاء أياً من أصحابنا القانونيين الذين يستحقون أن نفخر بهم، لأخبرهم بأكثر مما أشرتُ إليه أعلاه. ولأكَّد لهم أن جل ما تحتويه مجموعة القوانين في البحرين هو مما ورثناه من حقبتيْ الحماية البريطانية وأمن الدولة .
يستحق وزير الداخلية أن يشكره النواب وقادة الجمعيات على إصدار بيانه للتذكير والتنبيه والتوعية. ولكن الوزير وضعني شخصياً في مشكلة كبيرة. فلقد تلقيتُ منذ أشهر دعوة لإلقاء محاضرة في ندوة يقيمها مركز أبحاث أوروبي حول ''دول مجلس التعاون''. وتكرَّم المنظمون فتركوا لي حرية اختيار موضوع محاضرتي. وبالفعل جرى الاتفاق على أن أتحدث حول ''التهديدات الداخلية التي تتعرض لها دول مجلس التعاون''. وفيها سأعرض وجهة نظرٍ أكررها منذ فترة. وتتلخص في أن أخطر التهديدات التي تتعرض لها بلداننا هي تهديدات داخلية. بعض هذه المخاطر يتجسد في صور مختلفة، يعكس كلٌ منها جانباً من جوانب انعدام التوازن بين قوى السلطة والمجتمع. وتأتي مخاطر أخرى جرّاء افتقار بلداننا إلى آليات حل التنازع والتنافس ضمن قوى السلطة من جهة، وكذلك ضمن قوى المجتمع من الجهة الأخرى .
أقول لقد وضعني بيان وزير الداخلية في مشكلة كبيرة لعدة أسباب. أولها إنني لم أستحصل على ترخيص مسبق من الحكومة البحرينية للمشاركة في تلك الندوة العامة في الخارج التي تنظمها جهة أجنبية. وثانيها أن الندوة ستتناول تفاصيل الأوضاع السياسية والاجتماعية في البحرين وبقية دول مجلس التعاون. وثالثها أنني لستُ في موقع أتيقن فيه من عدم حضور شخص أو أشخاص يستغلون ما يقال في الندوة أو على هامشها لأغراض شريرة من قبيل ''إضعاف الثقة المالية بدولة البحرين أو النيل من هيبتها أو اعتبارها أو الإساءة إلى العلاقات السياسية بينها وبين تلك الدول''. ورابعها إنني سألتقي على هامش الندوة بمسؤولين رسميين في الدولة المضيفة. بل أنني وافقتُ، يا ويلتي، على أن أجتمع باثنْين منهم في اجتماعيْن منفصليْن. أما خامساً فإن الندوة ستُعقد في الأسبوع المقبل، وليس من وقت للاعتذار. ولا أظن أن الوزير سينصحني بالاتصال بالجهة المضيفة، لأقول إنني لن أحضر لأن قوانين بلادي تمنع المشاركة في ندوة علمية قبل الحصول على موافقة مسبقة. فلو فعلتُ هذا لصارت ''فضيحة بجلاجل''. ولهذا لا أعرف حلاً للمشكلة التي وضعني الوزير فيها، سوى أن أقول مثلما قال تشارلس ديكينز قبل مئة وسبعين سنة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro